بعد عام من تمديد الرئاسة ..فشل البرنامج الاقتصادى للرئيس مبارك

تمر هذه الأيام الذكرى السنوية الأولى للوعود الانتخابية التى قطعها الرئيس حسنى مبارك على نفسه أثناء ما سمى "المعركة الانتخابية للرئاسة"، وشملها برنامجه الانتخابى .. فما الذى تحقق من هذه الوعود ؟ وما الذى لم يتحقق ؟ تعالوا أذن نحاسب الرئيس. الحقيقة والموضوعية تقضيان القول بأن الرئيس مبارك حينما تسلم مقاليد الأمور، بعد أغتيال الرئيس السابق " أنور السادات " كانت مصر وأقتصادها على حافة الإفلاس ، فلا هى قادرة على تسديد ديونها التى زادت فى عهد الرئيس السادات من أقل من 5 مليارات دولارعام 1970 – بخلاف الديون العسكرية التى قاربت 3 مليارات دولار – إلى ما يقارب 30 مليار دولار ، ولا هى بقادرة على أستثمار نتائج حرب أكتوبر عام 1973 ، والمشاركة فى الغنائم الاقتصادية والمالية الهائلة التى تحققت لدول النفط العربية ، بسبب سياسات الرئيس السادات التى أرتمت فى أحضان الولايات المتحدة الأمريكية، وأقدمت على عقد أتفاقية تسوية و "استسلام" لمطالب "إسرائيل" وشروطها، مما أدى إلى عزل مصر إقليميا ودوليا.
بيد أنه، وبعد مرور أكثر من ربع قرن من تولى الرئيس مبارك الحكم ، يكاد يترك مصر وهى على حافة أنهيار اقتصادي وسياسى وأخلاقى غير مسبوق ، بسبب تحالف طبقة رجال المال والأعمال، التى صنعها السادات بسياساته ورعاها الرئيس " مبارك وعائلته بقراراته وحضوره الدائم على موائد محافلها ومغانمها ، مع طبقة العسكر والبيروقراطية العتيدة.
وعلى الرغم مما سبق وعرضناه فى مقالات ودراسات وكتب ، خلال السنوات القليلة الماضية عن نتائج سياسات الرجل ومخاطرها على مستقبل مصر وأجيالها القادمة ، فأننا نجد أنفسنا مرة أخرى مطالبون بمناقشة وتحليل نتائج هذه السياسة خلال عام من إعادة تنصيبه رئيسا للجمهورية فى ضوء برنامجه الذى قدم به نفسه فى حملته الانتخابية فى سبتمبر من العام الماضى ( 2005) ، لنتعرف بدقة على ما حققه منها وما لم يحققه.
بيانات الحكومة .. وألاعيب الأرقام
قدمت الحكومة خلال الأسابيع القليلة الماضية، وعبر الصحف الرسمية ، بعض البيانات والأرقام التى تشير إلى الإنجازات التى تحققت فى العام المنصرم وأهمها :
1- أن معدل النمو فى الاقتصاد القومى المصرى قد بلغت 5.9% .
2- أن مستوى التشغيل للعمالة قد قارب 400 ألف فرصة عمل جديدة .
3- أن حجم الصادرات المصرية قد زاد من أقل من 5 مليارات دولار إلى ما يقارب 12 مليار دولار .
فما وجه الحقيقة فى هذا ؟ وما أنعكاساته على حياة المصريين ؟
يبدو أننا مطالبون فى كل مرة نناقش فيها بيانات الحكومة ودعاويها الاقتصادية، أن نبدأ بعرض البديهيات التى يدرسها طلبة السنوات الأولى بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، أو حتى كليات التجارة، وهى أن غاية أى إنجاز، أو أداء اقتصادي للحكومة هو تحسين أحوال المعيشة لغالبية السكان الذين هم عماد أى مجتمع، والذين يتحددون فى حالتنا المصرية فى الفئات التالية:
1- موظفى الحكومة والقطاع العام وشركاتها ، الذين يبلغ عددهم حوالى 6.5 مليون مواطن، يعولون فى المتوسط حوالى 15 إلى 18 مليون مواطن.
2- العاملون فى القطاع غير الرسمى فى الاقتصاد، والعمالة الهامشية والحرفيين، والذين يقدر عددهم بحوالى 8 مليون مواطن، يعولون فى المتوسط حوالى 24 مليون أنسان.
3- الفلاحون والمزاعون الذين يبلغ عددهم حوالى 3 مليون فلاح ، يعولون بدورهم فى المتوسط حوالى 9 مليون مواطن.
4- وبخلاف هؤلاء هناك عمال وموظفى المشروعات الخاصة والاستثمارية المنظمة- أى الذين لديهم سجلات وتراخيص وحسابات منتظمة – والذين تعرضوا بدورهم لعمليات أستنزاف بشعة حرمتهم من التمتع بنظم التأمينات الاجتماعية والضمان الصحى والأجازات، وغيرها ويقدر عدد هؤلاء حوالى 2 مليون مواطن يعولون بدورهم حوالى 6 مليون أنسان.
بأختصار، فأن هؤلاء جميعا يشكلون حوالى 45 مليون إلى 50 مليون أنسان ، أى ما يمثل حوالى 64% إلى 70% من سكان مصر، فما الذى قدمته حكومة الرئيس "مبارك " لهؤلاء خلال العام الماضى؟ وأين مناط الخطأ والخلط فى بيانات الحكومة؟
إذا عدنا إلى بيانات الحكومة عن إنجازاتها خلال العام الماضى، السابق الإشارة إليها ، نستطيع أن نشير إلى مناط الخطأ والتلاعب الحكومى فى النقاط التالية:
1- أن معدل النمو فى الاقتصاد القومى ، لم يشر إلى ما يعنيه بهذا النمو ، هل يقصد معدل نمو الناتج القومى ؟ أم الإنتاج القومى ؟ أم الناتج المحلى الإجمالى ؟ ويعرف طلاب أقسام الاقتصاد جميعا مقدار الفارق الكبير بين كل هذه التعبيرات والمصطلحات ، وهى كلها لا تشير إلى معنى واحد ، بل إلى معان مختلفة وأحيانا متناقضة ، كما أن هذا البيان يقدم المعدل وفقا للأسعار الجارية ، وليس بالأسعار الثابتة، والجميع يعلم – كما سوف نعرض بعد قليل – أن العام الماضى ( والأول فى رئاسة مبارك الخامسة ) قد شهد أعلى معدلات التضخم وأرتفاع الأسعار ، بحيث أكتوى منها الفقراء ومحدودى الدخل ، والتى تجاوزت فى معظم السلع والخدمات معدل من 25% إلى 40% مثل أسعار الوقود والمحروقات ، والسلع الغذائية والخضروات ، ومستلزمات الإنتاج كالأسمنت والحديد وغيرها .

جدول رقم (18)
تطور أسعار بعض السلع والخدمات خلال الفترة من سبتمبر عام 2005 إلى سبتمبر عام 2006

المجموعة

الأسعار ( بالقرش )

سبتمبر 2005

سبتمبر 2006

الخضروات

150

250

البطاطس

200

300

الطماطم

150

300

متوسط الزيادة خلال الفترة 20%

الألبان ومنتجاتها ( بالقرش الكيلو )

لبن سائب

250

350

لبن أكياس

250

400

جبنة بيضاء – أنواع مختلفة

950

1200

حلاوة

675

800

الوقود ( باللتر )

بنزين ( معيار 80 – 90 -92 )

100 – 120

130 – 140

سولار

45

75

كيروسين

50

100

أخرى

أرز

200

250

سكر

250

350

صابون

100 – 125

خفض الوزن 25% وبقاء السعر

كبريت ( بالقاروصة )

100

150

الخدمات

مترو الأنفاق ( بالقرش )

75

100

عربات النقل العام

50 – 75

75 -100

2- كما أن هذا المعدل الحكومى – الزائف – قد تغاضى عن حقيقة ما جرى من أرتفاع فى سعر برميل النفط ، ومصر دولة مصدرة له ، منذ الأحتلال الأمريكى للعراق ، وتصاعد أعمال المقاومة البطولية المسلحة للشعب العراقى ، وما خلقه ذلك من مناخ توتر فى أسواق الطاقة والنفط ، بحيث زاد إلى ما يقرب من 70 دولارا للبرميل، ويقل قليلا بالنسبة للزيت الثقيل الذى تنتجه مصر. وهذا هو السبب فى زيادة الصادرات المصرية ، وليس بسبب خلق أسواق جديدة للمنتجات المصرية ولا "الكويز" أو غيرها.
3- أما الأدعاء بأن أسواق العمل المصرية قد نجحت فى توفير ما يقارب 400 ألف فرصة عمل جديدة ، فهو أمر يعوزه البرهان ، وذلك لعدة أسباب ، منها حالة الركود فى الأسواق وبالتالى فان تصور وجود عمليات توسع أو أستثمارات أنتاجية جديدة ، أو خدمية من القطاعين الحكومى أو الخاص تصبح غير صحيحة على الأطلاق ، ومنها كذلك أن الدولة لا تزال تنتهج سياسات الخصخصة الرامية إلى أنسحابها من الأنشطة الإنتاجية ، مما أدى إلى وقف أى توسعات فى شركات القطاع العام أو قطاع الأعمال العام ، بل العكس هو الصحيح، حيث حالة الأنتظار البليدة من جانب جميع رؤوساء الشركات أنتظارا لعمليات البيع المرتقبه، وما جرته من سياسات "خلو الرجل الوظيفى" أو ما يسمى المعاش المبكر التى زادت من معدلات البطالة وليس العكس. كما ان الأرقام المؤكدة تشير إلى تواضع حجم الأستثمار الأجنبى المباشر، بأستثناء قطاع الطاقة والبورصات وهى بطبيعتها قطاعات غير منتجة لفرص عمل جديدة أو مؤثرة.
4- وأخيرا فان حالة الكساد والركود فى الأسواق المصرية قد أنعكست سلبيا على المشروعات الصغيرة وما يسمى "مشروعات الشباب"، بحيث يعانى هذا النشاط من مشكلات عويصة ، ليس فى مجال التسويق فحسب ، وأنما فى مجال تسديد القروض لمصادر التمويل المختلفة ، وبالتالى فأن تصور توفير فرص عمل جديدة من خلال هذا النشاط هو تصور غير واقعى.
فماذا قدم الرئيس مبارك وحكومته خلال العام الماضى لمواطنيه وشعبه ؟
نستطيع أن نشير إلى ما قدمه الرئيس لشعبه ومحدودى الدخل هو التالى:

1-الأسعار والأجور:
كان من أبرز النقاط البرنامجية التى قدمها " الرئيس " فى برنامجه الأنتخابى فى سبتمبر من العام الماضى، هو الوعد بمضاعفة الأجور والمرتبات للموظفين خلال السنوات الستة القادمة من ولايته الخامسة. ويدرك الأقتصاديون خصوصا والمواطنون عموما أن العبرة دائما ليست فى زيادة الأجور الأسمية ، بقدر ما تحمله هذه الأجور من قدرة شرائية معينة ، فعلى سبيل المثال ، إذا زادت الأجور لشخص بنسبة 10% أو حتى 20% خلال عام ، وفى الفترة نفسها زادت أسعار حاجياته الأساسية من سلع وخدمات بنسب تتراوح بين 10% أو 20% أو حتى 30% أو أكثر أو أقل ، فأن المحصلة النهائية قد تكون تدهور قيمة الأجر الحقيقى ، على الرغم مما قد يكون من زيادة شكلية أو أسمية ، وهذا هو ما حدث بالضبط مع وعد الرئيس .
ذلك أنه ومنذ عام 1987 أنتهجت حكومات الرئيس مبارك سياسات تقوم على تقديم علاوة خاصة لموظفى الدولة والقطاع العام وشركات قطاع الأعمال العام تترواح بين 10% و 15% وأحيانا 20% من قيمة الأجر الأساسى ، مقابل تخلى الدولة فعليا عن سياسات دعم الأسعار للسلع والخدمات ، وترك آليات السوق تؤدى فعلها ، ومع ثبات نسبى فى الأسعار خلال الفترة من 1992 إلى 1998 ، حدث بعض التحسن النسبى فى أحوال الموظفين ، أتت عليها آليات الفساد التعليمى تحديدا ، بحيث تآكلت هذه الزيادات مع تكاليف الدروس الخصوصية .
والجديد الآن أنه قد حدثت مصيبتان لمحدودى الدخل، أولهما: زيادة كبيرة وغيـر متــوقعة فى أسعار السلع والخدمات خلال العام الماضى وحده، ترواحت بين 30% و 40% فى أسعار معظم تلك السلع والخدمات.
وثانيهما : أستمرار الفساد التعليمى، ومن ثم زيادة فاتورة تكاليف التعليم الحكومى والخاص ، بحيث أصبحت الزيادة الجديدة التى قدمها "مبارك" للعاملين والموظفين (فى حدود 15% تقريبا ) فى العام الحالى لا تفى بمتطلبات الزيادة الكبيرة فى الأسعار، مما يعنى فى المحصلة النهائية تدهور مستوى معيشة هؤلاء الموظفين ، والأسوأ أن القطاع الأكبر من محدودى
الدخل الذين أشرنا إليهم ، ويمثلون حوالى 64% إلى 70% من سكان مصر ، قد تضرروا من هذا الوضع الجديد الذى أتى به مبارك لهم فى عامه الأول بعد ربع قرن من الحكم.

2-الإزاحة التعليمية .. كارثة جديدة
من أخطر السياسات التى يتبعها نظام الرئيس مبارك وينفذها وزرائه ، هى ما أسميه سياسات " الإزاحة الإجتماعية " ، حيث تلجأ الحكومة إلى دقع الناس دفعا إلى التعامل مع القطاع الخاص عبر تخلص الحكومة من أعباء الخدمات الضرورية التى يقوم بها أى نظام حكم محترم .
ففى مجال التعليم يجرى تقليص أعداد المقبولين فى الكليات الجامعية الحكومية ، مع رفع درجات القبول بها مما يضطر الأهالى وأولياء الأمور إلى تقديم أوراق أبنائهم إلى الجامعات الخاصة والأكاديميات التى تزيد عن 20 جامعة وأكاديمية خاصة ، كثير منها يفتقر إلى المستوى التعليمى المقبول أو المعترف به مقابل الحصول على مبالغ طائلة .
وجوهر المآساة للأسر المصرية تتمثل فى أولياء أمور الطلاب الذين يحصل أبنائهم على مجموع درجات تزيد على 90% من مجموع النجاح ، ثم يجدون أنفسهم عاجزون عن الألتحاق بالكليات التى يرغبون أو يطلقون عليها كليات القمة ( الطب – الهندسة – الاقتصاد – الإعلام .. الخ ) مما يدفع أولياء الأمور دفعا إلى التصرف فى أى شىء من أجل إلحاق أولادهم ببعض تلك الكليات التى يرغبون فيها ويطمحون .
هذه الإزاحة الاجتماعية المقصودة ، يكمن ورائها عقل رجال مال وأعمال ، وليس رجال دولة وقادة ، أنهم يحطمون طموح الأجيال الجديدة ، ويدفعونهم دفعا إلى اليأس من كل شىء فى هذا البلد المنكوب برئيسه وعائلته والملتفين حولهم من رجال المال والبيزنس .

3-البطالة .. وأغتيال جيل كامل
لقد أدت سياسات الرئيس مبارك ، ومن قبله سلفه " السادات " إلى تآكل قوى الإنتاج فى مصر ، والتى تعتمد بصفة أساسية على الدور الحكومى والقطاع العام فى مجال الإنتاج ، ومنذ أن تبنى النظام والحكم عام 1974 سياسة الانفتاح الاقتصادى ، ومنح القطاع الخاص ورجال المال والأعمال الدور الأكبر فى الاقتصاد المصرى ، ومعاداة فكرة المشروع العام ، وأنتهاج الرئيس مبارك منذ عام 1991 سياسات الخصخصة ، ووقف تعيين الخريجيين وهناك تراكم فى أعداد العاطلين من الشباب ، بحيث تجاوز عددهم وفقا لبعض الدراسات العلمية المحايدة والموضوعية حوالى 6 ملايين عاطل ، معظمهم من المتعلمين ، وشاهدنا فى عصر " مبارك " مئات الآلاف – دون مبالغة – من الفتيات والشباب المؤهل علميا يجوبون المقاهى والشوارع حاملين سلعا هامشية يتوسولو بيعها ويعرضون أنفسهم إلى مخاطر أخلاقية عديدة ، فهل يرضى الرئيس والسيدة قرينته- راعية المرأة المصرية – أن يجوب أبناؤنا وهم فى سن الإنتاج والعمل فى الشوارع والمقاهى باحثين عن أى شىء .. وكل شىء ..!!
وقد أستمرت هذه الظاهرة فى التزايد خلال العام الماضى ، خصوصا أن النظام التعليمى المصرى يقذف كل عام حوالى 450 ألفا إلى 500 ألف شاب وفتاة إلى سوق العمل دون توافر فرصة حقيقية .
1– الدين المحلى .. التأمينات .. والوائع المصرفية
استمرت سياسات الرئيس مبارك خلال العام الماضى فى الأتجاه نفسه الرامى إلى تحميل الأجيال القادمة عبء سياساته الاقتصادية الضارة ، فمن ناحية أستمر الأعتماد على تمويل العجز فى الموازنة العامة والاستثمارات الحكومية من خلال الأقتراض المحلى ، عبر طرح أذونات الخزانة والسنادت الحكومية ، ومن ناحية أخرى الأستيلاء القسرى على أموال صناديق التأمين والمعاشات .
والخطير فى العام الماضى هو أقدام الحكومة والنظام على خطوة لها أضرار راهنة ومستقبلية على أصحاب المعاشات وأبنائهم وذويهم ، حيث جرى دمج هيئة التأمينات القومية فى الهيكل التنظيمى لوزارة المالية ، تمهيدا لتغيير النظام التأمينى كله الذى ينتمى – من وجهة نظر رجال المال والأعمال الجدد – إلى النموذج الاشتراكى القديم ، حيث يجرى إعداد " وطبخ " قانون جديد للتأمينات الاجتماعية ، يقوم على نظرية " الدفعة الواحدة " بدلا من النظام القائم حاليا المعتمد على فكرة " الدفعات المستمرة " ، ويهدف النظام الذى يجرى إعداده بمعرفة الوزير " الشيطانى " يوسف بطرس غالى ، إلى تحقيق هدفين خطيرين :
الأول: السيطرة على أموال التأمينات من أجل إظهار الدين المحلى بأقل من حقيقته أمام مصادر التمويل الدولية.
الثانى: نقل عبء نظام التأمين من الدولة إلى الأفراد ، مع تنشيط سوق التأمين التجارى ، وشركات التأمين الخاصة على الحياة ، ومن ثم قصر فائدة النظام التأمينى على صاحب المعاش وحده ، دون بقية المستحقين وفق شروط معينة ، وهو ما سنتناوله تفصيلا فى المقال القادم .
أما فائض الودائع لدى النظام المصرفى ، فهو يعكس بشكل جلى خللا فى الأداء الاقتصادى الحكومى ، فهذه الأموال تركت لتقديمها إلى رجال المال والأعمال لسنوات طويلة ، وأمتنعت عن تقديمها إلى شركات القطاع العام وقطاع الأعمال العام ، بحجج واهية ، وهو ما أدى إلى ما شاهدناه خلال السنوات الماضية من تهرب عدد كبير من كبار رجال المال والأعمال من تسديد هذه الديون، بل هروب بعضهم إلى خارج البلاد حاملا معه أموال البنوك ، وختى الآن ليست هناك سياسة حكومية جادة لنزول الحكومة إلى سوق الاستثمار اإنتاجى، مستفيدة من فائض الوادئع لدى النظام المصرفى المصرى، بل الأدهى هو استمرار سياسة استثمار جزء كبير من هذه الأموال لدى بنوك الخارج، وشراء سندات الخزانة البريطان

عريضة أتهام ضد فساد المحمول

منذ بدأت شركات المحمول العمل فى مصر عام 1998، والكل يعرف أن دراسات الجدوى تؤكد أن عدد زبائن هذا النشاط الجديد سوف يتزايد ليصل إلى 10 ملايين مشترك بحلول عام 2005 ، لذلك بالغت الشركتان ( موبينيل وفودافون مصر ) فى أسعار خدماتهما بصورة كبيرة على الرغم من صدور القانون رقم (19) لسنة 1998، والقرار الجمهورى رقم (101) لسنة 1998 ، اللذين ألزما وزارة الاتصالات بوضع ضوابط معينة من أجل ضمان تسعير تنافسى لخدمات شركات الاتصالات العاملة فى السوق المصرى ، وهو ما سنتناوله بالتفصيل بعد قليل .
المهم ، ونظرا لتزايد صرخات المشتركين المصريين فى خدمات المحمول من مبالغة الشركتين الأحتكاريتين فى أسعار خدماتهما ، فقد أضطر المسئولين وأعضاء مجلس الشعب ، بل ورئيس الجمهورية إلى التصريح أكثر من مرة بضرورة إنشاء الشركة الثالثة للمحمول ، لتخفيف الأثر والممارسة الإحتكارية البغيضة التى تمارسها شركتا المحمول ( فوادفون وموبينيل ) .
وبالفعل بدأت الشركة المصرية للاتصالات – وهى شركة مملوكة للحكومة – فى إتخاذ الإجراءات القانونية والعملية ، وإعداد دراسات الجدوى من أجل إنشاء الشبكة الثالثة للمحمول، واستمر هذا الجهد عامين كاملين وشمل :
1-إعداد دراسات الجدوى التى أكدت الجدوى الاقتصادية لإنشاء الشبكة الثالثة للمحمول .
2-الحصول على ترخيص من الجهاز القومى لتنظيم مرفق الاتصالات بالموجة الترددية 1800 ميجا هرتز مقابل دفع مبلغ 1450 مليون جنية .
3-بداية إتخاذ مقر للشركة الجديدة وتأثيثه وإعداد طاقم العاملين الإداريين فيها .
وفجأة توقف كل شىء ، وبدت تصريحات وزير الاتصالات وقتئذ ( د. أحمد نظيف) معادية لفكرة إنشاء شركة ثالثة للمحمول ، وبعده بدأت تصريحات جوقة الوزير من أمثال المهندس " عقيل بشير " رئيس مجلس إدارة الشركة المصرية للاتصالات صاحبة المصلحة الكبرى فى إنشاء الشبكة الثالثة ..!! وبعده مستشار الوزير ( د. طارق كامل ) وغيرهما ، وقد أستندت أقوالهم وتصريحاتهم الرافضة للشركة الثالثة على أساس :
1-إنه قد ثبت عدم الجدوى الاقتصادية لهذه الشركة.
2-إنها بالتالى ستؤدى إلى خسائر كبيرة.
3-وأن السوق المصرى فى حالة تشبع.
وكلها كانت أكاذيب ملفقة، ناقشتها فى حينه وفق أصول التحليل الاقتصادى الوطنى الأمين فى جريدة العربى الناصرى (بتاريخ 7/7/2004 و 14/7/2004)، وها هى الأيام تثبت كذب إدعائتهم بعد أن زاد عدد المشتركين فى شبكتى المحمول القائمتين من 4 مليوم مشترك عام 2002 إلى 14 مليون مشترك فى نهاية عام 2005 مما يؤكد كذب أقوالهم بشأن تشبع السوق المصرى ، وعدم الجوى الاقتصادية .
وقد زادت أرباح شركتى المحمول بأكثر من 2 مليار جنية على أرباحهما المعتادة سنويا ، قبل توقف الحديث عن إنشاء الشركة الثالثة للمحمول ، مما يؤكد أن تواطؤا قد تم بين هؤلاء المسئولين وشركتى المحمول على حساب المستهلكين المصريين الذين تركوا نهبا للأسعار الإحتكارية المبالغ فيها من جانب شركتى المحول .
أولا: الأسس الاقتصادية للإتهامات
تأملوا معى هذه الأرقام الفضيحة ، التى تكشف جريمة " نظيف " ومساعديه من أمثال عقيق وطارق كامل .
1-فبعد أطمئنان شركتى المحمول إلى توقف مشروع بناء الشبكة الثالثة للمحمول، مقابل إرضاء كبار المسئولين ، واحد الوسطاء من أبناء كبار المسئولين جدا، تغولت الشركتان فى الأسعار ، من حيث تقليل فترات سماح الشحن ، وهو ما كان يعنى فعليا رفعا يزيد عن 30% فى أسعار المكالمات وبقية الخدمات .
2-قامت الشركتان فى الوقت نفسه بما يمكن تسميته " إغراق السوق " من خلال طرح خطوط للأشتراك بأسعار زهيدة ف عام 2005 ، فزاد عدد المشتركين فى عام واحد من 6.5 مليون مشترك عام 2004 ، إلى 14 مليون مشترك نهاية عام 2005 ، مما سد الطريق على بناء شبكة ثالثة مستقبلا ، أو وضعها فى موقف صعب اقتصاديا ، وكأنهما على معرفة مسبقة بأن هذا الأتفاق سوف يستمر عدة سنوات قليلة ، وسيعود بعدها الضغط الشعبى فى التأثير من أجل بناء الشبكة الثالثة للمحمول ، فيحقق كل طرف منهما أغراضه . فالشركتان قفزت بأرباحهما إلى أكثر من 150% فى عام واحد ، وقد حققتا معا خلال السنوات الأربعة الماضية صافى أرباح حوالى 7 مليارات جنية من دم المستهلكين المصريين، وحقق المسئولين المتورطين فى الجريمة منافع وعمولات أودعت فى بنوك سرية.
جدول رقم (17)
تطور صافى أرباح شركتى المحمول خلال الفترة 2002 حتى 2005
"بالمليون جنية "

السنوات

شركة موبينيل

شركة فودافون

المجموع

2002

422.8

370.2

793.0

2003

915.2

814.9

1730.1

2004

873.1

777.9

1651.0

2005

1397.0

1233.0

2630.0

المجموع

3608.1

3196.0

6804.1

المصدر: من واقع ميزانيات الشركتين المعلنة بالصحف المصرية.
1- أصبح وجود شركة ثالثة للمحمول مجرد " محلل أحتكارى " ، فلا هى ستكون قادرة لعدة سنوات بعد قيامها على منافسة هذا الحجم من المشتركين لدى الشركتين – إلا إذا أقدمت على مجازفة اقتصادية كبرى – بتقبل خسائر فادحة لعدة سنوات من أجل جذب هؤلاء المشتركين أنفسهم إلى شبكتها الجديدة ، وذلك بتخفيض أسعار خدماتها إلى نصف ما تتقضاه الشركتان الإحتكاريتان القائمتان فعلا ، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كانت الشركة الثالثة بقوة الشركة الصينية china telcom ، وليست شركة متوسطة مثا " أتصالات " الإماراتية، أو غيرها.
2- الأرجح أن ترسو المزايدة أو المناقصة الجديدة على شركة خليجية صغيرة أو متوسطة تكون مجرد "محلل إحتكارى"، ستشارك فى إقتسام كعكة السوق مع الشركتين القائمتين دون أن تجرؤ على منافستهما فعلا بجديية .**

الأساس الثانى للإتهام الاقتصادى:
يتمثل فيما جاء على لسان رئيس مجلس إدارة الشركة المصرية للاتصالات " عقيل بشير " فى مايو عام 2004 ( بمجلة الشركة إتصالات ) ، يتأكد منه أن هناك مؤامرة مفضوحة مغلفة بالأكاذيب حيث قال :
1- أن تكلفة الشبكة الثالثة ستكون فى حدود 2.5 مليار جنية ، وستنفق على مدار خمس سنوات أى بمتوسط سنوى 500 مليون جنية .
2- وأن مصاريف التشغيل ستكون حوالى 250 مليون دولار أخرى ، بينما العائد السنوى سيكون بالجنية المصرى . .!!
3- وإننا – أى عصابة مجلس الإدارة – قد فشلنا فى الحصول على شريك أستراتيجى ..!!
4- وأن هناك ركودا فى سوق الاتصالات العالمية ..!!
5- وأن الظروف السياسية والاقتصادية فى الشرق الأوسط لا تساعد على ذلك..!!
لقد كان الرجل كاذبا ومتواطئا ، وأنا أتهمه مباشرة بأن وراءه أغراضا غير شريفة، دفعته إلى حرمان الشركة التى يتولى رئاسة مجلس إدارتها من نشلط مربح حقيقى، وهو ما ثبت بالأرقام التى نشرناها فى هذا المقال.
الأساس الثالث للإتهام:
فضيحة صفقة "فوادفون مصر"، ووفقا للترتيب والأتفاق الذى تم بين الأطراف الثلاثة المتأمرين على المستهلك المصرى وعلى الشركة الوطنية المملوكة للمجتمع المصرى ، وهم شركتا المحمول ووزارة الاتصالات ، ورئيس مجلس إدارة الشركة المصرية للاتصالات ، فقد تم مقابل تنازل الأخيرة عن ترخيص الشبكة الثالثة للمحمول، أن تؤدى شركتا المحمول قيمة الترخيص – وقدره 1450 مليون جنية – إلى الجهاز القومى لتنظيم مرفق الاتصالات ، وأرتضت " شركة موبينيل " أن تدفع حصتها وقدرها حوالى 780 مليون جنية على أقساط مريحة لمدة خمس سنوات (أى حوالى 255 مليون جنية سنويا)، بينما قبلت "فودافون مصر" أن تتنازل بنظام البيع عن 25.5% من أسهمها لصالح الشركة المصرية للاتصالات بسعر السهم 23.3 جنيها (مع ملاحظة أن سعر إصدار السهم كان 5 جنيهات). وبهذا أنخفضت حصة " فوادافون العالمية " – وهى شركة إنجليزية عملاقة تسيطر على جزء كبير من سوق الاتصالات العالمية – فى مصر من 67% إلى 51.0%، وهكذا ظلت السيطرة الحقيقية فى يد "فودافون العالمية"، وهذا من ناحية.
وبهذا توزعت القيمة بين الشركاء الثلاثة على النحو التالى:
– 51% من الأسهم لفودافون العالمية.
– 24.%من الأسهم لحصة الأقلية.
– 25% من الأسهم لصالح الشركة المصرية للاتصالات.
والأنكى هو توزيع مقاعد مجلس الإدارة الثلاثة عشر، حيث توزعت على النحو الآتى:
-ستة مقاعد لمجموعة فودافون جروب .
-ثلاثة مقاعد أخرى لمساهمى الأقلية .
-أربعة مقاعد للمصرية للاتصالات .
ولم يحدد الأتفاق – على حد علمنا – مدى و إمكانية تداول هذه الأسهم التى أمتلكتها المصرية للاتصالات لدى " فودافون مصر " فى البورصة المصرية أو البورصات العالمية .
وبهذا أصبحت "فودافون العالمية" وحلفاؤها من الأقلية "مثل محمد نصير وجماعته" يسيطرون فعليا على سياسة الشركة وتوجهاتها، ولم يتحقق للمصرية للاتصالات شىء جديد فى الاقتصاد المصرى، أو إضافة شىء من النشاط الاقتصادى..!!
الأساس الرابع للإتهام:
ما يجرى فى الشركة المصرية للاتصالات ذاتها ، وتعمد تكبيدها خسائر دون مبرر معقول ، وكأن المقصود بخس أصولها التى تزيد عن 33.3 مليار جنية ( أى حوالى 6 مليارات دولار بأسعار الصرف الراهنة)، ورأس مال يتجاوز 17.1 مليار جنية (حوالى 3.2 مليار دولار ) ونشير هنا إلى الحقائق التالية:
1- زيادة مخصص الديون المشكوك فى تحصيلها، وهى كلها ديون موجودة لدى عملاء الشركة من القطاعين الخاص والرأسمالى، حيث زادت هذه المخصصات من 511.5 مليون جنية عام 2001 إلى 801.4 مليون جنية عام 2002، ثم إلى 1044.1 مليون جنية عام 2003، ثم إلى 1140.3 مليون جنية عام 2004.
2- الاستثمار فى شركات خاصة لا تحقق عائدا مجزيا للشركة المصرية للاتصالات، وكأن هذه الشركات قد أسست من المال العام لخ
دمة أقارب بعض المسئولين فى الدولة وأبنائهم ، وقد بلغت هذه الاستثمارات حوالى 160 مليون جنية.
3- زيادة مخصصات المخزون الراكد ، أو التالف فى الشركة المصرية للاتصالات بمعدلات تتراوح بين 6.5% إلى 8.0% من قيمة المخزون نفسه ، وهى معدلات مرتفعة بما يشير إلى إهمال فى صيانة المخزون أو عمليات التخريد والإهلاك.
4- المبالغة فى مخصصات الإهلاك والاستهلاك ، التى زادت من 929 مليون جنية عام 1998 ، إلى 1307 مليون جنية عام 1999 ، ثم إلى 1506 مليون جنية فى يونيو عام 2000 ، ثم إلى 1709 مليون جنية فى ديسمبر عام 2001 ، ثم قفزت عام 2002 إلى 2.4 مليار جنية ، بما أصبح يعادل فى المتوسط 40% سنويا من تكاليف النشاط فى الشركة ، فإما أن هناك إهدارا للأصول والممتلكات ، أو أننا إزاء محاولة محاسبية للتلاعب فى بعض البنود من أجل إظهار الأرباح بأقل من حقيقتها ، لأسباب عديدة كلها تؤدى إلى نتيجة واحدة ، إلا وهى ضرورة إحالة المسئولين عن هذه الجرائم إلى المحاكة الجنائية .

ثانيا: الأسس القانونية والدستورية للإتهام
نأتى الآن إلى الأبعاد القانونية والدستورية التى يتأسس ويقوم عليها أتهامنا للدكتور "أحمد نظيف" و"عقيل بشير" و "طارق كامل" والجماعة المحيطة بهم والمستفيدة من فضيحة شركات المحمول .
فعندما صدر القانون الخطيئة رقم (19 ) لسنة 1998 الذى تضمن :
1- تحويل الهيئة القومية للاتصالات السلكية واللاسلكية من هيئة اقتصادية إلى شركة من أشخاص القانون الخاص .
2- إنشاء جهاز لتنظيم مرفق الاتصالات يكون تابعا لوزير الاتصالات والمعلومات .
3- وقد نصت الفقرة الثانية من المادة (12) من هذا القانون على دور لهذا الجهاز وهو " أعتماد أسعار الخدمات المقدمة للجمهور وإصدار التراخيص للشركات للعمل فـى مجال الاتصالات السلكية واللاسلكية ومتابعة أداء هذه الشركات والتنسيق بينها ".
4- كما نصت المادة الأولى من الفرار الجمهورى رقم (101) لسنة 1998 على مسئوليات هذا الجهاز وعلى " أن يدار قطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية على أسس غير إحتكارية "، وأستكملت المادة الثانية من القرار الجمهورى ذلك بأن نصت على أن يتولى جهاز تنظيم مرفق الاتصالات وضع القواعد التى تكفل المنافسة المشروعة بينها.
5- وأكدت المادة الخامسة من هذا القرار ذلك، بأن نصت على مسئولية الجهاز فى أن يقوم بمراجعة التكلفة الاقتصادية، وتعريفة الخدمات بمراعاة مصالح جميع الأطراف المعنية.
أذن .. هذا هو الإطار القانونى المنظم لعمل جميع الوزارات والأجهزة المعنية بهذا النشاط .. والسؤال هو: هل أحترم الوزير المختص – أحمد نظيف وجماعته – هذا الإطار القانونى الذى يلزمه بحكم القسم الذى أداه حين تولى مسئوليته الوزارية؟
الإجابة .. بالقطع كلا.
لقد ترك الرجل السوق لحيتان مفترسة ، دون قواعد أو تسعير اقتصادي تنافسى ، أو غير أحتكارى .
كما تغاضى الجهاز ووزير الاتصالات عن الممارسات الإحتكارية لشركات الاتصالات ، سواء فى مجال المحمول أو الشركة المصرية للاتصالات ، كما لم يراجع الجهاز والوزارة التكلفة الاقتصادية، وتعريفة الخدمات لشركتى المحمول ، وهى تكلفة تقل عن ربع (25%) من أسعار خدماتها، بما يحقق لها أرباحا خيالية تعادل ما بين 65% إلى 91% من رأسمالهافى العام الأخير، وفى عام 2005 بلغت أرباح كل منهما ما يعادل فى المتوسط 115% من رأسمالهما.
كما تواطأ السيد الوزير ورئيس مجلس إدارة الشركة المصرية للاتصالات وغيرهما، لوأد مشروع الشبكة الثالثة للمحمول، فأهدروا على المال العام فرصة تعظيم أرباحه، وتحقيق مصالح تنافسية للمستهلكين والمشتركين فى خدمات المحمول، الذين قارب عددهم حاليا 12 مليون مشترك.
هذه عريضة أتهام صريحة ضد الفساد، نقدمها إلى النائب العام، وأعضاء مجلس الشعب الشرفاء.

مخاطر صفقة شراء أسهم "فودافون – مصر"على الشركة المصرية للاتصالات

خلال الأسابيع القليلة الماضية، تسارعت الخطى والأخبار التى نشرت فى الصحف الحكومية والخاصة ، حول رغبة مجلس إدارة الشركة المصرية للاتصالات الذى يقوده السيد " بشير عقيل " فى شراء حوالى 24 % أخرى من أسهم شركة المحمول الثانية فى مصر "فودافون – مصر" بسعر مائة جنية للسهم الواحد، بعد أن سبق وقامت المصرية للاتصالات بصفقة مماثلة – دارت حولها الشكوك والظنون وما زالت – عام 2002 واشترت بمقتضاها حوالى 25% من أسهم الشركة المذكورة بسعر 10.4 جنيها للسهم الواحد ، فى إطار خطيئة تنازل المصرية للاتصالات عن رخصة شبكة المحمول التى كانت قد حصلت عليها من قبل.
وقد أثارت هذه الرغبة المحمومة من جانب رئيس مجلس إدارة الشركة المصرية للاتصالات – وهو صاحب الأمر والنهى دون مراجع فى أمور الشركة – وبهذه الصورة الإعلامية المبالغ فيها ، والرقم المعلن لشراء الأسهم، عدة تساؤلات حرجة لدى المتخصصين فى عالم الاقتصاد وسوق الاتصالات المصرية، وكذلك لدى الرأى العام الذى لم يفق بعد من تخبطات السنوات الخمس الماضية من جانب رئيس الشركة المصرية ووزير قطاع المعلومات والاتصالات السابق – د. أحمد نظيف _ والحالى د. طارق كامل والمجموعات المحيطة بهم ، التى أدت فى المحصلة النهائية إلى إخراج الشركة المصرية للاتصالات – وهى من الممتلكات العامة من حيث الشكل القانونى حتى اليوم – من سوق المحمول من ناحية، وبداية تفتيتها و"نشل" بعض أصولها الفرعية – مثل الشركة المصرية لنقل البيانات – لصالح شركات خاصة تمارس نفس النشاط ويشارك فى تأسيسها بعض أقارب كبار المسئولين فى الدولة وقطاع المعلومات والاتصالات تحديدا.
وكل هذا التخبط والغموض الهدام فى القرارات قد أدت عمليا إلى تدهور الأداء المالى والاقتصادى للشركة الضخمة – أصولها حوالى 33 مليار جنية ورأسمالها 17 مليار جنية – عاما بعد أخر مما أستدعى رغبة عارمة لدى الرأى العام والمتخصصون فى معرفة حقيقة ما يجرى فى هذه الشركة .
والأن بعد أن إمتلكت الشركة المصرية ما يزيد قليلا عن 49% من أسهم شركة " فودافون – مصر " للهاتف المحمول من خلال صفقتين متتاليتين (2002 و 2006 ) ما هى حقيقة هذه الصفقة ؟ وما هى مبررات أصحابها ؟ وما هى مخاطرها على البنيان المالى والاقتصادى للشركة المصرية التى هى فى زمام " المال العام " ؟ رغم ما يجرى داخلها من منطق إدارة هو أقرب إلى مفهوم " العزبة الخاصة " ، أو العزبة التى بدون صاحب ؟
صمت مجلس الإدارة يثير الشكوك ويؤكد الظن
حتى الآن أمتنع السيد " عقيل بشير " وأعضاء مجلس إدارة عزبته الخاصة ، عن تقديم مبرر علمى مقبول ومعقول مبنى على دراسة جدوى حقيقية حول دواعى هذا القرار الخطير وفوائده على الأداء المالى والاقتصادي للشركة المصرية للاتصالات ..!! بل أنه وبقية المسئولين فى الشركة قد امتنعوا تماما، واختفوا واعتذروا عن حضور أى ندوة أو مؤتمر علمى لمناقشة قراراتهم.
أذن دعونا نناقش أبعاد هذا القرار وتداعياته على البنيان المالى والاقتصادى للشركة المصرية للاتصالات ، ولنبدأ بتصور دوافع وأسباب ومبررات قرار مجلس إدارة هذه الشركة ومن ورائهم من المسئولين – خاصة رئيس الوزراء أحمد نظيف ومستشاره السابق ووزير الاتصالات الحالى طارق كامل – فى هذه الصفقة.
فى الواقع المعلنة يقول المسئولين عن الشركة أن الأهداف الثلاثة من وراء هذه الصفقة هى:
الأول : أن تملك 49 % من أسهم شركة "فودافون – مصر" من شأنه الدخول مرة أخرى إلى سوق الهاتف المحمول الذى أخرجت منه الشركة المصرية للاتصالات، مرة بسبب تنازلها الغامض عن الرخصة الممنوحة لها منذ عام 1998 لإقامة شبكة للمحمول ( بمبلغ لم يكن يتجاوز 1500 مليون جنية ) لصالح الشركتين المحتكرتين لسوق الهاتف المحمول ( موبينيل وفودافون )، وأعلنوا فى تبجح غير معهود أمام رئيس الجمهورية – المفتقر للخبرة والكفاءة – بأنه ليس هناك جدوى اقتصادية لبناء شبكة ثالثة للمحول، وهو ما ثبت كذبه بعد ثلاث سنوات فقط من هذا التصرف المريب، ومرة أخرى حينما جرى التواطؤ الخفى بين بعض المسئولين الكبار جدا فى الحكم والإدارة وشركة " أتصالات " الإماراتية لإرساء المناقصة لبناء الشبكة الثالثة للمحمول عليها عام 2006 ، مقابل مبلغ 2.3 مليار دولار، مول جزء كبيرا منها من البنوك المصرية والشركاء المصريين، وكان وجود "عرض" المصرية للاتصالات وحلفاءها مجرد show إعلامى، أو مجرد ذرا للرماد فى العيون ، من أجل إخفاء حقيقة الوعود السرية التى قطعت للشركة الإماراتية بحصة كبيرة من كعكعة المصرية للاتصالات حينما يبدأ طرح جديد لأسهمها (25% ) خلال الشهور القادمة.
الثانى: أن الاتجاه العالمى السائد منذ أكثر من خمسة عشرة عاما هو عمليات الدمج والاستحواذ التى تتم بين كبريات الشركات العالمية من أجل إقامة كيانات كبرى تستطيع السيطرة على جانب أكبر من السوق، ومن ثم فأن ما تقوم به المصرية للاتصالات من شراء حصص كبيرة من أسهم " فودافون – مصر " يندرج فى إطار هذا المعنى.
الثالث: أن شراء 24% أخرى من أسهم تلك الشركة من شأنه تحقيق بعض المكاسب المالية السنوية من خلال عمليات جنى الأرباح، حيث يبلغ متوسط نصيب السهم من الأرباح فى تلك الشركة حوالى 3.5 جنيها للسهم فى المتوسط خلال السنوات الخمس الماضية، وقد تحسن هذا المعدل فى العام الأخير ( 2005) إلى ما يعادل 7 جنيهات للسهم.
فما هو وجه الحقيقة فى هذه المبررات والادعاءات ؟
أن أى ت
حليل اقتصادي ومالى دقيق ومحايد – وغير مغموس بمستنقع العمولات والرشاوى والمصالح الشخصية الخفية – يستطيع أن يفند هذه الإدعاءات ويكشف مدى زيفها وهنا نقدم ثلاثة أسباب جوهرية وراء قولنا هذا :
السبب الأول:
أنه عندما قامت الشركة المصرية للاتصالات فى نهاية عام 2002 بشراء حوالى 25% من أسهم " فوادفون – مصر " – أى حوالى 60 مليون سهم _ بمبلغ 619 مليون جنية ( بواقع 10.4 جنيها للسهم الواحد ) ، فإن هذا الاستثمار المالى لم ينتج أثرا إيجابيا ملموسا على نتائج أعمال وأرباح الشركة ، حيث ظلت أرباح المصرية للاتصالات عند مستواها المتدنى تقريبا والذى لا يتناسب إطلاقا مع أصولها ورأسمالها وزيادتها المستمرة لأسعار خدماتها التى يتحملها المشتركون من الفقراء ومحدودى الدخل، ووفقا للبيانات المنشورة للشركة فان هذه الأرباح كانت كالتالى:
جدول رقم (16)
صافي أرباح الشركة المصرية للاتصالات خلال الفترة من 2001 حتى
2005

السنة

الأرباح "بالمليون جنيه"

2001

1338

2002

791

2003

1087

2004

1008

2005

1836

فأين أذن أثر شراء ربع أسهم "فوادفون – مصر" عام 2003 على مستوى الأرباح، علما بأن متوسط نصيب السهم من أرباح شركة " فودافون – مصر " ظل يدور حول 3.4 جنيها للسهم سنويا خلال السنوات الثلاثة الأخيرة ، أى أن استثمار هذا المبلغ لم يأت بالكثير ، على عكس الأرباح الكبيرة التى حققتها شركتى المحمول فى السوق المصرى كما سبق وعرضنا فى مقالات سابقة حيث بلغت أرباح "فوادفون مصر" وحدها عام 2005 حوالى 1233 مليون جنية.
السبب الثانى:
أن عرض الشركة المصرية للاتصالات لشراء جديد لأسهم "فودافون – مصر" وبسعر مغالى فيه جدا (100 جنية للسهم) بينما سعره الأسمى أو سعر الإصدار خمسة جنيهات، وشراءه قبل عامين بحوالى 10.4 جنيها للسهم تضع ألف علامة استفهام حول هذا القرار والمستفيدين منه ، يكفى أن نعلم أن السيد " محمد نصير " الذى يمتلك 5% من أسهم " فودافون مصر " – أى حوالى 12 م

المحمول .. وسنينه ..وسرداب جديد للفساد*

وسط زفة إعلامية ، وإعلانية خرج علينا رئيس الوزراء الدكتور أحمد نظيف وشلته (طارق كامل ويوسف بطرس غالى ومحمود محيى الدين) يوم الثلاثاء الماضى (4/7/2006 ) يزفون إلى الشعب المصرى خبر الانتصار الساحق الماحق الذى تحقق بإرساء مناقصة ومزايدة " إقامة الشبكة الثالثة للمحمول" على التكتل أو "الكونسرتيوم" الذى تقوده المؤسسة الإماراتية للاتصالات (اتصالات)، ويضم فى عضويته هيئة البريد المصرية ، والبنك الأهلى المصرى، والبنك التجارى الدولى C.I. B ، واستبعاد سيعة أو ثمانى تكتلات أخرى، كان من بينها تكتل أو "كونسرتيوم" تقوده الشركة المصرية للاتصالات Egypt telecom .
وكان منطق الانتصار والتباهى الذى بدا واضحا على ملامح وجوه المسئولين المصريين ورنات صوتهم ينطلق من الإدعاءات التالية:
1- أنهم قد نجحوا فى رفع قيمة المزايدة لتصل إلى 2.9 مليار دولار – أى ما يعادل 16.7 مليار جنية مصرى – ثمنا للرخصة ، وأن هذا المبلغ سوف يدخل إلى خزينة الدولة مما يخفف عن الأعباء الملقاة على عاتقها .
2- وأن الشفافية كانت أساسية وحاكمة فى إدارة عمليات المزايدة على هذه الشبكة.
3- وأنهم أخيرا – ودون أن يصرحوا بهذا علنا – قد تخلصوا من " العار " الذى لحق بهم والشكوك والظنون التى صاحبتهم بعد فضيحة عام 2002 ، حينما وقف نفس الأشخاص تقريبا ليعلنوا على الملأ ويقنعوا رئيس الجمهورية الذى ليس لديه أى خبرة ، أن الشبكة الثالثة للمحمول غير ذات جدوى اقتصادية وأن من شأن إقامتها أن تؤدى إلى استنزاف موارد الشركة المصرية للاتصالات صاحبة الترخيص وقتئذ بمبلغ 1.4 مليار جنية ، وبالتالى فإن السوق المصرى للاتصالات لا يستوعب وجود شبكة ثالثة للمحمول ..!! .
وبصرف النظر عن أن إدعاءتهم كانت كاذبة ووراءها رائحة فساد مالى طال أشخاصهم ومن ورائهم من أبناء أحد كبار المسئولين جدا ، وهو ما كشفته عبر عدة مقالات قمت بنشرها فى جريدتى " العربى الناصرى " و " الكرامة " و " الأهرام العربى " ، وعرضت الأمر ذاته فى عدة ندوات حضرها لفيف من المتخصصين فى عالم الاتصالات والمعلومات ، من خلال " الجمعية العلمية لمهندسى الاتصالات " ، وقدمت خلالها بلاغات إلى " النائم العام " أطالبه فيها بفتح تحقيق معى أو معهم حول هذه الفضيحة وإدعاءتهم الكاذبة وقتئذ ، فإن الغريب والمدهش أن أحدا لم يجرء على أن يرد على وعلى مزاعمي وإتهاماتى لهم بالفساد والتواطوء مع شركتى المحمول العاملتين فى السوق المصرى بشكل إحتكارى.
والآن .. بعد هذه الزفة الكبرى وعلامات الانتصار البادية على ملامح وجوههم التعيسة ما هى الحقيقة فى كل هذا ؟ وما هى أبعاد المصيبة المحدقة فى سوق الاتصالات المصرى ؟ وبالمواطنين ؟ وبالشركة المصرية للاتصالات ذاتها ؟
دعونا نتناول كل واحدة من انتصاراتهم الكاذبة بشىء من التفصيل:
أولا: أكذوبة الخزانة العامة ..!!
صحيح أن رخصة التشغيل للشبكة الثالثة للمحمول قد تجاوزت التوقعات التى كانت سائدة لدى الجمهور ولدى المتخصصين على حد سواء ، حيث بلغت 2.9 مليار جنية (اى حوالى 16.7 مليار جنية مصرى)، وقد حاول رجال السحر والشعوذة الجدد إيهام الرأى العام بأن هذا المبلغ هو بمثابة استثمار جديد سوف يدخل إلى شرايين الاقتصاد المصرى، وأن الشركة الإماراتية قد ضخت أموالا إضافية بسبب الثقة فى مناخ الاستثمار المصرى !!
بيد أن هذا لم يكن حقيقيا على الإطلاق .. كيف؟
الحقيقة أن من سيتولى تمويل ثمن رخصة الشبكة الثالثة هذه وبقية تكاليف التشغيل من إقامة محطات التقوية وغيرها هو مجموعة الشركاء أعضاء هذا التحالف وبنفس نسبة مشاركتهم وهم:
1-المؤسسة الإماراتية للاتصالات (اتصالات ) بنسبة 66%.
2-هيئة البريد المصرية – وهى هيئة حكومية مصرية – بنسبة 20%.
3-البنك الأهلى المصرى – وهو بنك حكومى مصرى – بنسبة 10%.
4-البنـك التجارى الدولى – وهو بنك مملوك إلى البنك الأهلى المصرى – بنسبة 4%.
إذا فأن 34% من حصة التمويل هى من جهات حكومية مصرية وليست استثمارا جديدا وافدا من الخارج ، هذه واحدة، وإذا عرفنا أن هيئة البريد المصرية تمتلك حتى مايو 2005 حوالى 31.6 مليار جنية فى صورة مدخرات للأفراد والعائلات المصريين، وكانت تقوم بإقراض جانب كبير من هذه المدخرات إلى بنك الاستثمار القومى وغيره من الوسطاء الماليين ، وأن البنك الأهلى المصرى – وشقيقه السرى البنك التجارى الدولى – سيقومان بدورهما بتمويل جزء كبير من هذه الصفقة عبر توفير القروض والمشاركة فى رأس المال ، بما يعنى أننا إزاء عملية نقل أصول مالية من اليد اليسرى للحكومة (هيئة البريد والبنكين)، إلى اليد اليمنى للحكومة ، خاصة إذا علمنا أن "مؤسسة الإمارات للاتصالات (اتصالات)" التى أنشئت عام 1976 ، وأتسع نطاق نشاطها بشكل غريب فى دول غرب وشرق أفريقيا والسعودية وبعض دول الخليج بمساعدة هيئات استشارية أمريكية ، لا يتجاوز رأسمالها فى 30/9/2005 حوالى 3630 مليون درهم إماراتى (أى ما يعادل 5685.3 مليون جنية مصرى)، وأن حجم استثماراتها فى ذلك التاريخ لم تزد على 3471.8 مليون درهم (أى ما يعادل 5437.5 مليون جنية مصرى)، بما يؤكد أنها سوف تأتى بحصتها الكبيرة فى هذه الشبكة الثالثة من خلال الحصول على القروض والائتمان المصرفى ، سواء من البنوك العربية أو المصرية، وغالبا سيكون من الأسهل الحصول عليها من البنوك المصرية التى انتشر فيها الفساد والمجاملة وعرف عنها تدخل كبار المسئولين وبعض أبنائهم وأطفالهم للتوصية لمنح ا
لقروض إلى بعض الشخصيات سواء من باب المجاملة أو من مدخل العمولات والرشى، وهو ما أدى لإهدار أكثر من 40 مليار جنية على هذه البنوك وهروب الكثيرين من كبار المقترضين خلال السنوات القليلة الماضية.
هذا هو الوجه الأول للخديعة الكبرى ، أما الوجه الثانى فيتمثل فى المخاطر الحقيقية المحدقة بهذه القروض والمساهمات الخاصة بالبنوك المصرية لعدة أسباب جوهرية هى:
الأول: أن شـركتى المحمول القائمتين فى مصر منذ عام 1998 (موبينيل وفودافون) قد نجحتا فى العام الماضى وحده فى إغراق السوق المصرى لإتصالات المحمول تماما ، بحيث زاد عدد مشتركيهما فجاءة من 6.5 مليون مشترك فى ديسمبر عام 2004 إلى 13.5 مليون مشترك فى ديسمبر من عام 2005 ، وذلك بهدف سد الطريق على الشبكة الثالثة للمحمول المزمع إنشاءها ، وبعد أن نجحت عام 2002 فى رشوة كبار المسئولين فى قطاع الاتصالات والمعلومات ، فتركوا لهما السوق والمواطنين لقمة سائغة دون حسيب أو رقيب مما رفع معدل أرباحهما بصورة هائلة فحققتــا حوالى 6.5 مليار جنية صافى أرباح خلال السنوات الأربعة (2002 -2005) .
الثانى: ولأن الشركة الثالثة للمحمول تواجه أوضاع جديدة فى السوق المصرى ، فأن الفرصة الوحيدة المتاحة لها للتواجد فى هذا السوق تتمثل فى تقديم أسعار أقل من الأسعار الجشعة لشركتى المحمول القائمتين حاليا (50 قرشا للدقيقة فى الخط السحرى و 150 قرشا للدقيقة فى الخط العادى)، علاوة على إضافة خدمات جديدة ، وذلك حتى تضمن قطاع جديد من السكان فى ظل مستوى المعيشة ومستوى التضخم الراهن، وهذا الحجم من الزبائن الجدد لن يزيد عن مليون مشترك جديد سنويا ولمدة ثلاثة إلى خمسة سنوات، أو سحب جزء من مشتركي الشركتين القائمتين بمعدل لن يزيد عن نصف مليون مشترك ، وهذا يعنى أن يظل مستوى إيرادات الشركة الجديدة دون مستوى نفقاتها لمدة لن تقل عن ثلاث سنوات قادمة ، سيكون فيه الوضع المالى للشركة تحقيق خسائر كبيرة، أى خسائر لهيئة البريد المصرية وللبنكين التجاريين المصريين، وباختصار خسائر لأصحاب الودائع المصريين.
الثالث: وبافتراض ثبات مستوى الأسعار الباهظة لشركتى المحمول (موبينيل وفودافون) على حالهما لمدة السنوات الثلاثة القادمة – وهى مسألة مشكوك فيها – فإن الشركة الجديدة لن تستطيع تحقيق التوازن المالى بين تكاليف تشغيلها ومستوى إيراداتها إلا بعد مرور ثلاث سنوات إلى خمسة على الأقل ، أما إذا تحالفت الشركتين من أجل تخفيض أسعار خدماتهما فان خسائر الشركة الجديدة سوف تستمر لسنوات أطول .
الرابع: حالة التشبع الموجودة فى السوق المصرى للاتصالات قد تحققت بعد عملية الإغراق الذى مارسته شركتى المحمول طوال عام 2005 ، كما سبق وأشرنا ، ومن غير المتوقع أن ينمو عدد مشتركى هذا السوق خلال السنوات القادمة سوى بأقل من 10% سنويا ، لقد نجح تحالف الفساد الذى جرى عام 2002 فى حرمان المواطنين المصرين من فرصة التمتع بخدمة المحمول بأسعار معقولة منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا.

ثانيا: مخاطر محدقة بصرح الشركة المصرية للاتصالات
لم يكن ما جرى من إرساء المزايدة على التحالف الذى تقوده الإماراتية للاتصالات، وخسارة التحالف الذى تقوده المصرية للاتصالات، سوى المسمار قبل الأخير فى نعش هذه الشركة الحكومية العملاقة التى يجرى تحطيمها بشكل ممنهج منذ أن جاءوا "ببشير عقيل" من أحدى الدكاكين الخاصة لقيادة هذا الصرح الحكومى العملاق.
فالصفقة بشكلها الحالى سوف تعود بالأضرار على الشركة المصرية وعلى المواطنين الذين أسرعوا فى مارس الماضى بشراء أسهم تلك الشركة فى أول طرح لنسبة 20% من أسهم الشركة ، والتى أدت إلى قفزة فى سعر شراء السهم من أقل من 15 جنيها إلى أن تجاوز فى الساعات الأولى للطرح 35 جنيها ، ثم وبعد أن انجلى غبار الوهم أخذ فى الانخفاض، حتى جاءته الضربة الجديدة ليصل إلى نحو 10 جنيهات للسهم مما يمثل خسارة فادحة لحملة الأسهم، والأخطر فى هذا هو المستقبل المحيط بالشركة خاصة فى ظل قيادة هذا الرجل وإهداره لموارد الشركة وتصرفه فيها وكأنها عزبة خاصة ورثها عن أجداده، حيث المخصصات المالية الهائلة التى يحصل عليها والتى تقدر وفقا لأقرب المقربين لهذه الجماعة الضيقة المحيطة به حوالى 300 ألف جنيها شهريا ، ونفقات بدل الاجتماعات والفنادق الفخمة التى تتولى تقديم الغداء والمشروبات أثناء اجتماعات مجلس الإدارة وكأنهم يديرون جنرال موتورز أو بنك أمريكي وليس شركة حكومية فى دولة معرضة للإفلاس المالى والانهيار الإقتصادى.
فهذه الشركة تتعرض لعملية تحطيم "ممنهجة" من أجل دفعها ودفع الرأى العام المصرى للقبول بفكرة "خصخصتها" وبيعها للأجانب الذين يتربصون بها منذ سنوات طويلة ، ولعل أحد هذه العمليات الممنهجة هو خلق مشاعر من الكراهية من جانب الرأى العام تجاة السلوك الاحتكارى الذى تمارسه إدارة الشركة منذ سنوات والمبالغة فى رفع أسعار خدماتها بصورة مستمرة ودورية حتى أصبح هناك فعلا رفض من جانب الرأى العام والمتعاملين مع هذه الشركة العريقة – وعددهم يزيد عن 20 مليون متعامل ومشترك – لسلوك هذه الشركة ، مما أوقع البعض بحسن نية فى فخاخ الصيادين ، فارتفعت الأصوات وبعضهم وطنيون مخلصون إلى التخلص من الطابع الاحتكارى لهذه الشركة والقبول بفكرة دخول الأجانب على سوق الهاتف الثابت أسوة بما جرى فى سوق الهاتف المحمول ..!!
وإذا ما حدث هذا – لا قدر الله – فأن عقدة الاتصالات الأرضية الضخمة وشبكاتها الهائلة التى بنيت على
مدى 150 عاما ستكون قد وقعت فى أيدى غير معلومة ، فنصبح أشبه بالعراة تماما ، مكشوفين كمجتمع ، وكدولة ، وكأفراد فى حجرات نومنا أمام أجهزة التجسس الإستخبارية العالمية ، فمشروع " أشلون " أو الآذان العالية الأمريكى يتجسس على كل اتصالات العالم وكذلك جهاز الاستخبارات البريطانى M.I.6 ، وكلها تتم عبر وسيلتين أساسيتين هما:
-شبكات الاتصالات الأرضية والمحمول.
-الأقمار الصناعية و من بينها القمر الإماراتى "الثريا".
والمؤكد فى تحليلى أن " الإماراتية للاتصالات " ومن وراءها من كبار أمراء ومشايخ الخليج ، يدركون أن فرص تحقيق أرباح كبيرة من الشبكة الثالثة للمحمول فى مصر، هى فرص متواضعة لسنوات خمس قادمة، لذا فان التصور الأقرب إلى المنطق والعقل هو نظرتهم إلى مستقبل "الشركة المصرية للاتصالات" والوعود التى قد تكون قد قطعت لهم بحصة معتبرة من كعكة المصرية حين يأتى أوان تصفيتها وتمزيقها أربا وبيعها ، وهذا ربما سر إصرار " الإماراتية " على رفع قيمة عروضها فى المزاد من أجل الدخول إلى السوق المصرى.
أما حكاية الخزانة العامة التى ستمتلىء بالأموال القادمة من هذه المزايدة فهى أكذوبة كبرى تنطلي على بعض البسطاء من المواطنين وبعض غير المتخصصين، تماما كما فعلوا فى موضوع مشروعات BOOT شهورا طويلة، فإذا بها تتحول إلى ثقب واسع فى مواردنا المالية وميزان المدفوعات المصرى، مما حدا رئيس الجمهورية علنا فى لقاء صحفى وفى حضور رئيس وزراءه – طباخ السم كله – د.عاطف عبيد إلى التأكيد على ضرورة إعادة النظر فى موضوع BOOT ، وبعدها مات هذا النظام بالسكتة القلبية برغم تحذيرنا منه على صفحات جريدة العالم اليوم منذ عام 1999.
دعونا أيها الناس، أصحاب المصالح غير المشروعة نتوقف عن الأكاذيب وترويج الدعاية السوداء، وتحلوا ولو مرة واحدة بالأمانة والجدية عند مناقشة قضايانا الاقتصادية والوطنية، فمصر على وشك الغرق إن لم تكن قد غرقت فعلا.

أين تذهب أموال جهاز الإعلام المصرى؟*

إذا كان من المفهوم وجود فلسفة وموقف سياسى للنظام الإعلامي المصرى، مشتق من جملة أفكار واستراتيجيات النظام والحكم السياسى، مثل الحفاظ على علاقة التحالف مع الولايات المتحدة وعدم الإضرار بما يسمى "مسيرة التسوية مع إسرائيل"، وكذا تناول القضايا العربية فى الحدود التى لا تضر مصالح الحكم وأولوياته مع هاتين الدولتين المعتديتين ، وكذلك تقديس مفهوم الملكية الخاصة والقطاع الخاص باعتبارهما قاطرة النمو الاقتصادى – الذى لم يحدث- وعدم المساس بالعلاقات مع العائلة المالكة السعودية أو العائلات المالكة فى الخليج العربى، وكذا عدم المساس بشخص رئيس الجمهورية وعدم توجيه النقد إليه أو إلى سياساته وأفكاره حتى لو مست مستقبلنا ومستقبل أولادنا.
فإن هذه الاعتبارات والقيود قد شكلت عبر الزمن سقفا لحدود " الحرية الإعلامية المصرية " سواء كانت فى وسائل الإعلام الحكومية أو حتى وسائل الاعلام الخاصة أو الحزبية أو ما يسمى خطأ "الصحف المستقلة"، بحيث فرضت بدورها قيوداً على الأداء الاعلامى المسيطر عليه من جانب الحكومة والحكم من حيث:
1– طبيعة الموضوعات محل التناول الإخبارى والإعلامى عموماً.
2– طبيعة انتقاء الشخصيات التى تجرى استضافتها فى التعليقات الإخبارية أو غيرها.
3– طبيعة البرامج الدرامية والمنوعات التى ينبغى أن تراعى تلك الحساسيات سواء كانت متعلقة بالولايات المتحدة أو المملكة السعودية.
4 – الاهتمام بالكم الإعلامى على حساب الكيف الإعلامى والتثقيفى، حيث يزيد عدد ساعات البث التليفزيونى الراهن على 164 ساعة يومياً، خاصة بعد التوسع غير المبرر وغير الاقتصادى وغير الفنى فى القنوات المحلية والإقليمية والمتخصصة.
حتى تلك المحاولات الخجولة والجريئة – نسبياً – التى حاول فيها بعض المسئولين فى قناتى الثقافية والنيل للأخبار توسيع هامش الحرية ، جرى تطويقهما والعودة بهما مرة أخرى الى حظيرة الرسمى والمحدود ، مما أفقد " الشاشة المصرية التليفزيونية " أى طعم مميز ، أو نكهة جادة قادرة على اجتذاب المشاهدين والمتابعين لكل الأحداث الجسام التى تجرى فى فلسطين أو العراق أو السودان أو غيرها ، فلجأ الجميع الى القنوات الفضائية العربية الجديدة مثل الجزيرة والعربية وأبو ظبى ، علاوة بالطبع على CNN , BBC .
فأين أوجه الخلل فى أدائنا الإعلامى الراهن ؟
إذا كان هذا هو الوضع التنافسى المتواضع للأداء الإعلامى المصرى ، خاصة فيما يتعلق بأهم قطاعاته وأكثرها تأثيراً ألا وهو جهاز "التليفزيون" برغم زيادة عدد ساعات بثه الإجمالى الى أكثر من 164 ساعة يومياً بكل قنواته الأساسية (الأولى والثانية والثالثة) والإقليمية أو المتخصصة أو حتى القنوات الخاصة، فإن هذا يطرح سؤالاً حيوياً وهو أين مناط الخلل؟ وهل هو نتيجة نقص فى الموارد المالية أو الكوادر الفنية والبشرية؟
يستطيع المحلل المدقق فى الأداء الإعلامى المصرى، وجهاز التليفزيون تحديداً أن يكتشف مجموعة من الإختلالات الأساسية وهى:
1– لعل أهمها وأكثرها تأثيراً على مجمل الأداء هو تدنى سقف الحرية والسماح الديموقراطى أمام معدى البرامج الإخبارية والحوارية والأفلام التسجيلية والدرامسة وغيرها.
2– ويترتب على ذلك هروب الكوادر الفنية الشابة، خاصة من المخرجين ومعدى البرامج والمذيعين، سواء كان ذلك بسبب تواضع مستوى الحرية وبالتالى القيود المفروضة على إبداعهم، أو بسبب نقص الامكانيات الفنية مثل الاستوديوهات، أو الكاميرات وكذا تدنى الأجور والمكافآت لصغار العاملين والكوادر التنفيذية.
3– سوء توزيع العمل سواء بسبب ضعف المديرين أو بسبب سيادة منطق وروح الشللية والمجاملة داخل القنوات وبين مشرفى البرامج المختلفة .
4– التوسع غير المبرر وغير الاقتصادى فى القنوات التليفزيونية، سواء كانت قنوات إقليمية (من الرابعة وحتى الثامنة) أو القنوات المتخصصة، وتكرار نفس الوظائف والاختصاصات وهو ما أدى إلى تواضع أدائها الفنى والموضوعى.
5– زيادة ساعات البث التليفزيونى بصورة مفزعة ، مما غلب اعتبارات الكم على اعتبارات الجودة وفاعلية الاختيار بدءاً من النصوص وحتى الأداء التمثيلى والإخراج، مما أضعف الشاشة المصرية وأساء إلى سمعتها.
6– انتشار الفساد، أو ما يطلق عليه العاملون فى اتحاد الإذاعة والتليفزيون تعبير "الزيس" وتسمح لوائح الانتاج والإشراف على البرامج بثغرات واسعة تؤدى الى تفشى الفساد وانتشاره، خاصة بين كبار العاملين وقيادات التليفزيون ، ولدينا فى هذا حالات ونماذج قضى فيها القضاء المصرى بأحكام إدانة ، وهى بالقطع ليست الحالات الوحيدة .ويبقى السؤال :
أزمة موارد .. أم خلل فى إدارة الموارد المالية ؟
يدهش المرء من معرفة مقدار النقص الموجود فعلاً فى المعدات الفنية (الكاميرات) أو الاستديوهات، فى هذا المبنى الضخم الذى يضم أكثر من 55 ألف موظف وكادر فنى وهندسى وتحريرى .. إلخ.
خذ مثلاً قناتى النيل للأخبار والثقافية وهما الأكثر جرأة وكفاءة من الناحيتين الاخبارية والثقافية، لا يمتلكان سوى عدد محدود جداً من كاميرات التصوير الخارجى – ربما كاميرتان لكل قناة منهما إن لم تخنى الذاكرة – بما يعجزهما عن ملاحقة الأحداث الهامة سواء كانت سياسية أو ثقافية، وذلك على الرغم من ضخامة الموارد المــالية التى حصل عليها اتحاد الاذاعة والتليفزيون طوال الأحد عشر عاماً الماضية (91/1992 – 2001/2002) والتى زادت على 13.4 مليار جنيه؟ بما
جعل هذه المؤسسة واحدة من أكبر الأجهزة أو الهيئات الاقتصادية التى تحصل على اعتمادات مالية وهى أيضاً من أكبر الهيئات التى تحقق خسائر سنوية فى البلاد. والجدول التالى يبين تطور مخصصات جهاز الإعلام الحكومى المصرى خلال الفترة المشار إليها:
جدول رقم (15)
تطور مخصصات قطاع الإعلام المصرى فى الموازنة العامة للدولة
خلال الفترة 91/1992-2001/2002 " بالمليون جنيه "

السنوات

ديوان وزارة الإعلام

هيئة الاستعلامات

اتحاد الاذاعة والتليفزيون

الإجمالى

91/1992

47.6

45.0

500.1

592.7

92/1993

54.8

48.8

694.2

767.8

93/1994

63.0

63.0

872.1

998.1

94/1995

77.6

62.3

998.1

1138.0

95/1996

96.9

80.7

1429.8

1607.4

96/1997

115.7

135.0

1392.8

1643.5

97/1998

115.4

72.4

1220.7

1408.5

98/1999

115.7

75.6

1427.7

1619.0

99/2000

116.0

79.4

1718.5

1913.9

2000/2001

116.4

84.2

1476.0

1676.6

2001/2002

116.7

84.8

1673.7

1875.2

الإجمالى

1035.8

831.2

13403.7

15270.7

المصدر: مجلدات الحساب الختامى للدولة فى السنوات السته الأولى، ثم بعدها من مجلدات الموازنة العامة للدولة.

إذن فإن هذا الجهاز الضخم لا يعانى من نقص الموارد المالية، بل المؤكد أنه يعانى من سوء إدارة هذه الموارد وهو ما كشفته وقائع الفساد والانحرافات التى ظهرت فى السنوات القليلة الماضية خاصة فى قضية رئيس قطاع الأخبار السابق (محمد الوكيل)، وهو مازال موجوداً بين كثير من القيادات خاصة ما يتعلق بالتحايل لزيادة مكافآتهم الشهرية عبر ما يسمى "الإشراف على البرامج" برغم أنها من صميم عمل هذه القيادات ومن صميم اختصاصاتها الوظيفية، وهو ما أدى فى النهاية الى رسوب الدور الإعلامى المصرى فى السوق التنافسية العربية والدولية من جميع النواحى الفنية والمهنية .. لماذا ؟
هنا نستطيع أن نشير ونؤكد على مداخل أساسية لإصلاح هذا الوضع المختل مثل:
1– ضرورة إعادة هيكلة التنظيم الراهن لإتحاد الاذاعة والتليفزيون، خاصة مراجعة تجربة القنوات الإقليمية موضوعياً ومهنياً وفنياً، حيث تبين أن معظمها خلال السنوات الخمس الماضية لم يقدم إضافة ذات بال سواء فى المجال الإعلامى أو فى مجال التنمية بالمحافظات المختلفة.
2– العمل فوراً على تقليل ساعات البث التليفزيونى والإذاعى ، فقد زاد البث الإذاعى بدوره من 15 ساعة عام 1952 الى 222 ساعة يومياً عام 83/1984 ثم إلى 254 ساعة يومياً عام 8
8 / 1989 وبحلول عام 96/1997 كان قد تجاوز 299 ساعة يومياً من البث الإذاعى، أما التليفزيون الحكومى فقد قاربت ساعات بثه حالياً نحو 200 ساعة يومياً . ومن شأن التقليل أن يحقق عدة أهداف استراتيجية فى آن واحد فهو من ناحية سيتيح فرصة أفضل لعملية اختيار الأعمال التى تنتج على الشاشة الفضية من حيث العناصر الفنية المتكاملة (نصوص ، سيناريو ، ديكور ، إخراج .. إلخ) ، كما سيسمح للقيادات التنفيذية والإدارية بالجهاز بإلتقاط الأنفاس ، وسيمنح الأسرة المصرية فرصة للتواصل والحوار بعيداً عن شاشة تقتحم بفضولها وإلحاحها بيوتهم وغرف نومهم ، والقول بأن ذلك من شأنه ترك الفضاء المصرى للبث من الخارج أو الإرسال الإسرائيلى أو غيره هو أكذوبة كبرى لا تنطلى سوى على السذج، فالحقيقة أن الأداء الراهن للشاشة الفضية المصرية هو الذى من شأنه دفع المصريين جميعاً للبحث عن قنوات أخرى وفضائيات أخرى.
3– مراجعة تجربة الفضائيتين المصريتين الأولى والثانية، ودمجهما معا فى فضائية واحدة مع الحفاظ على القنوات الجادة وتعزيز دورها مثل القناة الثقافية والنيل للأخبار.
4– النظر جدياً فى اعتماد نظام كفء ومتجدد الدماء للمراسلين المصريين مصحوبين بكاميرات للتعامل مع الحدث مباشرة ونقله بالصوت والصورة خاصة فى مواقع الأحداث التى تهمنا وتمس أمننا القومى مثل العراق وفلسطين والسودان .
5– مراجعة بل وإلغاء نظام المنتج المنفذ الذى تحول إلى ثقب هائل فى أموال التليفزيون، لا يستفيد منه واقعياً سوى عدد محدود جدا من قيادات الجهاز سواء الذين مازالوا فى الخدمة أو الذين تقاعدوا لبلوغ السن القانونية .
6– مراجعة نظام الإشراف على البرامج الذى أصبح بمثابة وسيلة "احتيال" من جانب عدد كبير من قيادات القنوات المختلفة للحصول على مكافآت هائلة شهرياً برغم أن هذا العمل من صميم الوظيفة القيادية.
7– مراجعة كل الأسس التى تقوم عليها الأعمال الفنية من مسلسلات درامية أو برامج منوعات التى كان لها فى السنوات الماضية دور خطير فى عقلية النشء والشباب وفى زرع قيم سلبية فى الريف والمدينة وفقاً للدراسات الجادة التى اهتمت بمتابعة تأثير الدراما التليفزيونية على أنساق القيم والمفاهيم المصرية فى عصر الحقبة النفطية والانفتاح والصلح مع إسرائيل.
نحن فى أشد الحاجة الى إعلام تنموى حقيقى وليس الى اعلام "ملء الفراغ" أو التسلية ، فما أبعد شعبنا وأمتنا عن الترفيه والتسلية ، وما أقرب الهموم الى قلبه ووجدانه.

مشكلات صناعة الإعلام المصرى*

ثلاث ركائز أساسية يقوم عليها بناء المجتمع الحديث، بصرف النظر عن هيكل الملكية فى هذا المجتمع ، أو نمط علاقات الإنتاج السائدة فيه، أو الأيديولوجيا الحاكمة لأفراده وجماعاته ونظام حكمه، وبصرف النظر كذلك عن مستوى تقدمه أو تخلفه الاقتصادي والاجتماعى، هذه الركائز هى:
الأولى: هيكل اقتصادى وانتاجى ينمو أو فى طريقه للنمو.
الثانية: جيش وقوات أمن واستخبارات تحفظ الكيان والنظام السياسى والدولة.
الثالثة: جهاز إعلامي قادر على التأثير بالصوت والصورة على خلق انطباعات، وصياغة وجدان ورسم خطوط سواء كانت حقيقية أو وهمية.
وتلعب ركائز "أرشميدس" الثلاث هذه أدوارها المتكاملة أو المتنافرة وسط سياق اجتماعى وسياسى وثقافى محدد، ووظائفها وأهدافها بصورة عامة هى ضمان استقرار المجتمع وتحقيق أمن النظام السياسى الحاكم.
بيد أن التجارب الاجتماعية والسياسية الحديثة، قدمت إلينا نماذج متعددة ، بعضها قدر له النجاح فى تكامل الوظائف والأدوار الثلاثة ومن ثم توفير شروط أفضل للحياة وديمومة الاستقرار والتوازن، وبعضها الآخر تناقضت فيه الأدوار والوظائف، واصطدمت فى الكثير من الأحيان،فأدخلت المجتمع كله بطبقاته وقواه المختلفة فى حالة من "التيه" الوطنى والقومى.
ويكمن جوهر التناقض عندما يصبح هيكل الانتاج والاقتصاد فى دولة ما، عاجزاً عن النمو، وقاصراً عن تلبية الحاجات الأساسية والطموحات المعيشية للفئات والطبقات الاجتماعية الفقيرة والتى تمثل الغالبية العظمى فى المجتمع، بينما على العكس، ينمو جهاز الأمن وقوى العنف المنظم للدولة، ويضطر الى استخدام أدوات قهره وسطوته فى مواجهة الاحتجاجات والتمردات الاجتماعية والسياسية المتزايدة من جانب المحرومين فى المجتمع، كل ذلك يجرى وسط خطاب إعلامى وأداء إعلامى بعيد عن الواقع ، مستخدماً ما يسمى أسلوب ومنهج "ملء الفراغ " أو "شغل الفضاءات المفتوحة" والتمويه بالتالى عن الحقائق، بل والذهاب الى حد "اختراع حقائق" أو زرع أوهام، فى محاولة يائسة لتجميل واقع معيشى ، يراه أبناء المجتمع سيئاً، ويتجه كل يوم الى الأسوأ.
وهنا يسقط جهاز الإعلام كله فى دائرة شريرة وحلقة جهنمية من "عدم المصداقية" سواء فى الداخل بين أبناء المجتمع ذاته أو فى الخارج بين شعوب العالم ونظمه الديمقراطية المفتوح. والحقيقة أن جهاز الإعلام الرسمى أو "الحكومى" بقدر ما يصبح ضحية لحالة الفشل فى الأداء الاقتصادي والسياسي العام للنظام والحكم ، بقدر ما يمارس بدوره دور الجلاد للحقيقة وللمستقبل فى آن معاً.
هذه الحالة المعقدة والمركبة والملتبسة، تتوه فى زحمة الأداء الوظيفى التقليدى أو الحكومى، وتزداد صعوبة الموقف عندما يصطدم هذا الأداء المتواضع للجهاز الاعلامى الرسمى أو الحكومى ، بواقع عالمى جديد فرضته التطورات العلمية والتكنولوجية فى عالم الاتصالات والمعلومات ، فحولت الكوكب كله الى ما يشبه "القرية الصغيرة"، حيث الحقائق نبضات طيف سابحة فى الفضاء ، يلتقطها كل من يستطيع حيازة أطباق لاقطة ووسط عالم إعلامى جديد ، يزدحم بالفضائيات ونظم البث والإرسال .
والحالة المصرية لم تكن فريدة أو خارج هذا السياق التاريخى بكل ظروفه وملابساته ، ولكن مع توارى أهداف التعبئة الوطنية الى خلفية المشهد ، وبداية عصر تبدل التحالفات الدولية، والانخراط المتزايد فى التعاون والتبعية للولايات المتحدة الأمريكية بكل ما تمثله من تعارض مصالح مع طموحات شعوب هذه المنطقة العربية فى الوحدة والاستقلال وتحرير فلسطين، والانغماس فى مسيرة التسوية السياسية للصراع العربى – الصهيونى على أسس غير عادلة، تغيرت الوظائف المنوطة بجهاز الإعلام المصرى بصورة جذرية ، ورويدا رويدا زحف مفهوم "ملء الفراغ " وشغل مساحة الفضاء المفتوح "حماية " للمجتمع من موجات بث قد تأتى بما هو غير مرغوب رسمياً وغير مطلوب سياسياً للقائمين على إدارة شئون الدولة وأمنها.
ومع تعقد الواقع الاعلامى والاتصال العالمى، ودخولنا فعلاً عصر "السماوات المفتوحة" ازدادت صعوبة المهمة على صناعة الإعلام المصرى والعربى، التى لم تستطع مواجهة خصائص وتحديات الأوضاع الجديدة، وباستثناء عدة قنوات عربية فضائية – مستقلة نسبياً- عن الحكومات التى مولتها، رسبت كل صناعة الإعلام المصرى والعربى فى مواجهة أكبر اختبار وتحد حينما قرعت الولايات المتحدة طبول الحرب بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر، ثم عندما اقتحمت أبواب المنطقة بعنف فكسرت أبواب العراق ، ولوحت للآخرين باقتراب الأجل ولحظة الرحيل.
والآن .. علينا أن نتساءل: أين مكمن الداء؟ وأين جوهر الخلل فى الأداء الاعلامى المصرى؟ هل هو نقص التمويل والموارد ؟ هل هو ضعف الرؤية وقصور السياسات؟ ولكن دعونا قبل الخوض فى الأطر النظرية، أو المعطيات العالمية الجديدة ، نتوقف عند المفهوم ا ذاته، أى مفهوم "الإعلام" فى عصرنا الراهن:

أولاً: مفهوم الإعلام .. ومكوناته:
منذ تلك اللحظة التى حاول فيها الإنسان أن يقيم جسور اتصال وتفاهم داخل جماعته أو بين تلك الجماعة والجماعات الأخرى، أصبحنا بصدد حالة "إعلامية" بالمعنى البسيط والواضح للكلمة، وبصرف النظر عن تواضع هذه الوسائل (بالخطابة المباشرة أو كتابة الرسائل أو إصدار نشرات أو صح.. إلخ) أو تعقدها وتطورها (مثل الفضائيات الراهنة) يظل الجوهر واحدا ألا وهو " نقل رسالة ما محملة بمضمون معين، سواء كان
هذا المضمون سياسياً أو ثقافياً أو فكرياً.. إلخ من فرد أو جماعة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر ، ومن نظام سياسى واجتماعى إلى آخر بهدف التأثير فى قيمه ووعيه وسلوكه وأفكاره ومن ثم تحقيق مصالح هذا الطرف المرسل أو تحقيق بعض أهدافه.
وبرغم أن الرسالة الاعلامية المحملة "بخطاب ما" قد أصبحت أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث لم تعد فى اتجاه واحد ، بل باتت أقرب الى شبكة تفاعلات متبادلة Feedback Network بين أطراف المجتمع العالمى كله، فإن الحقيقة المؤكدة، أن رواد هذه التكنولوجيا الإعلامية والاتصالية الحديثة، ظلوا محتفظين بقدرتهم الأعلى فى التأثير على الآخرين سواء كان هذا التأثير متخذا طابعا قيمياً أو ثقافياً أو سياسياً أو غيره، بفعل ضخامة حجم الرسائل وسرعة تدفقها المستمرين من ناحية، أو بفعل أثر الحنكة والمهارة فى صياغتها وعرضها من ناحية أخرى.
واللافت للنظر أن الخمسين عاماً الماضية قد شهدت تطورين أساسيين فى عالم الإعلام والاتصال هما:
الأول: التطورات التكنولوجية الهائلة التى أدت عملياً الى ما يمكن أن نسميه "إزاحة الوسائل الإعلامية لبعضها البعض" فلم تعد هناك درجة من التوازن أو التناسب أو التكامل فى الأدوار الإعلامية المختلفة، حيث أزاحت الجريدة الصحفية دور الوسائل الفردية والخطب الجماهيرية، ثم جاءت الإذاعة المسموعة لتزيح قليلاً ما قبلها من وسائل إعلامية وصحفية وغيرها، وإن لم تأت عليها تماماً، ثم جاء جهاز الإرسال التليفزيونى منذ منتصف ثلاثينيات القرن العشرين ليؤثر بالصوت والصورة ويطغى على ما عداه، وها نحن الآن أمام تأثير طاغ للصورة التليفزيونية كوسيلة لنقل الخطاب الاعلامى والثقافى والسياسى بحيث جاز للبعض القول بأننا فى عصر "التليفزيون".
الثاني: كسر احتكار الدولة لوسائل الإعلام، وبصفة خاصة وسائل الإعلام المرئية "التليفزيون" خاصة خلال العقود الثلاثة الأخيرة ، فقد دخل القطاع الرأسمالي الخاص الى هذه السوق الضخمة، لينقل دون وسطاء (الدولة) رسالته وخطابه المباشر إلى الجماهير العريضة، وإذا كانت الصحف منذ بداياتها بنتاً شرعية للمشروعات الخاصة والأفراد سواء فى العالم الصناعى المتقدم (انجلترا – فرنسا – أمريكا .. إلخ) أو فى الدول المتخلفة (مصر – العراق .. إلخ) فإن التليفزيون تحديداً كان ابناً وحيداً للدولة،خاصة فى دول العالم النامى أو الدول الاشتراكية وفى مصر كذلك.
هذان التطوران، سرى مفعولهما على الحالة المصرية، كما فى غيرها من دول العالم ، ورويدا رويدا احتكرت الدولة لسنوات طويلة، أدوات التأثير على الرأى العام بالصورة (التليفزيون) وكذلك عبر الصحف المقروءة، فأثرت أيما تأثير على توجهات الناس وقيم الجمهور، وخلقت بالتالى بنية فكرية وثقافية تحتاج الى مزيد من الجهد لحلحلة مفاهيمها المحافظة والرجعية.
وعندما دخلت مصر عصر القطاع الخاص الإعلامى ، فى مجال الصحافة والبث التليفزيونى، كان الزمن قد تغير والبنية قد تشكلت والوجدان قد تصلب عند قيم الفردية وتفشى الأنانية وغيرها من القيم السلبية.
ثانياً: الحالة المصرية من إعلام التعبئة والشمولية.. إلى إعلام السوبرمان الأمريكى:
تميزت السياسة التى تحكم جهاز الإعلام المصرى المسموع منه أو المقروء أو المرئى ، منذ ثورة 23 يوليو عام 1952 وحتى عام 1974 بسمات معينة يمكن تقديم أبرز ملامحها على النحو التالى:
1 – أنها سياسة إعلامية تعبوية، تقوم على فكرة حشد الجماهير ككتل اجتماعية – لا حزبية- خلف المشروع القومى الناصرى بكل خصائصه الوطنية والقومية المعادية لإسرائيل والاستعمار الغربى، والدعوة الى وحدة الوطن العربى وتحرير بلدانه التى مازالت ترزح تحت نير الاستعمار مثل الجزائر والجنوب اليمنى وفلسطين وغيرها.
2 – إنها سياسة تركز على دور الرئيس / الزعيم التى تتجسد فيه روح الأمة وحكمتها، فتتحرك السياسة الإعلامية وفقاً لتصوراته ورؤيته، وتهتم بحركاته ومقابلاته، وهى بهذا المعنى تجسد فكرة " الإعلام الموجه "الخادم للرئيس / الزعيم.
3 – إنها سياسة إعلامية غير معنية بفكرة ومفهوم الرأي والرأى الآخر ، أى أنها غير معنية بمسألة الديمقراطية وحرية الرأى المعارض.
4 – إنها سياسة تتعامل مع جهاز الدولة ومع نفسها باعتبارها جزءا لا يتجزأ من جهاز الدولة الرسمى، والمعبرة عن سياسة الرئيس وحكومته، وليس عن الرأى العام واحتياجاته، تحت زعم وظن أن هناك تطابقاً بين سياسات الرئيس والزعيم وحكومته ومتطلبات الجماهير وأمانيهم.
جاءت رياح السبعينات مختلفة وعاتية، وظللت السياسات العامة فى مصر ثلاثة حقائق ومعطيات جديدة عكست نفسها مباشرة على السياسة الإعلامية وسقفها المفترض وهى:
– سياسة الانفتاح الاقتصادي الرأسمالي.
– سياسة الصلح مع إسرائيل وترك المنطقة العربية لافتراس اسرائيلى أمريكى مشترك.
– سياسة التحالف والتبعية المطلقة للولايات المتحدة ودول الخليج العربى والسعودية، باعتبارهم المملون الجدد للنظام والحكم فى مصر.
وباستثناء عدة شهور من تجربة الحوار السياسى بين أطراف التعدد الحزبى الجدد على شاشات التليفزيون المصرى وبقية وسائل الإعلام طوال شهور عام 1976 وحتى اندلاع أحداث يومى 18و19 يناير عام 1977، فقد ارتد الجهاز الاعلامى المصرى كله والخطاب السياسى إلى حالة الشمولية – دون تعبئة هذه المرة – فلم تعد هناك قضية وطنية أو قومية تشغل الخطاب السياسى الرسمي والحكومى المصرى، ولا خطابه الإعلامى بالتالى، وانخرط الإعلام المصرى فى الت

كيف نحل أزمة النظام التعليمي ؟

جدول رقم ( 13 )
تطور الاعتمادات المالية المخصصة لهيئة الأبنية التعليمية خلال الفترة
91/1992 – 2001/2002 " بالمليون جنية "

السنوات

الباب الأول

الباب الثانى

الباب الثالث

الباب الرابع

الإجمالى

91/1992

2.7

19.4

6.3

0.002

28.4

92/1993

6.8

47.2

13.
3

3.0

70.3

93/1994

14.2

56.4

1053.5

1124.1

94/1995

20.8

90.7

1334.5

184.6

1630.6

95/1996

26.5

113.1

1754.4

5.8

1899.8

96/1997

33.7

129.2

1585.0

251.1

1999.0

97/1998

41.1

91.3

920.6

1053.0

98/1999

50.5

120.3

975.6

1146.4

99/2000

64.1

137.7

1007.7

4.0

1213.5

2000/2001

76.0

152.5

1167.0

8.2

1403.7

2001/2002

87.4

153.8

1157.2

8.4

1406.8

المصدر: المراجع السابقة.
وهكذا هى البيروقراطية المفتقرة إلى الكفاءة المهنية، والمستغرقة فى ممارسات الفساد والمحسوبية والوساطة من كل نوع.

كيف نحل أزمة النظام التعليمى ؟

لا شك أن الحال الذى وصل إليه النظام التعليمى المصرى، قد بات خطرا حقيقيا على مستقبل هذه الأمة، ولا نبالغ إذا قلنا أنه خطر يهدد الأمن القومى المصرى بمضمونه الحضارى الشامل، وليس بمنظوره الأمنى المجرد، الذى جرى النظر من خلال ثقبه الضيق خلال فترة تولى الوزير الأسبق د. حسين كامل بهاء الدين.
فما هى ملامح تشخيص أزمة النظام التعليمى المصرى الراهن؟ ولماذا فشلت – وسوف تفشل – الجهود الحكومية الجارية حتى الآن فى حلها؟

أولا : التشخيص الصحيح .. وخطأ أساليب العلاج
سوف أتناول فى هذا المقال، التعليم قبل الجامعى فقط، على أن أعالج فى مقال تال أزمة النظام التعليمى الجامعى. وهنا تواجهنا عدة حقائق ومعطيات بشأن نظام التعليم قبل الجامعى، يمكن إبرازها فى العناصر الآتية:
1-أن أعداد الملتحقين بالتعليم قبل الجامعى فى مصر فى تزايد مستمر عاما بعد أخر، لأسباب عديدة بعضها اقتصادي وبعضها اجتماعى، كما أن التطورات التى حدثت فى المجتمع المصرى منذ ثورة يوليو عام 1952، قد أدت عمليا إلى زيادة الإقبال على التعليم حتى لدى الفتيات بالريف والمدينة، وهكذا زاد عدد الملتحقين بالتعليم قبل الجامعى من 3 مليون تلميذ وتلميذه عام 1957 إلى أن بلغ حوالى 17 مليون طالب وطالبة عام 2004/2005.
2-ويتوزع هذا العدد الكبير على عدد من المدارس يقل كثيرا عن الاحتياجات المطلوبة، حيث لا تزيد هذه المدارس على 41981 مدرسة ومعهد أزهرى، وبعدد فصول لا تزيد على 428.5 ألف فصل.
3-وقد أدى تواضع الاستثمارات فى مجال إنشاء المدارس الحكومية منذ عام 1967، وحتى زلزال أكتوبر عام 1992، إلى تآكل البنية التحتية للنظام التعليمى المصرى، وفتح ثغرة واسعة لنشأة المدارس الخاصة والاستثمارية ، التى زاد عددها من أقل من 500 مدرسة عام 1966 إلى ما يزيد حاليا عن 7 آلاف مدرسة خاصة واستثمارية، وبعضها يعتبر إمتداد لمدارس أجنبية، وقد أصبحت هذه المدارس الاستثمارية تستوعب ما يزيد قليلا على 1.3 مليون تلميذ وتلميذة.
4-وقد أدى هذا الواقع إلى بروز ظاهرة شديدة الخطورة ، إلا وهى حالة التكدس بالفصول حيث تصل هذه الكثافة فى المتوسط إلى 50 تلميذ / فصل ، وبلغت فى مدارس الضواحى والأحياء الفقيرة بالمدن المصرية – بما فيها القاهرة – حوالى 80 تلميذ لكل فصل، وفى المدارس الريفية تجاوز هذا المعدل فى كثير من الأحيان 100 تلميذ لكل فصل، مما أستحال معه إدارة عملية تعليمية صحيحة فى الفصول والمدارس الحكومية.
5-ومع تواضع أجور ومرتبات المدرسين، وتزامنها مع تنامى ظواهر ونتائج سفر الآباء وأولياء الأمور إلى دول الخليج والعمل فيها، تخلقت تيارات ضغط شديدة القسوة على الأطراف جميعا، وهو ما يمكن أن نطلق عليه "نظرية الأواني المستطرقة" فى مجال التعليم ، فتعرض الأبناء وأولياء أمورهم إلى عملية ابتزاز واسعة النطاق ، سواء من جانب المدرسين – وعددهم يزيد حاليا على مليون مدرس – أو الإدارات التعليمية من أجل " تعاطى الدروس الخصوصية " أو " مجموعات التقوية " ، مما ترتب عليها نتيجتان خطيرتان:
الأولى: أن قيمة القدوة والأستاذية قد سقطت إلى الأبد ، ومعها سقطت حصون الدفاع الأولى لقيم الأجيال الجديدة.
الثانية: نشأة نظام تعليمى موازى وغير رسمى، أو ما نطلق عليه "السوق السوداء التعليمية"، ويقوم النظام الرسمى كمجرد خيال مآته، من أجل خدمة النظام "غيرالرسمى" وغير القانونى.
6-وبتداعى الأحداث، وبقوة الأمر الواقع ، وبدلا من البحث عن حلول حقيقية لتلك المأساة المتزايدة، انصاعت الدولة ومسئوليها لحقائق القوة الجديدة، فصمتت عن المخالفات، ثم وبعد فترة دخلت الدولة وسياساتها فى مزاد "الابتزاز" المتبادل للطلبة وأولياء أمورهم من خلال أربعة إجراءات هى:
الأول: إتباع نظام التبرعات الإجبارية وإلزام أولياء الأمور على ذلك .
الثانى: الإقرار بنظام "مجموعات التقوية" والتوسع فيه داخل المدارس الحكومية ذاتها.
الثالث: الصمت عن مراكز الدروس الخصوصية وإعلاناتها فى الشوارع وفى كل المدن المصرية، بل ومشاركة الحزب الحاكم وأعضاء مجلس الشعب منه فى افتتاح مثل هذه المراكز، ومن بعدها نزول الدولة لإجراء محاسبة ضريبية عن تلك الأنشطة.
الرابع: ثم أخيرا الإقرار بفكرة بناء ما يسمى "المدارس المتميزة " أسوة بالرغيف المحسن أو الرغيف " الطباقى " ، أو الأتوبيس السياحى ، والأتوبيس المميز .. الخ تلك التعبيرات الهجينة ، وقد تبنت الدولة ورئيس وزرائها السابق د. عاطف عبيد تلك السياسة تحت عنوان خادع وهو " المدارس التعاونية " لتعلن بذلك الدولة عن إفلاسها السياسى والاجتماعى فى إدارة شئون المجتمع .
1-وبرغم الدفعة الجديدة التى حصلت عليها الاستثمارات فى مجال التعليم بعد كارثة زلزال أكتوبر عام 1992 ، وما أدى إليه من انكشاف قدم وتهالك المدارس الحكومية (حيث تبين أن 35% من المدارس لم تكن صالحة للاستخدام أصلا)، وبناء حوالى 11 ألف مدرسة جديدة خلال الفترة ( 1992- 2004) فقد ظل التفاوت كبيرا بين معدلات نمو الالتحاق بالمدارس، ومعدلات نمو عدد المدارس والفصول ، مما أبقى عمليا على الوضع دون تغيير جوهرى.
2-وزاد الأمر سوءا عناد الوزير الأسبق وإصراره غير المبرر على إتباع نظام "اليوم الكامل" فى ظل عجز فاضح فى عدد المدارس والفصول المتاحة.

ثانيا: الفجوة التمويلية .. وفقة الأولويات
زاد عدد العاملين فى وزارة التربية والتعليم والمديريات التابعة لها بالمحافظات
طوال الثلاثين عاما الماضية زيادة كبيرة، من أجل الموائمة مع الزيادة الكبيرة فى أعداد الملتحقين بسلك التعليم، فبلغ عدد العاملين فى ذلك القطاع بحلول عام 2004 حوالى 1.7 مليون موظف، منهم حوالى مليون مدرس والإدارة المدرسية ، والباقى عبارة عن عمالة إدارية فى مختلف الوظائف الإدارية بديوان عام الوزارة والمديريات التعليمية بالمحافظات، ومن بين هؤلاء جميعا يوجد حوالى 400 ألف عامل خدمات معاونة (سعاة).
وبالمقابل زادت المخصصات المالية الواردة فى موازنة الدولة لوزارة التربية والتعليم من حوالى 2296 مليون جنية عام 90/1991 إلى أن تجاوزت 10668 مليون جنية عام 99/2000 ثم بحلول عام 2005/2006 كان المبلغ قد وصل إلى حوالى 16 مليار جنية.
وبرغم هذه الزيادة الملحوظة فى مخصصات وزارة التربية والتعليم ، فقد ظل مستوى الأداء التعليمى بالمدارس الحكومية دون المستوى المأمول، والأخطر هو بقاء نفس الظواهر والأمراض التى تعانى منها النظم التعليمية المصرية وأبرزها التكدس فى الفصول وانتشار سرطان الدروس الخصوصية . إذن أين موطن الداء ؟ وكيف يمكن تجاوز هذا الواقع المر ؟
الحقيقة أن تحليل هذا المخصص المالى سوف يكشف عن جوهر الاختلالات الهيكلية التى يعانى منها النظام التعليمى الحكومى الراهن والذى يمكن تحديده على مستويين هما:
-المستوى الأول: مدى فاعلية النفقات العامة فى تحقيق الأهداف المرجوة .
-المستوى الثانى: نمط أوليات توزيع هذه المخصصات.
فإذا تأملنا فى شكل وأساليب توزيع هذه المخصصات المالية الممنوحة لوزارة التربية والتعليم ومديريات التعليم بالمحافظات، وبقية الهيئات التابعة للوزارة – مثل هيئة الأبنية التعليمية – فسوف نكتشف عدم كفاءة هذه النفقات، وليس عدم كفايتها، وكذا تشوه نطاق استخدامها، حيث تواجهنا الحقائق العنيدة التالية:
1- أن حوالى 82% إلى 85% فى المتوسط من هذه الاعتمادات المالية تذهب إلى بند " الأجور والمرتبات والمكافآت "، ويظل الجزء اليسير مخصص للاستثمارات الجديدة، سواء فى بناء مدارس جديدة أو صيانة المدارس القائمة منذ عقود، كما لا يوجه لنفقات العملية الجارية سوى أقل القليل، خاصة إذا علمنا أن طباعة الكتاب المدرسى تتكلف حوالى 1.2 مليار جنية سنويا، بما يؤدى عمليا إلى غياب عناصر هامة فى العملية التعليمية، مثا الإنفاق على الأنشطة والمهارات وغيرها.
2- وبرغم التحسن الظاهرى فى مخصصات الباب الأول (الأجور والمرتبات ومكافآت نهاية العام) من عام إلى أخر، حيث زادت اعتمادات "مكافآت الامتحانات " من أقل من 450 مليون جنية عام 91/1992 إلى أكثر من 5.7 مليار جنية فى موازنة العام المالى 2005/2006 ، فان هذا الوضع لم ينعكس إيجابا على أداء المدرسين ويخفف من غلواء نزوعهم نحو تعاطى جريمة الدروس الخصوصية ، ذلك أن متوسط ما يتقاضاه المدرس شهريا ظل عند مستواه المتدنى – من 250 إلى 500 جنيها – وهو مبلغ من المستحيل تصور العيش به طوال الشهر ، وبرغم زيادة مكافآت الامتحانات التى يتقاضاها المدرسون فى نهاية العام الدراسى من أجر 140 يوما عام 90/1991 إلى أن بلغت حوالى 220 يوما فى العام 2005/2006 ، أى بمعدل ألفين إلى ثلاثة آلاف جنية سنويا ، فان المدرس المصرى لا يستطيع أن يؤجل نفقاته اليومية لحين تقاضى هذا المبلغ المجمع فى نهاية العام ، لذا فأن الصحيح هو توزيع هذا المتوسط السنوى على شهور العام ، وهو ما سيؤدى إلى رفع متوسط ما يتقاضاه المدرس شهريا من 250 جنيها أو 500 جنيها فى الوقت الحالى إلى 450 جنيها إلى 750 جنيها .وهذه خطوة فى الاتجاه الصحيح مع خطوات أخرى سنذكرها بعد قليل .
3- كما أن توزيع " مكافآت الامتحانات " دون تمييز بين أعمال التدريس – التى هى مناط عمل الوزارة – وبقية الأعمال الإدارية بالوزارة ومديرياتها ، يؤدى إلى ظلم بين للمدرسين ، وهو ما يتطلب وضع " كادر وظيفى " خاص بالمدرسين أسوة بكادر الشرطة والمخابرات العام وضباط القوات المسلحة ، فهؤلاء أكثر حيوية للأمن القومى لوجود الدولة من غيرهم .
4- ومع استمرار تواضع المخصصات المالية للباب الثالث ( الاستثمارات ) فى قطاع التعليم قبل الجامعى ، واللجوء إلى بدعة " المدارس التعاونية " لأبناء القادرين ، وانتشار المدارس الاستثمارية والمدارس الأجنبية ، فان حال التكدس وكثافة الفصول بالمدارس الحكومية سوف تستمر ، مما يؤدى قطعا إلى تدهور الأداء التعليمى الرسمى وانتعاش سوق الدروس الخصوصية ، حتى لو دفعنا للمدرس عدة آلاف مـن الجنيهات شهريا ، فإصلاح البنية التحتية لعملية التعليم أساس كل أصلاح.
5- لدينا مصدر إضافى لتمويل العملية التعليمية فى مصر – هذا إذا خلصت النوايا وجرت سياسات جادة لوقف نزيف الفساد – والمتمثل فى المخصصات المالية لبنود " الدعاية والإعلان والنشر " ، والتى بلغت كما ذكرنا فى مقال سابق حوالى 256 مليون جنية فى عام 2005/2006 وحده ، ويتجاوز مجموعها منذ تولى السيد حسنى مبارك حكم هذا البلد عام 1981 حوالى 2550 مليون جنية، بددت فى شراء صمت بعض الصحف والصحفيين المرتبطين بالدولة، وكذا فى إعلانات التعازى أو التهنئة للسادة المسئولين ، ويمكن وقف هذا المخصص المالى نهائيا وتوجيهه إلى دعم الاستثمارات فى التعليم وبناء مدارس وفصول جديدة، مما سينعكس فورا فى خفض معـدل الكثافة بالفصول الذى هو أساس كل بلاء فى النظام التعليمى الحكومى والخاص .
6- نعود إلى "أم المشاكل" فى النظام التعليمى الحكومى وهو أجور ومرتبات المدرسين، وفى هذا الصدد لدينا تصور ينسجم مع بقية رؤيتنا ل

أحدث صيحات الدرويش .. الإدارة " بالزغزغة " ..!!*

عرفت نظم الإدارة الحديثة مجموعة من الأفكار والنظريات والمدارس العلمية، كلها كانت تبحث عن سبل ووسائل تحقيق أفضل أداء ممكن للموارد المتاحة، سواء كانت موارد بشرية أو أصول إنتاجية أو غيرها.
ومن أبرز هذه النظريات التى سمع بها خبراء الإدارة والعاملين فى الأجهزة الحكومية المصرية منذ أواخر عقد الستينات من القرن الماضى، نظرية "الإدارة بالأهداف "و" الإدارة بالنتائج "و" الإدارة الاستراتيجية " وغيرها من الأفكار والتعبيرات. كما هبت على البلاد خلال عقد التسعينات تعبير جديد لكته الألسن فى دهاليز الإدارة الحكومية فى مصر إلا وهو " الهندرة " وهو اختصار لتعبير ومعنى "إعادة هندسة الإدارة" reengineering management والتى يقصد بها ببساطة إعادة هيكلة الإدارة والهياكل التنظيمية بالمنشأة باستخدام أدوات العلوم الهندسية، بحيث تتخلص من الأنماط التقليدية واللجوء إلى نظم مختلفة تتواءم مع التطورات المذهلة فى علوم الاقتصاد والاتصالات والتكنولوجيا الحديثة ونظم المعلوماتية .
والجديد فى الأمر ، هو ما تفتق عنه وأبتكره عقل مفلس ، هبط على حقل الإدارة العامة فى مصر ، وهو السيد " أحمد درويش " وزير ما يسمى وزارة التنمية الإدارية ، والذى أسماه " الإدارة بالضحك " ..!1
لقد هال الرجل ، بكل ما تميز به من قلب عطوف ، وفكر متجدد يدعوا فيه إلى وضع قانون جديد للخدمة المدنية فى البلاد ستؤدى لا محالة إلى التخلص من مئات الآلاف من الموظفين تحت مسمى " نظم التعاقد " بدلا من الوظائف الدائمة ، وشغل الوظائف القيادية بالمحاسيب والأقرباء وغيرهم، حالة الكآبة التى تتبدى على وجوه الموظفين والمواطنين عموما فى البلاد، فتفق ذهنه على ما أسماه " الإدارة بالضحك " عبر صياغة مجموعة من البرامج التدريبية – وهو كله بثمنه برضه – لتعليم الموظفين بالجهاز الإدارى للدولة، كيف يضحكون أثناء أداء العمل ..!!
والحقيقة أنه بقدر ما تحمل الفكرة من إقرار واعتراف المسئول عن الوظيفة العامة فى مصر، بقدر الكآبة والعبوس، اللذين يميزا ملامح وسلوك المصريين عموما والموظفين على وجه الخصوص، والتى هى نتيجة طبيعية لسياسات هذا النظام ورجاله – وهو واحد منهم هبط بمظلة المحسوبية وقلة الكفاءة على حقل الإدارة العامة فى أسوأ فترات التاريخ المصرى – سواء فى مجال تدنى مستوى الأجور والمرتبات خاصة لدى العاملين فى المحافظات (ونسبتهم حوالى 65% من إجمالى الموظفين فى الدولة)، أو فوضى نظم العمل وسيادة مناخ عمل غير إيجابى، وتواضع مستوى التجهيزات المكتبية وبيئة العمل عموما فى المصالح الحكومية – وأحيله فى هذا من باب التثقيف الذاتى لقراءة مؤلفاتى وكتبى فى هذا المجال – بقدر ما تكشف عن تواضع الخيال وغياب الرؤية لدى هذا الوزير، وسطحية تفكيره فى القضايا محل النقاش والجدل العام.
فمثلما ابتليت مصر بوزراء من أمثال وزير التموين السابق (حسن خضر) الذى ذهب إلى حد اقتراح تأجير أراضى فى كندا لزراعة القمح وتلبية حاجات المصريين منه ..!! وكذلك ما ابتليت به من وزير بعينة "يوسف والى" الذى تبنى طوال ربع قرن استراتيجية زراعة الفراولة والكانتلوب وغيرها من زراعات النباتات العطرية بديلا عن زراعة المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والأرز والشعير بحجج متهافتة من عينة تصدير المنتجات الأولى الأعلى سعرا فى السوق العالمية ، وشراء القمح وغيرها الأقل سعرا ، وغاب عنه وعن القيادة السياسية التى عينته وأبقته على قلوبنا ربع قرن كامل، الأبعاد الاستراتيجية لتأمين المقومات الأساسية لغذاء الشعب المصرى، حتى لو تنازلنا عن بعض الأرباح المالية القليلة الشأن. وكان من نتيجة هذه السياسات أن أسلمت القرار السياسى المصرى للولايات المتحدة ، تماما مثلما فعلوا فى موضوع تنويع مصادر السلاح ، فإذا به بعد عشر سنوات من إعلان هذه السياسة عام 1974 ، نتحول إلى زبون دائم لمصدر واحد ووحيد للتسلح هو الولايات المتحدة الأمريكية ، أى ببساطة فى قبضة إسرائيل.
كما كان من نتائج سياسات وزير الزراعة السابق ، استيراد مبيدات " مسرطنة " لا نعرف حتى الآن على وجه اليقين كم من المصريين أصيبوا بهذا المرض الفتاك من جراء استخدام تلك المبيدات المسرطنة طوال عشرين عاما من سياساته ، كما ابتليت مصر بوزراء من عينة "محمود محي الدين " الذى تحول بلا فخر إلى دور أستاذه الذى علمه السحر "د. عاطف عبيد " أى إلى المصفى والسمسار لبيع أصول مصر الإنتاجية بأبخس الأثمان ، فى عمليات بيع يشوبها الكثير من الغموض ويحيط بها الكثير من الفضائح وعلامات الاستفهام ، وليس أقلها صفقة أو فضيحة بيع " عمر أفندى ".
وهكذا فنحن اليوم أمام وزير لا يدرك الفرق بين المظاهر والأسباب ، وبين السلوك والدوافع ، وبين الظاهر والباطن ، فالشعب المصرى المشهور عنه إطلاق النكات، والضحك على النكات، والعيش بالنكات، كوسيلة للتسرية وتخيف ضغوط الحياة، والصبر بها على المكارة، قد تحول فعليا إلى شعب عبوس، مكتئب، حزين، والسؤال الذى لم يسأله هذا الوزير إلى نفسه، ولم يشغل تفكيره بالبحث عن إجابة له هو: لماذا حدث هذا التحول النفسى الرهيب؟
أذن لم يحاول الرجل البحث عن إجابة أمينة لهذا السؤال، وكذلك يفعل بقية زملائه مـن المسئولين والوزراء، ذلك أن تلك الإجابة كانت ستذهب بهم إلى طريق العروبة.. !!
نعم .. الطريق المؤدى إلى من عينهم فى مناصبهم، إلى رئيس الجمهورية وعائلته الذين يتصرفون فى الدولة والشعب كأنهم ق

مخاطر مشروع قانون الوظيفة العامة على الموظفين

أنشغل الفكر والفقه الإدارى المصرى منذ منتصف القرن الماضى، بقضية من أكثر القضايا تعقيدا وتشابكا، إلا وهى "قياس كفاءة إداء العاملين" بالمنظمات الحكومية والخدمية ، وكان الجهد منصبا على كيفية وضع نظام يضمن ترتيب كفاءة العاملين من ناحية ، وكشف القدرات المميزة من ناحية أخرى. وفى هذا الأطار تكشف دراستنا تلك التطور الفكرى والفقهى التاريخى، وما أسفرت عنه التجربة العملية من مشكلات، وإيجاد حلول تتناسب مع الحقائق الجديدة فى مجال الإدارة الحكومية، والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية المصاحبة لها.
وبعد مرور أكثر من نصف قرن عاد الحديث مرة أخرى حول مراتب ومعايير تقدير كفاءة العاملين، مما أستلزم تأصيل موقف نظرى ممزوج بالخبرة العملية وتفعيل أفضل ما وصل إليه الفكر الإدارى والفقه المصرى والمعبر عنه فى القانون رقم 47 لسنة 1978 وتعديلاته، ومناقشة الأفكار الجديدة المطروحة بشأن تعديل نظام قياس كفاية الأداء ومدى قدرتها على حل معضلات الواقع الراهن ، خاصة بعد أن تردد أكثر من مرة حديث وزير التنمية الإدارية، وغيره من الهابطين بالبراشوت على حقل الإدارة الحكومية والوظيفة العامة.
وتكشف الأفكار التى طرحها هؤلاء (الأهرام بتاريخ 21/12/2005) عن مدى السذاجة فى طرح أفكار ووضع مشروعات قوانين ، ستؤدى لا محالة إلى إهدار حقوق العاملين من جهة ، وتفتح الباب واسعا للوساطة والمحسوبية بعد شرعنتها قانونيا.

1-التطور التاريخى لنظام تقارير الكفاية
أستقر الرأى منذ قرن مضى على أهمية تقدير كفاية الأداء للعاملين بالإدارة الحكومية، ويظهر ذلك واضحا مما نصت عليه النظم الحاكمة للوظيفة العامة وفقا للتطور التالى:
– صدر الأمر العالى فى 10/4/1883 متضمنا أول نظام لائحى للوظيفة العامة فى مصر، أوجبت أحكامه إجراء بيان لأحوال جميع المستخدمين ، وبناء عليه يتم أعداد جداول الترقى.
– ولم تستمر تجربة تقدير كفاية الأداء للمستخدمين ، فصدر الأمر العالى فى 2/12/1893 والأمر العالى فى 24/5/1901 ، وتغيب فيهما تنظيم مسألة تقدير كفاية الأداء، ومع هذا ظلت التعليمات تؤكد أهمية مراعاة الجدارة فيما يخص الترقيات والعلاوات، إلا أن غياب المظلة التشريعية أفقد هذه التعليمات القوة التنفيذية.
ولنصف قرن لاحق ظل دعاة الإصلاح الإدارى ينادون بضرورة عودة نظام الجدارة، بأعتباره أحد الوسائل الضرورية لتصويب مسار الإدارة الحكومية ن عبر استخدام نظم قياس كفاية الأداء.
وقد استجابت الحكومة المصرية لدعاة الإصلاح الإدارى بعد إعداد تقرير الخبير الإنجليزى sinker عام 1950 ، وصدر القانون رقم (210) لسنة 1951 متضمنا تنظيما شاملا لتقدير كفاية الأداء تتمثل فى:
– إعداد ملف لكل موظف يتضمن الملاحظات المتعلقة بأداء العمل .
– إعلان الموظف بتقرير كفايته وإقرار حق التظلم .
– الإعتداد بتقدير الكفاية عند الترقية ومنح العلاوات .
– تقدير كفاية الأداء يكون بمرتبة جيد أو متوسط أو ضعيف .
– يخضع جميع الموظفين لنظام تقارير كفاية الأداء عدا درجة مدير عام ورؤساء المصالح .
وقد أدخلت تعديلات على نظام العاملين بمقتضى القانون رقم 73 لسنة 1957 وكان أهمها :
– التقارير السنوية سرية لجميع الموظفين من الدرجة الثالثة فما دونها .
– إعلان الموظف الذى يكون تقريره بدرجة ضعيف فقط .
– مراتب الكفاية للأداء تعدلت إلى "ممتاز" أو جيد أو "مرض" أو ضعيف .
– الموظف الذى يقدم عنه تقريران بمرتبة ضعيف ينظر فى أمر نقله لوظيفة أخرى، وإذا قدرت كفايته بعد ذلك بذات المرتبة يتم فصله .
وكانت النتائج المحققة من نظام قياس كفاية الأداء محدودة ، وصدر القانون رقم 46 لسنة 1964 ، متضمنا أحكاما جديدة تمثلت فى :
– الموظفون حتى الدرجة الثالثة يخضعون لنظام تقاير الكفاية السرية ، ويعلن فقط من قدرت كفايته بمرتبة ضعيف أو دون المتوسط .
– مراتب الكفاية تكون " ممتاز " أو " جيد " أو متوسط ، أو دون المتوسط أو ضعيف .
– يجب لفت نظر العامل إلى أن أداءه دون المتوسط مع ذكر المبررات .
– ويحرم من الترقية والعلاوة من يوضع عنه تقرير بمرتبة ضعيف أو تقريران بمرتبة دون المتوسط .
ثم صدر القانون رقم ( 58) لسنة 1971 متضمنا أحكاما مماثلة لما تضمنه القانون السابق ( رقم 46 لسنة 1964 ) ، إلا أنه أدخل تعديلا بشأن الفئات الخاضعة لنظام تقارير الكفاية ، وبمقتضاه يخضع جميع العاملين عدا شاغلى وظائف الإدارة العليا فضلا عن شاغلى الفئة التى يبدأ مربوطها المالى بمبلغ 876 جنيها .
أن أهم ما ترتب على تطبيق القانون رقم (46) لسنة 1964، وتأكد مع القانون رقم (58) لسنة 1971 ، أن قياس الأداء أصبح يتميز بطابع السرية ، ونجم عن ذلك إلغاء عملى للنظام ..!!
ثم صدر القانون رقم (47) لسنة 1978 ، والذى أخذ بتطبيق نظام ترتيب الوظائف، وتبعه صدور قرار رئيس الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة رقم (134) لسمة 1978 ، وقد تضمن القانون نظام لقياس كفاية الأداء تمثل فى أن تضع كل وحدة معايير يتم قياس كفاية الأداء على أساسها، مع أعتبار أن مستوى الأداء العادى يمثل حدا لكفاية الأداء (المادة 28).
كما أستحدثه قانون 47 لسنة 1978 فى نظام قياس كفاية الأداء حيث ينبغى التمييز القانونى والإدارى بين مفهومين:
الأول: معايير قياس كفاية الأداء.
والثانى: عناصر التقييم ذاتها.
فالمعايير قد تختلف طبقا لأختلاف النشاط (كالطبيب أو المدرس أو المهندس، أو العامل أو الموظف .. الخ) بينما عناصر تقييم أداء العمل وفقا
للخطة المعتمدة والقدرات الإدارية أو الفنية، وكذلك الجوانب السلوكية تكاد تكون واحدة، كما أستحدث القانون العناصر التالية:
1-أن مراتب كفاية الأداء تقدر بمرتبة " ممتاز " أو جيد أو متوسط أو ضعيف وفقا للمادة 28 من القانون .
2-يخضع جميع العاملين دون أستثناء لقياس كفاية الأداء .
3-يعلن جميع العاملين بمستوى أدائهم ، ولهم حق التظلم مع مراعاة إخطار العامل الذى يكون أدائه أقل من المستوى العادى أولا بأول .
4-يحرم العامل من الترقية والعلاوة إذا قدر بمرتبة ضعيف .
5-العامل الذى قدرت كفايته ضعيف سنتين متتاليتين ينقل لوظيفة أخرى ، فإذا تبين للجنة شئون العاملين عدم صلاخيته لوظيفة أخرى ، أقترحت فصله ، وإذا حصل على مرتبة ضعيف فى السنة التالية لنقله لوظيفة أخرى ، يفصل من اليوم التالى لأعتبار التقرير نهائيا .
6-تكون الترقية بالأختيار فى حدود النسب التى حددها المشرع من العاملين الحاصلين على مرتبة ممتاز فى السنتين السابقتين على الترقية ، فإذا لم يكن من هو مستوف لهذا الشرط تكون الترقية للحاصلين على مرتبة جيد .
7-منح العلاوات التشجيعية للحاصلين على مرتبة ممتاز فى السنتين السابقتين على منح العلاوة .
ويتبين من هذا العرض ما يلى:
أولا: أن التشريعات المنظمة للوظيفة العامة قد تطورت من الطابع السرى لقياس كفاية الأداء منذ القانون رقم (73) لسنة 1957 ، إلى علانية التقرير كما نص على ذلك فى القانون رقم (47) لسنة 1978 .
ثانيا: أن التشريعات المنظمة للوظيفة العامة منذ القانون رقم (210) لسنة 1951، وحـتى صدور القانون رقم (47) لسنة 1978 وتعديله بالقانون رقم (34) لسنة 1992 ، قـد أعتمدت فكرة تدرج مراتب قياس كفاية الأداء ، حيــث أعتمد القانون (210) ثلاث مراتب هى (جيد – متوسط – ضعيف) حتى أستقرت فى القانون (34) على خمس مراتب هى (ممتاز – جيد جدا – جيد – متوسط – ضعيف) لتتماشى مع تطور الفكر الإدارى الذى أنتهى إلى تدرج مستويات الأداء وفقا لمفاهيم ومعايير تتمايز بها درجات كفاءة أداء العاملين .
ثالثا: برزت فكرة الربط بين مرتبة "ممتاز" ومنح كل الحقوق والمزايا مثل الترقية والعلاوات التشجيعية وشهادات التقدير والمنح الدراسية وغيرها.
رابعا: ظل المشرع الإدارى عند موقفه تجاه الحاصلين على مرتبة ضعيف، والذى تدرج من الحرمان من العلاوة والترقية، ليصل إلى حد أنهاء الخدمة بضوابط معينة.
خامسا: لم يقتصر أستئثار الحاصلين على مرتبة "ممتاز" بالحقوق والمزايا المقررة بمقتضى القانون، بل أمتدت إلى المزايا المقررة وفقا للوائح الداخلية لكل وحدة والتى تشمل:

– المنح الدراسية.
– المنح التدريبية.
– الإعارات الخارجية.
– المنح الخارجية .
وترتب على تطبيق هذه الأحكام أعتبار مسألة حصول الموظف على درجة "ممتاز" أمرا ذو أهمية قصوى ولا نبالغ إذا قلنا مسألة حياة أو موت، مما أخضع الرئيس الإدارى لضغوط نفسية وأنسانية ، وساهم بالتالى بشكل مباشر فى تكوين ظاهرة " الكل ممتازون " ..!!
وهكذا بدا واضحا أن أهمية قياس كفاية أداء العنصر البشرى قد حسمت منذ أكثر من قرن مضى، إلا أن النقاش الإدارى ظل عالقا حول مدى جدوى النظام ومعايير تفعيله ، خاصة وأن المظلة التشريعية للنظام ترواحت بين الوجود الكامل (القانون 210 لسنــة 1951) والوجود الجزئى (القانون رقم 73 لسنة 1957 والقانون رقم 46 لسنة 1964، والقانون رقم 58 لسنة 1971) وعودة النظام كاملا بمقتضى القانون رقم (47) لسنة 1978 ، والمتضمن علانية التقرير والأخطار به ، والتظلم والربط بين تقدير الكفاية والحقوق والمزايا الوظيفية.
ومن أهم ما يلاحظ على التشريعات المتعاقبة أنها أغفلت معالجة فاعلية المعايير التى يعمل من خلالها نظام قياس كفاية الأداء، فأنعكس ذلك سلبا على العائد من التطبيق ، وظل الخلط قائما بين الجدوى من النظام وكيفية تفعيله ، وهو ما حدا بالمشرع الإدارى إلى إدخال تعديل بمقتضى القانون رقم (24) لسنة 1992 ليضيف مرتبة " جيد جدا " إلى تدرج مراتب الكفاية المقررة فى القانون رقم (47) لسنة 1978 المعمول به حاليا.

(2) نتائج تطور نظم قياس كفاية الأداء الراهن:
برغم تنبه المشرع الإدارى إلى ضرورة معالجة ظاهرة "الكل ممتازون" والتى أدت إلى تفشى حالة إدارية سلبية تمثلت فى:
1-تساوى غير موضوعى بين المجدين والممتازين بحق، والمهملين ومتواضعى الأداء.
2-إهدار أحد أهم أركان العمل الإدارى وهو الثواب والعقاب.
3-أنتشار مناخ من الصراع غير الإيجابى، وحالات من الأنهيار النفسى، إذا ما قدرت كفاية أحد العاملين أو الموظفين بمرتبة أقل من "ممتاز".
4-وضع الرئيس الإدارى فى موقف شديد الصعوبة نفسيا واجتماعيا وإداريا .

(3) قصور التعديل التشريعى عن معالجة المشكلة:
برغم أن المشرع الإدارى كان يتغيا من إدخال مرتبة "جيد جدا" على مراتب تقارير الكفاية المقررة معالجة ظاهرة "الكل ممتازون"، فأنه لم يضمن التعديل إعادة ترتيب الحقوق والمزايا الوظيفية، بحيث يتحقق نوع من التوازن بين تدرج مراتب الكفاية، وتدرج منح الحقوق والمزايا الوظيفية، وعلى نحو يسمح بدرجة من المرونة لدى الرئيس، مع أتاحة الفرصة للعاملين – ووفقا لتدرج مراتب كفايتهم – من الحصول على الحقوق والمزايا.
وقد صارت القرارات التنفيذية على نهج المشرع فيما يخص الربط الجامد بين مرتبة " ممتاز " والمزايا الوظيفية المختلفة مما ساهم فى تزايد حالة " الألتباس &quo
t; والتعقيد، وخلق مناخ من الضغوط على كل من الرئيس والمرؤس . .

(4) رؤية جديدة حول التعديلات المقترحة:
طرح الآن داخل الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة، ووزارة التنمية الإدارية وعلى المشرع الإدارى فكرة أستبدال النظام الراهن بنظام جديد يقوم على الآتى:
1-أتخاذ معيار الأداء " الجيد " أساسا لقياس كفاية الأداء ، خلافا لما هو مقرر الآن من الأعتداد بمعيار الأداء "العادى"، بما يعنى دمج مرتبتى (متوسط وضعيف) الموجودة فى النظام الحالى لتكون فى مرتبة " غير كفء " ، ثم دمج ثلاث مراتب معمول بها فى النظام السارى الآن وهى (جيد وجيد جدا وممتاز) لتكون بمرتبة واحدة هى "كف ".
2-أعتماد مرتبتين فقط لكفاية الأداء هما ، كفء وغير كفء .
3-إلزام الرئيس الإدارى المختص ، بأن يضع ترتيب العاملين تحت رئاسته والمقدر كفايتهم بمرتبة " كفء " فى ترتيب تنازلى لشاغلى كل درجة مالية.
4-أن ترتيب مرتبة الكفاية " كفء " هو أساس الترقية بالأختيار.
والسؤال هو: هل المقترحات المشار إليها والمقدمة فى مسودات القوانين المعروضة من وزارة التنمية الإدارية كفيلة بحل المشكلة؟
الحقيقة أن التناول الموضوعى للمقترحات والأفكار التى عبر عنها وزير التنمية الإدارية مؤخرا لن تؤدى إلى حل المشكلات الراهنة ، ويمكننا هنا أبداء الملاحظات التالية:
1-أن أختزال مراتب الكفاية فى مرتبتين فقط (كفء وغير كفء) ليس كفيلا وحده بحل مشكلة الكل "ممتازون"، حيث تؤكد الخبرة العملية الطويلة أن الجميع سوف يتحولون إلى " كفء).
2-حتى فى حال الترتيب التنازلى، فأن هذا سيقتضى ترتيب الحقوق والمزايا الوظيفية مثل (الترقية، العلاوات، المنح .. الخ) على نحو يربطها بالترتيب العددى التنازلى.
3-أن المقترحات الراهنة والتى تتسم بالجمود من شأنها أن تخلق حالة نفسية وإدارية متناحرة بين العاملين ، سواء كانوا رؤساء أو مرؤوسين.
4-إن إلزام الرئيس بوضع ترتيب تنازلى لمرتبة "كفء" وربطه بالحقوق والمزايا الوظيفية، خاصة الترقية سوف يؤدى إلى محدودية فرص الترقى ويقصرها على المتقدمين فى الترتيب العددى، مما يزيد من حالة التناحر بين العاملين.
5-النظام المقترح لا يضمن تحييد عناصر التحيز والمجاملة من جانب الرؤساء لبعض مرؤوسيهم، خاصة فى ظل غياب معايير موضوعية، ونظام صارم للتقييم الدورى للمرؤوسين.
6-وضع الرؤساء تحت ضغوط مزدوجة بسبب إلزامهم بترتيب مرؤوسيهم تنازليا، حتى لا تقدر كفاية الرؤساء أنفسهم بمرتبة "غير كفء"، مما يؤثر سلبا على سلامة عملية التقدير.
7-تكوين حالة من الضغوط الشديدة على كل من الرؤساء والمرؤوسين ، تؤدى إلى أضعاف فرص خلق بيئة عمل تعاونية، تحرمنا أمكانية تفعيل نظام فرق العمل ، الذى يمثل ملاذا ومخرجا لمواجهة تضخم الهياكل الوظيفية والتنظيمية بالجهاز الإدارى للدولة فى ضوء الوضع الراهن .
8-لم تتضمن المقترحات المعلن عنها كيفية التعامل مع الأثر القانونى لحصول أحد العاملين على مرتبة " غير كفء " لسنتين متتاليتين ، هل سيكون بنفس الأثر الذى وصفته المادة ( 35) من القانون رقم (47) لسنة 1978 ، أم سيكون له أثر قانونى مختلف؟

(5) أفكار ومقترحات بديلة بشأن حل مشكلة النظام الراهن:
عبرت ظاهرة الكل "ممتازون" عن مشكلة عميقة فى الأداء الإدارى والوظيفى المصرى، ولم تكن هذه الظاهرة سوى نتاج موضوعى لمجموعة من الإجراءات العملية الإدارية التى استمرت لسنوات طويلة بالإدارة الحكومية، والتى بمقتضاها تم الربط الميكانيكى الصارم بين الحصول على مرتبة "ممتاز" والحقوق والمزايا الوظيفية المقررة قانونيا وفى اللوائح التنفيذية الداخلية بكل وحدة إدارية.
وبرغم تنبه المشرع الإدارى لخطورة استمرار ظاهرة "الكل ممتازون" ما دعاه إلى إجراء تعديل تشريعى تم بمقتضاه أدخال مرتبة "جيد جدا" ضمن مراتب الكفاية المقررة فى قانون العاملين وذلك عام 1992 ، بيد أن هذا الإجراء لم يستكمل بما هو ضرورى ويتمثل فى مجموعة من الإجراءات التى نراها هامة مثل:
1- فى حال الترقية بالأختيار، ينص على أن يكون أخر تقريرين للمرشح للترقية بمرتبة "ممتاز" أو ثلاثة تقارير بمرتبة "جيد جدا " .
2- بالنسبة للعلاوات التشجيعية ينص أيضا على أن يكون أخر تقريرين بمرتبة "ممتاز " أو أخر ثلاثة تقارير بمرتبة "جيد جدا " .
3- وفى حالة المزايا الأخرى (المنح الدراسية أو التدريبية) فينص أيضا على الأحكام السابقة التى عرضناها أعلاه.
4- إلزام الرئيس المختص بوضع التقرير بتسلم سجلات يدون فيها أولا بأول وبصورة دورية (كل ثلاثة شهور) مستوى أداء العامل وفقا لجميع عناصر التقييم المعمول بها فى التقرير، وتكون هذه السجلات محل نظر الرئيس الأعلى عند وضع التقرير النهائى للموظف أو العامل.
5- تقديم مشروع قانون بتعديل المواد المتعلقة بنظام قياس كفاية الأداء، والمنصوص عليه بقانون العاملين المدنيين بالدولة رقم (47) لسنة 1978، على أن يتضمن مشروع القانون المقترحات السابقة مع مراعاة تعديل القرارات التنفيذية واللائحية فى هذا الشأن .

Featuring WPMU Bloglist Widget by YD WordPress Developer