ثانيا : إيران وإحتلال العراق .. والدور المصرى

الأداء السياسى للأطراف المختلفة أثناء العدوان الإسرائيلى على لبنان فى يوليو 2006 *

(3) الاتحاد الأوربى .. العاجز عن الفعل
سيظل الاتحاد الأوربى يعانى من مشكلتين مزمنتين ، سواء فى إدارته ومواجهته للأزمات الدولية ، أو فى طريقة إدارته لشئونه الداخلية وعلاقاته الدولية ، فمن جهة بقدر تطور القدرات الاقتصادية والنقدية والتجارية لهذا الكيان الجيو – سياسى ، بقدر ضعف وانقسام إرادته السياسية بين تيارين أساسيين داخل بنية الاتحاد :
الأول: تيار أوربي تقوده بإصرار فرنسا ، ويضم مجموعة دوارة من الدول تتغير مكوناتها مع كل دورة انتخابية فى هذه الدولة أو تلك ( ألمانيا – إيطاليا – أسبانيا .. الخ ) وهذا التيار أميل إلى الاستقلال النسبى عن السياسات الأمريكية الموغلة فى التطرف والأنانية خاصة بعد انتهاء حقبة الحرب الباردة .
الثانى: تيار أنجلو – سكسونى تلعب فيه بريطانيا دور رأس الرمح الدائم لصالح تحالف – يصل أحيانا كثيرة إلى حد التبعية المطلقة – للسياسات التى ترسمها واشنطن، وهذا التيار يضم دول معظمها من دول المنظومة الاشتراكية السابقة مثل التشيك والسوفاك ورومانيا وبولندا والمجر .. الخ .
والحقيقة أنه مع كل توسيع جديد للنطاق الجيو – سياسى لبنيان الاتحاد (حاليا 25 دولة) ستزداد حدة الانقسامات، فيما يتعلق بالشئون الدولية والعلاقات مع واشنطن، بما يؤدى فعليا إلى شلل الإرادة السياسية للإتحاد وقدرته على اتخاذ قرارات مؤثرة فى النزاعات والأزمات الدولية.
ومن جهة أخرى، فإن مستقبل التطور الإقتصادى فى بلدان الاتحاد الأوربى يعتمد فى جزء كبير منه على التطورات والأحداث السياسية والاقتصادية التى تجرى فى المحيط الخلفى لأوربا ، ونعنى به الشرق العربى – الشريك التجارى الأكبر لأوربا – سواء فيما يتعلق بمصادر النفط والغاز أو فيما يختص بتسويق الإنتاج الأوربى. وهذه العلاقة المركبة والحيوية تخرج فى بعض جوانبها عن قدرات الاتحاد الأوربى بسبب إنفراد الولايات المتحدة – وإسرائيل – بأهم تلك الأحداث والتطورات الجارية.
هذا الواقع يؤدى إلى إرباك المواقف الأوربية عموما، والاتحاد ككيان سياسى على وجه الخصوص، وهو ما بدا واضحا فى أزمة العدوان الإسرائيلى الأخيرة على لبنان وفلسطين فى الفترة الماضية.
فالتيار الأول حاول فى اجتماع بر وكسل (31/7) الدفع فى طريق تضمين البيان الختامى دعوة لوقف فورى لإطلاق النار مع معالجة جزئية لمشكلات مثل وضع مزارع شبعا وتبادل الأسرى وغيرها، بيد أن التيار الثانى قد نجح فى وأد هذه الفكرة وصدر البيان الختامى للاجتماع أشبه بالمتواطىء بالصمت على ما يجرى فى لبنان، وكأنه ينصاع لمطلب الإدارة الأمريكية وبريطانيا، لمنح إسرائيل مزيدا من الوقت لتحقيق بعض النجاحات العسكرية والميدانية.
والحقيقة أنه من غير المقدر أن يخرج البنيان الإتحادى الأوربى عن هذا الواقع السياسى لفترة قد تطول من الزمن، بما يجعلنا نؤكد أن هذا الاتحاد سيظل مجرد بنك للتسويات المالية والاقتصادية للمصالح الأمريكية فى المنطقة لسنوات طويلة قادمة دون أن يكون صاحب قرار سياسى مستقل.

(4) روسيا .. المتحرك على مهل
اكتوت روسيا –أو الاتحاد السوفيتى السابق– من جراء السياسات العربية المتناقضة خلال الثلاثين عاما الماضية، فاختزنت الذاكرة السياسية الروسية ذكريات غير إيجابية تجاه سياسات ومواقف الدول والحكومات العربية – بل وحتى الفلسطينية – ومن ناحية أخرى فإن الانقلاب السياسى والاجتماعى الضخم الذى حدث فى روسيا منذ أغسطس من عام 1991 ، قد خلق قوى اجتماعية وسياسية جديدة هى أقرب فى تحالفاتها ورؤيتها لمستقبل روسيا للغرب عموما والولايات المتحدة على وجه الخصوص.
والحقيقة أن كل ما نجح فيه الرئيس الجديد "فلاديمير بوتين" طوال السنوات الستة الماضية هو وقف حالة الانهيار الإقتصادى والتدهور السياسى والانحطاط الاجتماعى والأخلاقى الذى صاحب فترة تولى "بوريس يلتسين" وجماعته الصهيونية الميل والهوى.
كما تمكن "بوتين" من خلق ما يمكن تسميته "كتلة الوسط السياسى" فى روسيا بين نفوذ اليسار الشيوعى التقليدى الذى حكم البلاد طوال سبعين عاما ماضية، وقوى الخصخصة والليبرالية الجديدة التى كانت أقرب فى سلوكها السياسى والاقتصادي لجماعات "المافيا" وعصابات النهب والتهريب، فأوقف حالة الانهيار تلك دون أن يقدم رؤية استراتيجية بديلة تضمن لروسيا مكانا مستقلا ومقدرا فى السياسات العالمية.
وقد أنعكست هذه المحددات الروسية فى الأزمة الأخيرة ، فأعلن الرئيس الروسى "بوتين" على هامش اجتماعات مجموعة الثمانية (G8 ) المنعقدة فى ضيافة المدينة الروسية التاريخية "بطروسبورغ" عن تفهمه للموقف الإسرائيلى بعد أسر حزب الله للجنديين الإسرائيليين، وزاد على ذلك الاعتراف بحق إسرائيل فى الدفاع عن نفسها، وهو نفس الموقف الذى أعلنه الرئيس الأمريكى منذ اللحظة الأولى للأزمة والعدوان الإسرائيلى.
ونت هنا جاء البيان الختامى لقمة الثمانية محملا "حزب الله" مسئولية الأزمة دون أن يتطرق للتصرفات والتدمير الممنهج الذى تقوم به إسرائيل ضد البنية التحتية للبنان، و ذلك على عكس الموقف الروسى المدعم نسبيا لإيران فى موضوع "الملف النووى" والرافض بالمطلق لفرض عقوبات اقتصادية أو سياسية أو عسكرية على ذلك البلد، بسبب من الاعتبارات الاقتصادية المحضة لروسيا، لذا فان الصمت الروسى، والقبول بالإدارة الأمريكية للأزمة ومشاركتها لفرنسا فى ذلك هو موقف روسيا من بداية الأ

الأداء السياسى للأطراف المختلفة أثناء العدوان الإسرائيلى على لبنان فى يوليو 2006 *

إذا كانت هذه الأهداف السياسية للأطراف المباشرة فى الحرب قد عرضناها قبل قليل، فما هى الأهداف السياسية والاستراتيجية للأطراف المتوارية خلف مسرح العمليات العسكرية، بعيدا عن الحديد والنار، سواء كانت هذه الأطراف دولية أو إقليمية أو داخل لبنان ذاته ؟
الحقيقة أن تعقيد المشهد اللبنانى / الإسرائيلي الراهن ، يعكس كونه "بؤرة بلورية" تتجمع فيها مصالح دولية وإقليمية عديدة ، لذا فإن تحليل الأداء وتقييم النتائج فى هذا الصراع المعقد يحتاج إلى عملية "فك" و "إعادة تركيب" لتفاعلات المصالح بين كافة هذه الأطراف ، ومن هنا فإننا سوف نتوقف عند أربعة مستويات للتحليل:
الأول: مستوى مصالح وأدوار القوى الدولية المؤثرة ( الولايات المتحدة – فرنسا – الإتحاد الأوربى – روسيا ) .
الثانى: أدوار القوى الإقليمية ومصالحها (أطراف عربية – إيران وسوريا).
الثالث: تفاعلات القوى الداخلية اللبنانية وارتباطاتها.
الرابع: دور الرأى العام العالمى والعربى وتأثيره.
فإذا بدأنا بالمستوى الأول ، ينبغى التوقف مليا عند الولايات المتحدة الأمريكية بكل أبعاد مواقفها ورؤيتها الاستراتيجية تجاه المنطقة والعالم .

(1)الولايات المتحدة .. تدير المعركة السياسية لإسرائيل
بقدر ما أن هذا العدوان هو إسرائيلى من حيث الأداة والأهداف، فإنه أمريكى من حيث البناء والتصميم والرؤية، وفى هذه الحالة امتزجت الأداة بصاحبها، وتلاقت المصالح بالأهداف، بما يعكس طبيعة التحالف بينهما . وقد كان حجر الزاوية فى هذا التحالف الغربى تجاه لبنان هو ما يسمى "القرار 1559" وضرورة تنفيذ ما تبقى فيه من بنود والذى ينحصر – بعد خروج القوات السورية من لبنان – فى بندين أساسيين هما:
-نزع سلاح الميليشيات فى لبنان، والمقصود هنا بالطبع سرح "حزب الله" والفصائل الفلسطينية سواء داخل المخيمات الفلسطينية أو خارجها.
-وبسط ما يسمى سلطة وسيادة الدولة على حدودها مع إسرائيل، وذلك بنشر وحدات الجيش اللبنانى على تلك الحدود بديلا عن وجود مقاتلى "حزب الله".
هذا من حيث الغطاء والشكل القانونى، أما الإطار السياسى الأوسع والأشمل، فهو يتمثل فى العملية الجيو – سياسية geo- politic التى تجريها الولايات المتحدة منذ الحادى عشر من سبتمبر عام 2001، والتى أطلقت عليها "الشرق الأوسط الكبير" والممتدة من حدود الباكستان شرقا وحتى جبال طوروس وموريتانيا غربا، والتى أطلقها الرئيس الأمريكى "جورج بوش الأب " منذ يونيو من عام 2004، اقتباسا من أفكار وأطروحات "شيمون بيريز" التى عرضها فى كتابه المنشور عام 1994 بعنوان "الشرق الأوسط الجديد" وبشر فيها بعلاقات جديدة فى هذه المنطقة تتولى فيه إسرائيل دور القيادة والتوجيه، والذى عادت واستخدمته وزيرة الخارجية الأمريكية "كوندليزا رايس" أثناء الأزمة الأخيرة، ووسط ركام الحطام ورائحة البارود، واحتراق اللحم الحى للأطفال والنساء فى لبنان وفلسطين بفجاجة غير معهودة فى التاريخ الحديث، وجوهر هذه الرؤية الاستراتيجية الأمريكية يقوم على ثلاثة مرتكزات هى:
الأول: السيطرة المطلقة على مصادر النفط والغاز فى هذه المنطقة التى تحتوى وحدها على حوالى 65% إلى 70% من الاحتياطيات العالمية المؤكدة ، وكذا السيطرة على وسائل نقله وإمداداته والأنانيب ، وهيكل الأسعار ومستوى الانتاج ، أنها التطبيق العملى لمقولة وزير الخزانة الأمريكى الشهير " وليم سيمون " عام 1974 حينما قال " these peoples do not own oil , they only sit on it “ " وترجمتها الحرفية " أن هذه الشعوب – يقصد العرب – لا يملكون النفط ، أنهم مجرد جالسون فوقه " .
الثانية: أن هذه السيطرة المطلقة، وتحولهم من مجرد زبون ممتاز customer إلى شريك فى الإنتاج والتسعير والتسويق، هو الذى سيمكنهم مستقبلا من السيطرة أو "خنق" hanging المنافسين المحتملين وتحديدا الصين والهند واليابان والإتحاد الأوربى وربما روسيا.
الثالثة: ولأن إسرائيل هى أحد ركائز استراتيجية الأمن القومى الأمريكى ، فإن الحفاظ على أمنها وقوتها ضرورة حيوية للأمن والمصالح الأمريكية، وقد بدأت مرحلة الانتقال من "الردع" الإسرائيلى، إلى "الهيمنة" المطلقة الإسرائيلية، عبر إدخالها – قسرا – فى هذا النظام الشرق أوسطى، الذى بدأ فعليا منذ تخلى الرئيس المصرى السابق "أنورالسادات" عن القضايا العربية والقومية، وقام بزيارة إلى إسرائيل وتوقيع اتفاقية "تسوية " منفردة معها عام 1978، وبعدها انزلقت المنطقة كلها وحكوماتها واحدة بعد الأخرى، فى ذات المسار الإستسلامى وجرى تفكيك حقيقى للإطار الإقليمى العربى برمته.
وبانهيار وتفكك "الأتحاد السوفيتى" وكتلته فى أوربا الشرقية منذ السابع من نوفمبر عام 1989، أندفعت الرؤية اليمينية الأمريكية المحافظة – أو الإمبراطورية كما توصف حاليا – إلى بعيد دون رادع أو حواجز، وأضافت أحداث الهجوم الانتحارى على الأراضى الأمريكية فى الحادى عشر من سبتمبر عام 2001 ، حالة من التهور والرغبة فى الانتقام من كل ما هو عربى أو إسلامى فيما يشبه "حرب صليبية" على كافة المستويات، واعتمدت فيها على مفاهيم غير مسبوقة فى العلاقات الدولية وفى القانون الدولى مثل "الحرب الإستباقية"primitive war و"الفوضى الخلاقة" creative anarchy كأساس فلسفى وسياسى لعملية تفكيك وإعادة تركيب جيو – سياسية فى المنطقة برمتها، استنادا إلى المعطيات الديموج
رافية والتقسيمات العرقية والمذهبية والطائفية، وهو ما يكاد يتماثل مع النموذج الصهيونى فى فلسطين (إسرائيل)، وباعتبارها دولة "يهودية" كما أقر وأعلن لأول مرة الرئيس الأمريكى المحافظ "جورج بوش الابن" فى إبريل من عام 2004.
ولأن ولادة هذا النظام، وتحقق هذا السيناريو "التفتيتى" فى العراق ما زال متعثرا – برغم بوادر الحرب الأهلية الطائفية المنحى والمحتوى بفعل السياسات الأنجلو –أمريكية منذ الاحتلال – فإن الاندفاع إلى الأمام هو دائما سياسة الفاشلين الحائزين على القوة الغاشمة، ومن هنا كان إعداد وتهيئة المسرح اللبنانى – الجاهز أكثر من غيره – لتكرار سيناريو التقسيم الطائفى من أجل تحقيق عدة أهداف فى وقت واحد:
1- حصار سياسى "لحزب الله" وقوى المقاومة الوطنية اللبنانية، باعتباره أحد الامتدادات الإقليمية لسوريا وإيران من ناحية، وباعتباره يمثل خطرا مباشرا على استقرار وأمن إسرائيل من ناحية أخرى.
2- من شأن تحقيق هذا الهدف، فصل المسارين السورى واللبنانى فى إطار عملية التسوية السياسية للصراع العربى –الصهيونى، ومن ثم إضعاف الموقف التفاوضى السورى تمهيدا لعملية داخلية تستهدف تغيير النظام البعثى فى دمشق.
3- يمثل إضعاف "حزب الله" سياسيا وعسكريا فى لبنان، سحب أحد أوراق القوة السياسية الإقليمية لإيران، وبالتالى التجهيز لمرحلة ما بعد موضوع الملف النووى الإيرانى.
4- ولأن لبنان بطبيعته يمثل النموذج النقيض لإسرائيل من زاوية التعايش التاريخى بين كافة مكوناته الطائفية والعرقية، فإن تفجير هذا الوضع، وإعادة تركيبه بما يتناسب مع الرؤية الأمريكية الجديدة القائمة على التقسيمات العرقية والطائفية والمذهبية هو المدخل الجديد للشرق الأوسط المختلف والجديد الذى ترغبه الإدارة الأمريكية اليمينية المحافظة ذات التوجه الصهيونى بامتياز، ويسهل على الإدارة الأمريكية مهمتها طبيعة التركيبة الثقافية للنخب السياسية التقليدية فى ذلك البلد ، من حيث اعتياد بيع الو لاءات السياسية للقادر على دفع الفواتير ، سواء كان ذلك على المستوى الإقليمى (السعودية مثلا) أو دوليا (الولايات المتحدة – فرنسا – بريطانيا .. الخ).
وقد بدأت الولايات المتحدة مبكرا تجهيز المسرح اللبنانى، مستفيدة من أخطاء القيادة السورية فى لبنان طوال العشرين عاما الماضية، خاصة بعد الإصرار السورى بالتجديد الرئاسى للرئيس "أميل لحود"، ومن أجواء التوتر الذى خلقته عمليات تفجير ومحاولات اغتيال غامضة لشخصيات سياسية محسوبة فى معظمها على التيارات المناوئة للوجود السورى فى لبنان (مروان حمادة – جورج حاوى – مى شدياق – سمير قصير – .. الخ )ثم أغتيال رئيس الوزراء اللبنانى السابق صاحب الصلات والعلاقات الواسعة والغامضة فى بعض جوانبها (السعودية – فرنسا – الولايات المتحدة) فهيأت المناخ السياسى لما سمى تحركات " 14 آذار " عام 2005، وشكل القرار (1559) حجر الزاوية وخميرة التحول، دافعة القيادة السورية إلى سحب قواتها العسكرية من لبنان، وفى ظل مناخ معادى لسوريا، فحققت بذلك فصلا فعليا للمسارين السورى واللبنانى فى إطار عملية التسوية التى تديرها الولايات المتحدة منذ عام 1973.
ولم يبق من تنفيذ القرار سوى تصفية النفوذ السياسى والعسكرى "لحزب الله"، الذى لم تفلح فيه قدرات ومناورات الأطراف اللبنانية الداخلية المتعاونة مع المشروع الأمريكى / الصهيونى، والمدعوم بالمال السعودى والتواطؤ المصرى والأردنى، فكان التدخل بالعمل العسكرى الإسرائيلى هو أداة تحقيق هذا الهدف السياسى ، فكيف أدارت الدبلوماسية الأمريكية الأزمة؟
لقد إنتهجت الإدارة الأمريكية مجموعة من الوسائل والأساليب والإجراءات عشية وأثناء الأزمة تمثلت فى الآتى:
1- كشف الغطاء الإقليمى عن "حزب الله" والمقاومة اللبنانية، على أثر عملية أسر الجنديين الإسرائيليين فى الأسبوع الأول من شهر تموز (يولية)، وذلك بتبرأ رئيس الوزراء اللبنانى (فؤاد السنيورة) أولا من العملية دون أن يقدم أى أفق سياسى لأسباب العملية أو الإشارة إلى الأسرى اللبنانيين أو مزارع شبعا المحتلة أو استيلاء إسرائيل على مصادر المياة اللبنانية، وكانت هذه الحكومة بأغلبيتها المصنوعة تمثل فى الجوهر التيارات والقوى المتحالفة مع المشروع الأمريكى / الفرنسى فى لبنان من أمثال (سعد الحريرى – سمير جعجع – أمين الجميل ووليد جنبلاط)، وبعدها بساعات جاء بيان المصدر الرسمى السعودى الذى وصف المقاومة اللبنانية وحزب الله بأنهم "مغامرون" وقام بتحميلهم المسئولية، بما مثل ضوءا أخضر – لا شك فيه مطلقا لإسرائيل للقيام بعملياتها الواسعة تحت حجة الدفاع الشرعى عن النفس -، وفى اليوم الثانى مباشرة للتصريح السعودى، قام عبد الله الثانى – ملك الأردن – فيما يكاد يعرف عسكريا "بمعركة التثبيت على الأرض" بزيارة القاهرة وانتزاع موقف مصرى مماثل ومطابق للموقف السعودى، حيث صدر البيان المصرى / الأردنى الثنائى حاملا نفس العبارات تقريبا، وزاد عليها الإضافات – الخرفة للرئيس المصرى – حيث الحديث حول "البتاع ده" قاصدا التهوين من قيمة ومصداقية وبسالة "حزب الله" من ناحية والتخويف من قدرات إسرائيل العسكرية فيما يشبه دور تحطيم الروح المعنوية لأنصار المقاومة فى لبنان وغير لبنان، وبهذا منح الموقف المصرى والأردنى – وقبله السعودى – شرعية العدوان الإسرائيلى على لبنان، تماما كما فعلوا بعد فوز "حم
اس" فى الانتخابات الفلسطينية فى يناير من عام 2006 وبداية تشكيلها الحكومة الفلسطينية الجديدة، فقامت نفس هذه الأنظمة بحصارها السياسى وغير السياسى، والحقيقة أن هذا الموقف الثلاثى، لا يمكن فهمه وتحليله إلا فى سياق النظر إلى عملية الاختراق الواسعة النطاق الذى قامت به الولايات المتحدة – لصالح وحساب إسرائيل – للنظام الإقليمي العربى كله منذ ورطت السادات فى عملية الزيارة لإسرائيل عام 1977، وما تبعها من توقيع معاهدات "سلام منفرد" معها، وفقا للرؤية الأمريكية حول المسارات المنفصلة والمفاوضات المباشرة التى حكمت هذه السياسة الأمريكية طوال الخمسين عاما من الصراع العربى / الصهيونى.
2- وبعد تهيئة الأجواء الإقليمية والعالمية (قمة مجموعة الثمانية وغيرها) لرفض عملية آسر الجنديين الإسرائيليين، بدأت عمليات الهجوم الجوى الإسرائيلى على لبنان ، من أجل تحطيم بنيته التحتية فى محاولة لخلق مناخ وبيئة نفسية وسياسية داخل لبنان معادية لحزب الله والمقاومة عموما.
3- وفى نفس الوقت عطلت الولايات المتحدة أية محاولة لعقد اجتماع طارىء لمجلس الأمن طبقا لنص وروح الميثاق الذى يتطلب عقد مثل هذا الاجتماع فى الأوقات والأحداث التى تمثل تهديدا للسلم والأمن الدوليين، وجاء الرفض الأمريكى على لسان الرئيس الأمريكى ووزيرة خارجيته، ووصل الأمر إلى حد إعلان وزيرة الخارجية بأننا بصدد "مخاض ولادة شرق أوسط جديد" ..!!
4- وأثناء عمليات القصف والعدوان الوحشى الإسرائيلى، كان اجتماع مجموعة الثمانية G.8 فى بطرسبورغ الروسية قد أخذ بدوره الموقف الأمريكى المنحاز لإسرائيل تحت زعم "حق إسرائيل فى الدفاع الشرعى على النفس" وجاءت تصريحات الرئيس المضيف "بوتين" معززة لهذا المعنى وهو ما جاء بالحرف فى البيان الختامى الصادر عن الاجتماع فى 14/7 ).
5- وبعد مرور عشرة أيام على العدوان والتدمير الممنهج للبنية التحتية والعقارية والجسور وكل شيء فى لبنان، ومع انكشاف بوادر عجز عسكرى إسرائيلى عن تحقيق الأهداف العسكرية من العدوان خلال المدة المتفق عليها (من أسبوع إلى أسبوعين)، تحركت وزيرة الخارجية الأمريكية "كونداليزا رايس" إلى المنطقة وسط مطالبات وتوسلات عربية من الحكومات والنظم الحاكمة، محاولة فرض وتسويق المطالب الإسرائيلية والأمريكية المشتركة، التى فى مقدمتها نزع سلاح "حزب الله"، ونزول القوات الدولية المتعددة الجنسيات بمهمات الردع فى المنطقة الحدودية اللبنانية وبعمق حتى نهر الليطانى، وفى ظل ما أسمته "حل دائم" للصراع بين البلدين، بكل ما يحمله هذا المصطلح من معنى إقامة علاقات دبلوماسية وطبيعية بين لبنان وإسرائيل.
بيد أن نجاح "حزب الله" ومقاتليه فى صد الزحف البرى الإسرائيلى على الجنوب وتكبيد إسرائيل خسائر بشرية وتكتيكية غير مسبوقة فى تاريخ الصراع على المستوى الميدانى، وقصف الثلث الشمالى كله "لفلسطين المحتلة" قد عطل المشروع الأمريكى كله فى لبنان ، فقد توارت العناصر والقوى السياسية اللبنانية التى تناهض "حزب الله" – ولو إلى حين – كما حدث اصطفاف وطنى جديد ليس فى لبنان وحده ، وإنما فى طول الجغرافيا العربية والإسلامية ، وفشلت المحاولة السعودية المشبوهة فى زرع بذور الفتنة الطائفية – سنة وشيعة وفتوى جبريل – ونجح هذا الاصطفاف الداخلى فى ضم التيار العونى (العماد ميشيل عون) وسليمان فرنجيه وكريم بقرادونى وغيرهم من التيارات الوطنية المسيحية والإسلامية والقومية واليسارية.
6- وبتعثر القوات الإسرائيلية وتكبدها خسائر فادحة كل يوم، وفى كل قرية أو منطقة حدودية لبنانية حاولت الدخول إليها، كان عنصر الزمن قد خرج من الملعب الأمريكى / الإسرائيلى، وأنتقل دوره لصالح الموقف المقاوم، حيث زاد حرج الأنظمة العربية المتواطئة من ناحية، وكذا الحكومتين الإسرائيلية والأمريكية أمام حلفاهما الغربيين – ومن أهمهم فرنسا وروسيا – نظرا لزيادة المجازر الوحشية التى ترتكبها الطائرات الإسرائيلية من ناحية (مراوحين – قانا – صرفيا – القاع – الشياح – عيناتا – غازية ..وغيرهم)، كما دخل الرأى العام العربى والعالمى بزخم جديد، مدفوعا بمناظر القتل البشعة التى ترتكبها إسرائيل يوميا فى لبنان، وهنا بدأت الدبلوماسية الأمريكية محاولة جديدة من أجل إحتواء حجم الغضب العالمى وتأثيراته السياسية، فحدث تحرك بطيء ثان من وزيرة الخارجية – التى رفض استقبالها لأول مرة فى بيروت – وبدأ مسلسل الزيارات المكوكية لمساعدها "ديفيد والش" بين بيروت وتل أبيب، فى محاولة لفرض الشروط من جديد ولكن مع مساحة من المرونة أحدثتها المبادرة الفرنسية بتقديم مشروع قرار إلى المجلس، سواء بالتنسيق مع الولايات المتحدة – وهو ما تفضله فرنسا بالطبع فى ظل مفهوم تقسيم مناطق النفوذ أو المصالح – أو بدونها حتى لو كان مصيره الفشل أو الفيتو الأمريكى، وهو ما كان يحاول الطرفين الأمريكى والفرنسى تجنبه لعدم تكرار الصدام الذى حدث بينهما عشية الغزو الأمريكى للعراق فى مارس من عام 2003.
7- ومع حرج موقف الأنظمة العربية بسبب طول الحرب، وبداية ظهور ملامح هزيمة عسكرية وعملياتية حقيقية لإسرائيل فى الجنوب اللبنانى، بدا أن الموقف الأمريكى قد بات مكشوفا دوليا بصورة غير مقبولة لدى كافة الأطراف، فقبلت التعاون مع الأفكار الفرنسية المطروحة بشأن استصدار قرارا دوليا من مجلس الأمن يقضى بوقف إطلاق النار فورا، وتشكيل قوة دولية متعددة الجنس

الفصل الثالث صراعات الإقليم .. وتدهور مركز مصر فيه

أولا :العدوان الإسرائيلى على لبنان .. والمواقف المشبوهه

حدود النصر أو الهزيمة فى معركة لبنان الراهنة*

منذ أن بدأ العدوان العسكرى الاسرائيلى على لبنان فى الثانى عشر من يوليو الماضى، وهناك تصريحات وأحاديث متكررة حول "النصر" أو "الهزيمة" بين جماهير العالم العربى والإسلامى.
وقد تحدث قائد المقاومة العربية واللبنانية التاريخى "السيد حسن نصر الله" حول أبعاد ونتائج وتداعيات هذه المعركة التاريخية، على مصير ومستقبل المنطقة العربية وشعوبها، انطلاقا من مقولات النصر أو الهزيمة.
كما تبارى عدد من الكتاب والمفكرين العرب، فى الفضائيات الناطقة بالعربية فى تحليل أبعاد ونتائج هذه الجولة المصيرية من الصراع العربى / الصهيونى. ولكن اللافت للنظر أن أيا من هؤلاء الكتاب والمحللين لم يتوقف بالشرح والتحليل عند مفهوم "النصر" أو حدود "الهزيمة" بالتطبيق على الأهداف السياسية لتلك الحرب العدوانية الجديدة .
فمتى يمكن القول أن المقاومة اللبنانية وحزب الله ، قد حقق نصرا كاملا ، أو نصرا جزئيا ؟ ومتى يمكن القول أننا بصدد هزيمة – لا قدر الله – لهذه المقاومة الباسلة؟

الأهداف السياسية للحرب
لأن الحرب هى ممارسة للسياسة بوسائل أخرى – كما أستقر الفكر العسكرى والاستراتيجي – فان تحقيق إنجاز ميدانى، كبر شأنه أو صغر، يتوقف عليه مدى استثماره فى تحقيق هدف سياسى معين، فعلى سبيل المثال، برغم الإنجاز العسكرى المصرى فى الأسبوع الأول من حرب أكتوبر عام 1973، فان الأهداف السياسية للحرب لم تتحقق بصورة تتناسب مع الأداء العسكرى المصرى والسورى، والذى لا ينتقص منه كثيرا الاختراق العسكرى الذى قامت به إسرائيل فى الأسبوع الثانى من الحرب، سواء على الجبهة المصرية (ثغرة الدفراسوار) أو على الجبهة السورية والوصول إلى قرية (سعسع) على بعد ثلاثين ميلا من العاصمة "دمشق"، لقد كانت الأهداف السياسية لحرب أكتوبر تتمثل فى:
1- كسر نظرية الأمن الاسرائيلى القائمة على فكرة الحدود الآمنة.
2- تحريك الموقف السياسى الساكن ، وإنهاء حالة اللا حرب واللا سلم والوصول إلى أعتاب تسوية سياسية عادلة للصراع العربى / الصهيونى.
فإذا بنا بعد نهاية الحرب ندخل إلى سراديب "هنرى كيسنجر"، وينتهى الأمر بعزل مصر عن محيطها العربى، وبداية تفكيك التحالف العربى الذى بدا أثناء الحرب وبلوغ ذروته فى دعم دول النفط العربية لجبهات القتال ، وذلك بخفض نسبة من تصدير النفط ورفع أسعاره وهو ما كان له نتائج وتداعيات كبيرة .
المهم .. أن تحقيق الأهداف السياسية للقتال هو الذى يحدد حالة "النصر" أو حالة "الهزيمة"، وفى الجولة الجديدة للصراع على الساحة اللبنانية الإسرائيلية والفلسطينية، فان الهدف السياسى للعدوان الإسرائيلي يتحدد فى الآتي:
1- تدمير البنية العسكرية "لحزب الله"، وهو ما من شأنه إحداث تداعيات فى التركيبه السياسية الداخلية للبنان، تسمح بدفع الأطراف اللبنانية المتعاونة مع إسرائيل والولايات المتحدة والسعودية فى التجرؤ على "حزب الله" وتقليم أظافره ودوره السياسى فى المعادلة اللبنانية.
2- تأمين الحدود الشمالية الإسرائيلية، سواء بوجود عناصر الجيش اللبنانى على الحدود، أو بوجود قوات دولية بما يعنى توريط المجتمع الدولى كله و"الناتو" خصوصا فى تأمين تلك الحدود الإسرائيلية.
3- إذا لم يكن الحد الأقصى للأهداف الإسرائيلية متاحا، فيمكن القبول بهدف الحد الأدنى وهو تراجع مقاتلى "حزب الله" إلى ما وراء نهر الليطانى، مع نشر قوات دولية ، وهو ما يعنى تحقيق هزيمة سياسية للحزب، تؤدى أيضا إلى تشجيع بقية الأطراف اللبنانية المناوئة للحزب على محاولة استكمال مهمة تقليم أظافر الحزب السياسية والعسكرية، وبمعاونة أطراف إقليمية متواطئة مثل النظام السعودى والمصرى والأردنى.
4- ومن شأن ذلك –فى حده الأقصى أو الأدنى– استكمال حصار سوريا وعزلها إقليميا، وإضعاف الدول الإيرانى فى الإقليم، تمهيدا لعمليات مباشرة تتم مستقبلا ضد هاتين الدولتين.
5- كما أن تحقيق هذه الأهداف الإسرائيلية ضد "حزب الله" سيؤدى لا محالة إلى كسر شوكة المقاومة البطولية الفلسطينية فى غزة والضفة الغربية، وكذا شوكة عرب 1948.
6- ثم أخيرا وبتداعيات النتائج فإن استعادة الجنديين الإسرائيليين الأسيرين تؤدى إلى رد الاعتبار المعنوى لجيش الدفاع الإسرائيلي.
أما الأهداف السياسية للحرب، التى توقعتها قيادات المقاومة اللبنانية وحزب الله بعد عملية أسر الجنديين فهى كالتالى:
أولا: كسر أنف وغطرسة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بإجبارها على إجراء عملية تبادل واسعة للأسرى، ودفعها إلى إتباع نمط للعمليات الحربية تناسب نمط قتال قوات المقاومة اللبنانية.
ثانيا: كسر أحد ركائز نظرية الأمن الإسرائيلى المستندة على فكرة نقل مسرح العمليات إلى أراضى الخصم، وذلك من خلال قيام حزب الله بعمليات قصف صاروخية تطال معظم المدن والمستعمرات الإسرائيلية فى شمال فلسطين المحتلة، وإجبارهم على اللجوء إلى الملاجىء فى حرب استنزاف لا يستطيع العدو الصهيونى احتمالها اقتصاديا أو سياسيا أو حتى نفسيا.
ثالثا: تخفيف الضغوط عن كاهل المقاومة الفلسطينية الباسلة التى استفردت بها إسرائيل منذ 28 سبتمبر من عام 2000، وزاد من وطأتها فى الشهور
القليلة الماضية بعد نجاح "حماس" فى تشكيل الحكومة ورفضها لأسس التسوية التى قادتها حركة "فتح" ووصلت بالقضية الفلسطينية إلى طريق مسدود .
رابعا: ستؤدى المواجهة العسكرية الراهنة بين إسرائيل والمقاومة اللبنانية، إلى إحداث حالة اصطفاف وطنى لبنانى جديد ، خاصة بعد أن وصل "الحوار الوطنى" الداخلى إلى تبلور قوى لبنانية معادية للمقاومة ولسلاح "حزب الله " بسفور مدعومة من قوى دولية وإقليمية متعددة، وبرغم عدم التقدير الدقيق لحجم الهجمة الوحشية الإسرائيلية للبنية التحتيه اللبنانية، واستهدافهم للمدنيين فى بيروت وبقية المدن والقرى اللبنانية ، فإن هدف الاصطفاف الوطنى وعزل الأصوات العميلة لإسرائيل والولايات المتحدة داخل الساحة اللبنانية من أمثال (أمين الجميل وسمير جعجع وسعد الحريرى ..الخ ) قد حدث إلى حد كبير.
أذن .. وبعد مرور أكثر من أسبوعين على العدوان الإسرائيلى، والمقاومة البطولية الباسلة لمقاتلى "حزب الله" كيف يمكن تقييم الموقف الاستراتيجي والتكتيكى على المستويين السياسى والعسكرى؟ وكيف يمكن تصور احتمالات (أو سيناريوهات) المستقبل ؟

انتصارات تكتيكية للمقاومة

ما بين الأهداف الاستراتيجية فى الحرب لكل طرف من الأطراف، وأداءه التكتيكى تقع المسافة بين احتمالات النصر أو الهزيمة، وحتى اليوم (27/7) نستطع أن نقول بأن "حزب الله" ومقاتليه قد نجح فى تحقيق أكثر من انتصار تكتيكى بامتياز:
فهو أولا: قد نجح فى إجبار العدو الإسرائيلى على تغيير أساليب قتاله المعروفة، ونزل إلى مستوى الأداء الكلاسيكى النمطى، فمن المعروف أن التكتيك العسكرى الإسرائيلى يعتمد أساليب قتال المدرسة العسكرية الألمانية القائمة على عمليات التمهيد النيرانى المكثف (الجوى والبرى والبحرى)، ثم إجراء عمليات الاختراق بالعمق باستخدام سلاح المدرعات، وبالتالى أحداث حالة من الارتباك فى صفوف القوات المعادية، وفى الأثناء تجرى عمليات الالتفاف والتطويق، يتم على أثرها تدمير القوات العربية المعادية ومحاصرة مراكز قياداته وتدميرها، وقد تلجأ القوات الإسرائيلية لتحقيق ذلك إلى عمليات الإبرار الجوى أو البحرى الواسعة لعزل القوات المعادية لها، هذا هو تاريخ الأداء التكيكى للعسكرية الإسرائيلية منذ عام 1948 وحتى الأمس القريب، بيد أن سير العمليات الراهن يشير إلى انقلاب إجبارى قد حدث فى ذلك التراث العسكرى الإسرائيلى ، حيث الاعتماد الآن على إستراتيجية القضمات المتتابعة أو ما يسمى "الخرشوفة" التى صاغها أحد خبراء الاستراتيجية العسكرية البريطانيين (ليدل هارت)، وقد أثبت الأسبوعين الماضيين فشلا إسرائيليا ذريعا فى إنجازها، خاصة فى المثلث الحدودى اللبنانى (مارون الراس – عيترون – بنت جبيل) وتكبد خلالها لواء النخبة الإسرائيلى (لواء الجولانى) خسائر فادحة، وفقا لخط سير العمليات هذا ، فإن قدرة إسرائيل العسكرية المجردة – ناهيك عن الأبعاد المتعلقة بتأثير ضرب مدن ومستعمرات شمال فلسطين وحتى حيفا – فى تحقيق إنجاز عسكرى تصبح محل شك كبير.
ثانيا: وإذا كان نجاح حزب الله فى استمرار قصفاته الصاروخية على ثلث شمال فلسطين المحتلة هو بحد ذاته نجاحا تكتيكيا ، برغم كل الطلعات الجوية الإسرائيلية وسيادتها المطلقة على الأجواء اللبنانية، فأن نجاحه التكتيكى الأكبر هو فى قدرته على الحفاظ على تماسك مراكز قيادته ووسائل اتصاله وسيطرته الميدانية على وحداته برغم التقطيع الإجرامى الذى حدث من جراء القصف الجوى الإسرائيلى لكافة الجسور والطرق وشبكات الاتصالات الهاتفية وغير الهاتفية، واستمرار وحداته المقاتلة فى الحرب بصورة غير مسبوقة فى تاريخ الصراع العربى – الصهيونى، ناهيك عن مفاجأته للعدو بتدمير البارجة (ساهر 5)، أو إسقاط عدة طائرات مروحية من طراز أباتشى.
ثالثا: أنعكس النجاح العملياتى لحزب الله على مستوى تعبئة الرأى العام العربى والعالمى، فأستمر التراكم الشعبى فى خلق وعى معادى لإسرائيل ككيان عنصرى وحشى وإجرامى، وهو تراكم أدى فعليا خلال الخمس عشرة عاما الماضية، ومنذ انتفاضة الحجارة عام 1987 إلى نزع الغطاء "الأخلاقى" عن الدولة العبرية لدى قطاعات واسعة من الرأى العام الأوربى والأمريكى وفى العالم الثالث، ناهيك عن تأثيره فى إعادة الاعتبار لوعى وذاكرة الشعوب العربية فى دول استسلمت فيها أنظمتها الحاكمة لإسرائيل منذ سنوات بعيدة (مصر – الأردن – موريتانيا ودول الخليج) باعتبار إسرائيل عدو تاريخى لا يجوز التصالح أو إقامة علاقات من أى نوع معه.
رابعا: أنعكس أيضا النجاح العملياتى لحزب الله فى تعديل الخطاب العربى الرسمى المهادن ، خاصة لدى الأنظمة الحاكمة فى السعودية ومصر وغيرهما، حيث بدأت السياسة السعودية تتحدث عن أفكار جديدة تؤجل بمقتضاها الحديث حول نزع سلاح حزب الله واعتماد مطلبى الحزب والمقاومة اللبنانية فى (وقف إطلاق نار فورى وتبادل الأسرى) فى صلب خطابهم السياسى، مع تضمين هذا الخطاب المراوغ بعض المطالب الأمريكية والإسرائيلية تحت شعار "بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها" أو القبول بفكرة وجود قوات دولية على الحدود مع تحفظ بعضها – مثل مصر – على وجود قوات من "الناتو" ..!!
والآن .. فى ضوء تلك المعطيات الجديدة ما هى احتمالات وسيناريوهات المستقبل؟

السيناريوهات الخطرة:

برغم هذه النجاحات التكتيكية البا
لغة الأهمية التى حققها مقاتلو حزب الله فى الأسبوعين الماضيين، فإن حالة الحصار الإقليمى والتآمر الدولى من الضخامة بحيث ينبغى الاحتراس من أن تنجح السياسة والدبلوماسية فى تحقيق ما لم تحققه القوة العسكرية الغاشمة لإسرائيل، تماما كما حدث فى أعقاب حرب أكتوبر عام 1973 مع الرئيس السابق "أنور السادات"، وبالتالى فنحن إزاء ثلاثة إحتمالات (سيناريوهات) يتوقف حدوث أيا منها على مجريات الصراع العسكرى والميدانى على الأرض من جهة، وعلى تحركات بعض الأطراف الدولية (الولايات المتحدة وفرنسا تحديدا) واستخدامهما لبعض الأنظمة العربية التى احترفت السمسرة السياسية منذ فترة طويلة مثلما الحال فى مصر والمملكة السعودية.

السيناريو الأول:
إذا ما استمر النهج العسكرى الإسرائيلى الراهن – القائم على تكتيك القضمات المتتابعة أو الخرشوفة – فان الصراع العسكرى مرشح للاستمرار لفترة طويلة نسبيا، وهو ما يحمل احتمالات متناقضة وأفق سياسى غير مضمون:
فمن ناحية يسمح ذلك لإسرائيل وعبر القصف والتدمير الهمجى لكل المدن والقرى اللبنانية بزيادة أصوات النظم العربية والإقليمية التى تطالب بضرورة "إيجاد حل" على شاكلة الحل السعودى الذى يتقنع بدموع التماسيح وادعاء الحرص على لبنان وشعبه، ومضمون هذا الحل الإقليمى – المدعوم أمريكيا وإسرائيليا – هو وقف إطلاق النار مع الموافقة على وجود قوات دولية على الحدود، وتراجع قوات حزب الله، ودون أن يتجرءوا على المطالبة بنزع سلاح الحزب.
ولكن هذا السيناريو أيضا له تأثيرات سلبية داخلية على إسرائيل والائتلاف الحاكم فيها، ذلك أن استمرار "حرب استنزاف" من هذا النوع سيؤثر أيضا على سكان شمال فلسطين المحتلة، كما أنه سيطرح درجة من الشكوك فى قدرات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على إنجاز المهمة التى حددتها لنفسها أمام المواطنين، أو أمام الولايات المتحدة، إلا وهى تدمير البنية العسكرية لحزب الله، تمهيدا للاستثمار السياسى داخل لبنان يسمح بتقليم أظافره فى التركيبه السياسية اللبنانية.
ومن ناحية أخرى، فإن معدل الخسائر المرتفعة بين صفوف القوات الإسرائيلية غير مسبوق، بحيث سيؤثر سلبا وبصورة خطيرة على تآكل الروح المعنوية لهذا الجيش الذى هو عماد الدولة العبرية وركيزة وجودها، وهو أيضا فوق طاقة احتمالها. وبالتالى فإن استمرار العمل العسكرى بهذا النهج، الذى فرضته تكتيكات المقاومة اللبنانية، لا يحمل احتمالا حقيقيا بأى مكسب سياسى جوهرى، خاصة إذا صمد الداخل اللبنانى ورفض حزب الله أى اقتراح أو خطة "عربية" مدعومة أمريكيا وإسرائيليا من أجل إنزال قوات دولية على الحدود اللبنانية، حتى لو قبلت بهذا حكومة مشكوك فى شرفها كحكومة فؤاد السنيورة وحلفائه.
هذا الاحتمال (أو السيناريو) برغم خسائره البشرية والمادية على الشعب اللبنانى، إلا أنـه يمثل خسارة استراتيجية لإسرائيل، وانتصارا لنهج المقاومة ووجودها ومستقبلها.
السيناريو الثانى:
وبناء على نتائج الأسبوعين الماضيين ونمط العمليات الجارى، فإنه من المتصور أن تغير إسرائيل نهجها العملياتى وتعود إلى أسس عقيدتها العسكرية التكتيكية بكل ما يتضمنه من مخاطر بعيدة المدى، أى القيام بعمليات اجتياح واسعة فى الجنوب اللبنانى وبعمق 20 إلى 40 كيلو متر، مصحوبة بعمليات إنزال بحرى على تخوم مدينة "صور" أو "جنوب صيدا" من أجل المراهنة على مقايضة سياسية بالانسحاب من هذه الأراضى اللبنانية المحتلة مقابل وجود قوات دولية رادعة أو قوات من "الناتو" على الحدود بين البلدين، ومن الجانب اللبنانى طبعا، مع المطالبة – اللفظية – بنزع سلاح حزب الله كمحاولة إسرائيلية لإخفاء الفشل العسكرى فى تحقيق هذا الهدف.
ونظرا إلى أن هذا التغيير فى التكتيك العسكرى الإسرائيلى، لا يضمن تدمير خلايا حزب الله فى الجنوب اللبنانى والبقاع، فإن محاولة تجنب الخسائر الإسرائيلية التى ستحدث بسبب حرب العصابات البارعة التى سيقوم بها مقاتلى حزب الله ضد هذه القوات الإسرائيلية ، يمكن أن تدفع إسرائيل إلى قبول الخروج من الجنوب سريعا مقابل تقديم بعض التنازلات لحكومة لبنان قد تشمل:
-عملية تبادل محدودة للأسرى.
-خروج من مزارع شبعا المحتلة، أو بعض قطاعاته.
وذلك كمحاولة لتعزيز فرص الوجود السياسى لأطراف لبنانية داخلية على استعداد لقبول هكذا صفقة من أجل تقليم أظافر حزب الله سياسيا، مع إمكانية نشر وحدات من الجيش اللبنانى على الحدود بالتعاون أو بالتجاور مع القوات الدولية.

السيناريو الثالث :
توسيع نطاق الحرب .. والهروب إلى الأمام
وفى ظل عدم نجاح السيناريوهان السابقان فى تحقيق نتائج سياسية تقترب بإسرائيل وأمريكا من الأهداف الاستراتيجية لتلك الحرب، فإن إندفاع إسرائيل –كعادتها– بالهروب إلى الأمام عبر توسيع نطاق عملياتها الجوية لتطال بعض المواقع السورية على الحدود اللبنانية السورية، أو حتى داخل العاصمة "دمشق" بهدف دفع العالم كله إلى حافة الهاوية، ومن أجل الإسراع فى تدخل دولى ينقذ إسرائيل من ورطتها فى الجنوب اللبنانى ومن قبضة مقاتلى حزب الله، وكذلك دفع أطراف عربية مثل السعودية ومصر والأردن إلى أداء دورهم كسماسرة إقليميين لصالح الولايات المتحدة، وذلك بتوفير غطاء "عربى" لإبعاد حزب الله عن الحدود الشمالية لإسرائيل، وتشكيل قوة دولية قد تساهم فيها بعض تلك الأطراف العربية، وبهذا يتحقق لإسرائي
ل بعض أهدافها من العدوان على لبنان.
وفى كل الأحوال فإن قبول الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض العملاء الإقليمين واللبنانيين بانتصار حزب الله هو من أكثر الأمور استحالة فى الصراع الجارى، وهذا الانتصار لحزب الله، يعنى استمرار تواجده على الحدود مع إسرائيل، وإجراء عملية تبادل واسعة للأسرى، وكذا الانسحاب من مزارع شبعا.
والأقرب إلى التصور هو محاولة القيام بعملية مساومة compromise بين الطرفين فى اللحظة الأخيرة، يحقق لإسرائيل بعض مطالبها – خاصة إبعاد حزب الله عن حدودها – دون التطرق فى هذه المرحلة إلى مسألة نزع سلاح حزب الله، مع وجود قوات سواء لبنانية أو دولية على الحدود، وإعطاء حزب الله ورقة لقبول تسوية من هذا النوع تتمثل فى عملية تبادل واسعة نسبيا للأسرى، وهذا هو مضمون الأفكار السعودية التى طرحها وزير الخارجية السعودى بعد "حجة" البيت الأبيض وتوقيع الرئيس "بوش" على مضمونها.
أن سلاح حزب الله قد أوقف مؤامرة دولية وإقليمية كبرى، لكنه بالقطع لا يستطيع وحده أن يغير الخرائط الإقليمية، فالشعوب العربية فى مصر والأردن والسعودية مطالبة الآن أكثر من أى وقت بتغيير هذه الأنظمة المشبوهة.. فهل تقدر؟

مستقبل الديموقراطية والإصلاح السياسى والدستورى فى مصر*

لم تعد مسألة الإصلاح السياسى والدستورى فى مصر، مجرد خلافات أو صراعات بين جماعات النخب السياسية والفكرية فى البلاد، بقدر ما أصبحت نقطة تلاقى بين كافة القوى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من جهة، وبالمثل نقطة تقاطع بين مصالح القوى الدولية والإقليمية من جهة أخرى.
ذلك أن عملية الإصلاح السياسى والدستورى لم تعد مجرد مطالب تلح عليها وتصر قوى المعارضة السياسية فى مصر فحسب، بل أنها قد تعدت ذلك لتكون أحد أوراق "اللعب" على الساحة الدولية وفى يد قوى كالولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوربى ، خاصة بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر عام 2001.
وبرغم اختلاف وتيرة المطالبة وجدية وإصرار الفرقاء جميعا الراغبون فى الإصلاح والرافعين لشعاراته، فإن أحد منهم – بما فيهم قيادات حزب النظام والحكم فى مصر وهو الحزب "الوطنى الديموقراطى" – لا يستطيع أن يتجنب الحديث عنه، وعن ضروراته لمستقبل مصر والعالم العربى برمته.
صحيح أن كثيرون ممن يرفعون شعارات "الإصلاح" هو من أكثر المناوئين له، والمدركين لخطورة إجراءاته على مصالحهم ومستقبلهم ، ولكنهم على أية حال لا يجرأ ون بالجهر صراحة برفض الإصلاح فى البلاد، أو تحدى رغبة القوى الدولية الدافعة إليه والراغبة فيه ، حتى لو كان بمقاييس مصالحها المباشرة بصرف النظر عن طموحات شعوب المنطقة وآمالها.
ضرورات التمييز بين الإصلاح السياسى والإصلاح الدستورى
عادة ما يستخدم الناس تعبير الإصلاح السياسى والدستورى، كحزمة واحدة تعكس حالة من الشعور بدرجة التلازم بين المفهومين، بيد أن الخبراء من علماء السياسة والفقه الدستورى، عادة ما يميزون بين المفهومين، وإن كانوا لا ينكرون درجة الارتباط بينهما:
فالإصلاح الدستورى: يرمى إلى إحداث تغييرات ملموسة فى بعض – أو كل – الإطار الدستورى المنظم لعلاقات سلطات الدولة الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) بحيث تؤدى إلى إحداث توازن أفضل بين هذه السلطات، بما يضمن فاعلية أكبر لدورها ، ووقف تغول وتوغل السلطة التنفيذية على بقية سلطات الدولة، ويشمل الاصلاح الدستورى – بالضرورة – الوثيقة الدستورية الأساسية أو ما يطلق عليه "الدستور" وبعض القوانين المكملة للدستور، مثل قوانين مباشرة الحقوق السياسية، والانتخابات، والسلطة القضائية، ومجلس الشعب وغيرها.
ويؤدى إجراء إصلاح من هذا النوع، إلى إتاحة مجال أوسع من الحريات العامة والمشاركة السياسية من جانب القطاع الأكبر من المواطنين، خاصة إذا كانت نسب المشاركة فى الانتخابات العامة فى البلاد – وفقا للبيانات الرسمية – لا تتجاوز فى أحسن الأحوال 23%، بينما تؤكد المصادر المحايدة من جانب المراقبين والشواهد بأنها لا تزيد عن 7% إلى 10 % ممن لهم حق التصويت والانتخاب.
وتتركز عناصر الإصلاح الدستورى الأساسية للمطالبين به فى الآتى:
1- فتح مجال الترشح لشغل المناصب العامة بدءا من رئيس الجمهورية، مرورا بالمحافظين، وانتهاء برؤساء الأحياء والقرى والبلديات، للكافة إعمالا لمبدأ المساواة (م 40 من الدستور)، ووفقا لتكافؤ الفرص، وهنا تثار قضية المادتين الحاكمتين فى الدستور المصرى الراهن (دستور 1971) إلا وهما المادة (76 ) والمادة (77 ).
2- استقلال حقيقى للسلطتين التشريعية والقضائية، حتى يتحقق توازن حقيقى بين السلطات، بما يؤدى إلى وقف تغول وتوغل السلطة التنفيذية على بقية سلطات الدولة، وبما يؤدى فعليا وسياسيا إلى خلق حالة "الاستبداد السياسى" وصنع الفرعون أو الديكتاتور.
3- إصلاح القوانين المنظمة لممارسة الحقوق السياسية وفى مقدمتها النظام الانتخابى، بما يضمن شفافية ونزاهة حقيقية من خلال نظام مراقب عليه قضائيا – فى ظل استقلال حقيقى للقضاء – بدءا من نظم قيد الناخبين، مرورا بنظم التصويت وفرز الأصوات، انتهاء بإعلان النتائج، وكلها بعيدا عن سطوة وزارة الداخلية والشرطة.

أما الإصلاح السياسى:
فهى عملية أوسع نطاقا وأشمل مجالا، بحيث تصبح الإصلاحات الدستورية بمثابة روافع أو أحد آليات وأدوات عملية الإصلاح السياسى، والذى يشمل:
1- إطلاق حق تكوين الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية بمجرد توافر شروطها وإخطار الجهة الإدارية.
2- حق إصدار الصحف والمطبوعات.
3- حق تكوين النقابات أو الانسحاب منها دون تدخل الجهات الأمنية.
4- حق الإضراب والاعتصام والتظاهر السلمى.
5- غيرها من الحقوق الجماعية الخاصة بالحريات العامة والفردية.

تأثير عنصر الزمن فى عملية الإصلاح السياسى والدستورى
يكلف إبقاء أوضاع الاستبداد السياسى الراهن، وعدم الإسراع فى أجراء عملية الإصلاح المطلوبة المجتمع والدولة فى مصر نفقات باهظة، وتهدر فرص حقيقية للنمو الاقتصادى والاجتماعى.
فعلى سبيل المثال، يؤدى فرض حالة الطوارىء طوال الربع قرن الماضى (1981-2006 ) إلى نفقات مالية باهظة، حيث زادت مخصصات وتكاليف جهاز الأمن والدفاع من أقل من 8 مليارات جنيه عام 1981 إلى أكثر من 35 مليار جنيه فى العام المالى 2005/2006 – وذلك بخلاف المعونة العسكرية السنوية الأمريكية التى تتجاوز فى المتوسط 1.2 مليار دولار إلى 900 مليون دولار تعتبر من الديون الخارجية لمصر – ويرجع السبب فى هذه الزيادة فى تضاعف بند الأجور والمرتبات للعاملين فى أجهزة وزارتى الداخلية والدفاع بسبب ما يسمى (علاوة الطوارىء)، من ناحية، وزيادة أعداد العاملين فى وزارة الداخلي

جدل الداخل والخارج فى النضال الديموقراطى فى مصر*

تثير مسألة علاقة الخارج بالداخل فى النضال الديموقراطى عموما، مشكلات عديدة، سواء على الصعيد النظرى والسياسى، أو على الصعيد الأخلاقى. وتزداد صعوبة وتعقيدات الموضوع، حينما يكون هذا الخارج مجروحا فى شرفه السياسى، ومشكوكا فى أغراضه وأهدافه ونواياه. كما يؤدى غياب وانقطاع التراث النضالى والخبرة العملية والسياسية للكثيرين من الشباب حديثى العمل بقضايا التغيير السلمى فى المجتمعات، إلى صعوبات يطغى فيها البعد الأخلاقى المجرد على المعطيات السياسية ومتطلباتها.
وتواجه المناضلين المصريين – من كافة التيارات والفصائل المعارضة – هذه المعضلة فى نضالهم القاسى وغير المتوازن فى القوى بينهم وبين النظام، من أجل التغيير السلمى لهذا النظام الذى أوصل البلاد إلى حافة الانهيار على كافة الأصعدة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل وحتى الأخلاقية.
وقد انقسم الشارع السياسى المصرى والرأى العام المتابع – أو المتفرج بالمعنى الأدق – بتياراته المختلفة بين ثلاثة تيارات هى:
الأول: وهو الأكثر أتساعا، حيث يرفض تماما فكرة التحالف مع الخارج أو التعاون معه من أجل ممارسة الضغوط على النظام السياسى الراهن من أجل إجراء إصلاحات حقيقية وذات معنى، أو حتى تغيير بعض قواعد اللعبة السياسية الاستبدادية القائمة منذ يوليو عام 1952، ويستند هذا التيار فى موقفه هذا، إلى بعدين، أحداهما يرتبط "بميراث عرفى" للحركة الوطنية المصرية القديمة التى نظرت دائما إلى الأجنبى باعتباره مستعمرا وله أجندته الخاصة، ويجد هذا الميراث العرفى خبرته فى ذلك الشرخ الذى حدث فى الحركة الوطنية المصرية بعد حادث 4 فبراير عام 1942، حينما قبل "النحاس باشا" وحزب الوفد تشكيل الوزارة بطلب من السفير البريطانى وتحت حراب القوات البريطانية التى أهانت الملك – رمز السيادة فى الدولة فى ذلك الحين – وحاصرت قصره وهددت بإزاحته عن العرش. أما البعد الثانى فهو يستمد تأثيره من تجربة العراق "الجديد" الذى دمرته القوات الأمريكية والبريطانية بدعوى تغيير النظام الاستبدادى وجاءت فى صحبتها بمجموعات من السياسيين العراقيين الموجودين فى المنافى والمرتبط معظمهم بأجهزة الاستخبارات الأجنبية من كل نوع وصنف ، فأغرقوا العراق فى حمامات دم استمرت طوال ثلاث سنوات من "التحرير" ومازالت والمؤكد أنها ستستمر لسنوات طويلة قادمة.
الثانى: تيار أقل اتساعا، يرى أنه وإن كان لا يجوز التحالف مع الشيطان (الخارج) ضد إبليس (النظام المصرى والأنظمة العربية عموما)، فإنه ينبغى الاستفادة من التناقضات القائمة بين الطرفين، سواء كان بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربى من جهة، والنظام العسكرى الحاكم فى مصر من جهة أخرى، أو بين منظمات المجتمع المدنى فى العالم والنظام الحاكم فى مصر من أجل التخلص من هذا النظام وتقديم رموزه وقياداته إلى المحاكمات المحلية أو الدولية.
الثالث: تيار من الأقلية، يرى أنه لا غضاضة فى التعاون مع كافة دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربى من أجل التخلص من هذا النظام العسكرى الاستبدادى الذى ينزلق بسرعة كبيرة فى السنوات القليلة الماضية إلى نظام "بلطجة" بالمعنى الحرفى للكلمة بعيدا عن مفاهيم السياسة وعلومها، وينطلق هؤلاء من حقيقة أن هذا النظام قد أستسلم منذ سنوات بعيدة للولايات المتحدة وإسرائيل، بحيث يستحيل عليه المزايدة على غيره عند التعاون بين قوى المعارضة والولايات المتحدة أو غيرها من الدول الأوربية للتخلص منه، ومن ثم فان التعاون مع الخارج لا يندرج فى خانة "الخيانة العظمى" لأن هذا النظام تحديدا مجروح فى وطنيته ومشكوك فى ذمته المالية والأخلاقية، وبالتالى فإنه لم يعد يعبر بأى حال عن المطالب والأمانى الوطنية. وتحت هذا قبل هؤلاء مقابلة "كوندليزا رايس" أثناء زياراتها المتكررة إلى المنطقة ومصر ومن قبلها وزير الخارجية الأمريكى السابق "كولن باول".
والآن .. ما هو الموقف الصحيح وسط هذا التيه السياسى؟
إذا استعنا بالسوابق التاريخية، وفى مواقف مشابهه، تحمل من الالتباس والغموض ما يستدعى إعادة فك وتركيب الصورة، فان من أشهر وأبرز تلك السوابق التاريخية حالة "فلاديمير إليتش لينين" قائد الثورة البلشفية فى روسيا عام 1917، حينما أعتلى الرجل قطارا عسكريا ألمانيا، وهى فى حالة حرب ضد بلاده روسيا، من أجل الوصول إلى العاصمة "بطروسبرغ" مركز التمرد والثورة البلشفية، والغريب فى الأمر أنه – بمقاييس ومعايير الوطنية المجردة – فان الرجل قد ارتكب فعل "الخيانة العظمى" بكل حذافيره .. !!
والأدهى والأمر أن "لينين" كان يعتلى هذا القطار الألمانى من أجل الذهاب إلى روسيا لقيادة ثورة اجتماعية فى بلد فى حالة حرب ن ويكاد يعلن هزيمته فى تلك الحرب، وهكذا يبدو بالمعايير البسيطة والمجردة فان "لينين" ذلك القائد والمفكر التاريخى للثورات الاشتراكية فى العالم كان مجرد " خائن " ..!!
والسؤال .. هل يجوز هذا الحكم على هذا القائد البارز؟
الإجابة بالقطع كلا.
إذن ما هى المعايير الصحيحة فى الحكم على مثل هذا الموقف ؟
وما هى الأسس الفكرية لتعاملنا مع جدل الخارج والداخل فى كفاحنا الديموقراطى الراهن ؟
الحقيقة أن المعايير السياسية والفكرية التى ننطلق منها فى وضع جدل الخارج والداخل تنبع من القيم التالية:
1-

خطيئة المادة (15) …وكيف سيطر العسكريون على جهاز الخدمة المدنية .!!*

يعرف فقهاء القانون، القواعد القانونية الدستورية أو غير الدستورية بأنها "تلك التى تنظم العلاقات الاجتماعية والسياسية فى المجتمع فى فترة تاريخية معينة ووفقا لموازين القوى أو المصالح السائدة فى تلك الفترة، وهى فى الحالة الدستورية أساس تنظيم العلاقات بين سلطات الدولة وصرحيات مؤسساتها، بما يحفظ التوازن بينها ويصون المجتمع وأفراده من تغول واستبداد أحدى هذه السلطات على بقية مؤسسات الدولة".
ومن هنا فإن القواعد القانونية التى يأتى بها الدستور ومشرعوه، ليست خارجه عن سياق الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بل وحتى الثقافية السائدة فى هذا المجتمع أو ذاك ، فى تلك اللحظة التاريخية أو تلك.
لذا فأن تغيير أو تعديل هذه النصوص الدستورية هى من ألزم ضروريات الحياة السياسية التى ينبغى أن تحدث كل فترة صونا للتوازن واعتبارا للمصالح المختلفة بين القوى الاجتماعية المكونة لهذا المجتمع فى كل مرحلة تاريخية.
وقد حرص المشرع الدستورى المصرى عام 1971، على أن يعبر ويعكس حقائق وظروف المجتمع المصرى حينذاك، والتى من أبرزها دور أبناء القوات المسلحة وضباطها فى تحرير الأراضى المصرية التى احتلتها إسرائيل بعد العوان الحادث فى الخامس من يونيه من عام 1967، لذا جاءت بعض مواد الدستور الصادر فى سبتمبر من عام 1971، والسارى حتى يومنا، مانحا بعض الإمتيازات لأفراد وضباط هذه المؤسسة، ارتباطا بالظروف واحتراما للدور الذى سيقوم به هؤلاء فى تحرير الأراضى المصرية المحتلة فى معركة التحرير المتوقعة، برغم ما قد يشوب بعض هذه المزايا من تعارض وتناقض مع جوهر الدساتير المدنية الحديثة والمتعلقة بمبدأ "المساواة بين المواطنين" والذى ورد حصرا فى المادة (40) من ذات الدستور المصرى.
ومن أبرز تلك المزايا والإمتيازات التى خلعها دستور عام 1971 على أفراد القوات المسلحة هو ما جاء فى نص المادة (15) حيث نصت على (للمحاربين القدماء والمصابين فى الحرب أو بسببها ، ولزوجات الشهداء وأبنائهم الأولوية فى فرص العمل وفقا للقانون).
وكان من المفهوم فى الضمير المصرى العام أن هذا الامتياز الذى جاء مناقضا تماما لنص المادة (40) التى نصت على (المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم فى ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة)، ولم يرد المشرع الدستورى من باب أولى أن يأتى بسبب أقل شأنا فى مجال التمييز بين المواطنين وه "سبب الوظيفة أو الدور الاجتماعى".
ومن ثم فإن هذا التناقض المكشوف مع أصل من أصول التشريع الدستورى الحديث، لم يتوقف عنده الضمير المصرى العام بالرفض فى ذلك الحين، اعترافا وإقرارا بالتضحية الجسيمة التى قد يقدمها أفراد القوات المسلحة على مختلف رتبهم العسكرية ومواقعهم القتالية حتى لو كان بعضهم مكانهم فى الغرف المكيفة والمحصنة.
وبالتعبير القانونى فإن هذا الاستثناء الدستورى – من أصل مبدأ المساواة – كان مرتبطا بتوافر شرطين أساسيين هما:
الأول: هو وجود حالة "حرب" وأراضى محتلة تستدعى تقديم تضحيات من كافة أبناء المجتمع عموما، ومن أفراد القوات المسلحة على وجه الخصوص.
الثانى: ضرورة صدور قانون ينظم هذه الحالة فى حدود الضرورة، ولا يتسع فى أوضاعها بما يخرج بها عن مضمونها.
بيد أنه ومنذ أعلن الرئيس السابق "أنور السادات" فى مطلع عام 1974 بأن حرب أكتوبر هى آخر الحروب، وإنقضاء أكثر من ثلاثين عاما على هذه الحرب، دون مشاركة القوات المصرية فى واجبات وطنية لتحرير الأرض المصرية، بل كانت مشاركتها بطلبات من الولايات المتحدة أو بعض العائلات الحاكمة العربية فى السعودية والخليج ، بما يستحيل معه تصور مشاركة أيا من شاغلى الرتب الوسطى أو العليا فى القوات المسلحة المصرية حاليا – رتب اللواء والعميد ومن دونه – فى حرب أكتوبر، فإن الشرط الأول من شروط النص الدستورى الوارد فى المادة (15) لم يعد قائما.
-ومن ناحية أخرى، فإن عدم صدور قانون خاص ينظم ترتيب هذا الحق أو الامتياز الدستورى لما يسمى "المحاربين القدماء" قد أدى عمليا إلى سؤ استغلال المؤسسة العسكرية وقياداتها لنص المادة (19 ) من قانون العاملين المدنيين بالدولة رقم (47) لسنة 1978، والتى حصرتها فى المصابين والشهداء ، ومن ثم انتزاع قرار من الثكنات العسكرية تحت يافطة " الضبط والربط " من ناحية ، كما جرى إهدار الكفاءات القيادية الحقيقية المدنية من ناحية أخرى، فانتشرت قيم اللامبالاة، والإحباط وعدم الرغبة فى الإجادة بين أعداد كبيرة من القيادات المدنية الوسطى ، وغلب الشكل دون الجوهر على الأداء الحكومى، وأصبح هناك ثلاث صور من عمليات الغزو العسكرية
الثالثة: الاستدعاء للخدمة بعد التسريح ثم يتم نقلهم إلى وظائف مدنية.
وعلاوة على ذلك فإن "صندوق معاشات القوات المسلحة" و "صندوق معاشات ضباط الشرطة" اللذين يمولا من الموازنة العامة للدولة ومن دافعى الضرائب المدنيين وغير المدنيين ، يمنح الضابط المتقاعد – من رتبة عقيد فيما أعلى – مبالغ مالية خيالية تبدأ من مائة ألف جنيها وتتدرج صعودا لتصل أحيانا إلى ربع مليون جنيه لقادة الأفرع الرئيسية ومن فى حكمهم.
وهكذا يتحصل هؤلاء على مبالغ ضخمة، ثم يزيد على هذا حصولهم على وظائف قيادية – مديرى عموم ووكلاء ووكلاء أول وزارات ومحافظون ووزراء – فى جهاز الخدمة المدنية والمصالح الحكومية، وأعطيك

المفهوم الدستورى لجريمة "الخيانة العظمى"

اعتاد العقل المصرى – وربما العربى – فى تعامله مع القضايا العامة، على الخلط بين الانطباعات الشخصية – من مشاعر حب أو كرهه – والتقييم الموضوعى المبنى على حسابات الظروف والدوافع والبيئة المحيطة بكل موقف أو قرار. وبسبب من هذه الطبيعة الغالبة فى حياتنا، تاهت فى الكثير من الأحيان، معان حقيقية فى تقييم الأداء أو تقدير نتائج السياسات العامة.
وقد آن الأوان، أن نتأمل هذه الحالة العقلية، ونقاومها داخلنا، من أجل تصحيح مسار أدائنا الاجتماعى والسياسى، وقبل كل هذا وبعده مفاهيمنا الثقافية.

مفهوم "الخيانة" بين الأخلاق والقانون
إذا كانت جريمة "الخيانة"، من الجرائم والسلوكيات المرذولة على المستوى الإنسانى والشخصى فى حياتنا عموما، سواء فى صور الخيانات الزوجية، أو خيانة الإمانة، أو حتى خيانة قيم ومعايير الصداقة، فإن العقل القانونى الحديث، قد نقلها من إطارها الشخصى المجرد إى الإطار العام، وذلك بالنص على تجريم بعض تلك الأشكال والممارسات، طالما توافرت شروطها الموضوعية والمتعارف عليها فى علم التجريم والعقاب، وبأركانها المادية والمعنوية.
وقد أفاض رجال الفقة والتشريع والقضاء فى تأصيل بعض هذه الأركان والشروط الواجب توافرها حتى يتحقق لها توصيف الجريمة ويقع بشأنها حكم الجزاء والعقاب.
وقد أنتقل مفهوم "الخيانة" من حقل الخاص إلى حقل العام ومجال السياسة، عبر تاريخ طويل من الجدل والنقاش حول المعنى والشروط الواجب توافرها فى جريمة "الخيانة" فى حقل السياسة، خاصة وأن سلوك المسئولين أو القادة السياسيين ينطوى فى الكثير من الأحيان على استخدام مكثف ومتنوع لأدوات العنف أو القوة سواء فى المجال الداخلى أو حتى فى العلاقات مع الدول الأخرى.
وفى الوقت نفسه فإن هذا الاستخدام للسلطة power يتطلب درجة من الحماية والحصانة حتى يؤدى الفعل دوره فى إدارة شئون المجتمع والدولة ، وهو ما ابتدعته مدرسة القانون اللاتينى ومجلس الدولة الفرنسى فى عهد "نابليون بونابرت" تحت مسمى "نظرية أعمال السيادة" التى تحصن قرارات رئيس الدولة من مجال المساءلة ومن مجال النزاع القضائى فى الكثير من الأحيان.
وقد غالى مجلس الدولة الفرنسى counsel d,etate فى بداية عهده فى إضفاء هذه الحصانة على قرارات "نابليون" خوفا من بطشه، مما أدى لشيوع مفهوم غير صحيح – وفقا لاتجاهات الفقة الدستورى الحديث خاصة فى فرعه الأنجلو – سكسونى – بشأن استحالة محاكمة الرئيس الأعلى للدولة عن كثير من الأخطاء والجرائم التى قد تقع فى عهده ، ويكون مسئولا عنها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ولعلنا نتذكر ما جرى للرئيس "ريتشارد نيكسون" عام 1974 واستقالته تجنبا لتقديمه للمحاكمة فى جريمة "ووترجيت" الشهيرة، التى يعد الجرم الذى أرتكب فيها لا يشكل واحد على مليون مما يرتكبه رؤساء الجمهوريات والملوك فى بلداننا العربية ومنها مصر طبعا. وكذا ما جرى مع الرئيس "بيل كلينتون" عام 1996 وكاد يعصف بفترة رئاسته بسبب علاقاته الغرامية، وما قيل حول كذبه فى شهادته المسجلة أمام لجنة من أعضاء الكونجرس الأمريكى.
ومن هنا جاء توصيف جريمة "الخيانة العظمى" باعتبارها مجال ونطاق الاتهام الوحيد الذى يمكن أن يوجه إلى رئيس الدولة، والتى ارتبطت فى أذهان عامة الناس بأنها تندرج فى إطار التجسس أو التعاون مع الأعداء، أو نقل معلومات إلى العدو أو الإضرار بمصالح الدولة العليا.
والحقيقة أن الإلتباس الحادث فعلا حول تلك المفاهيم والممارسات السياسية والسلوكية تؤدى إلى التخبط وعدم الوضوح فى توجيه الإتهام مثل:
-تعريف المصالح القومية العليا وما هى الجهات المناط إليها تحديد هذه المصالح.
-التفرقة بين التعاون مع العدو أو توقيع أتفاق سياسى أو معاهدة تنهى حالة الخصومة أو أصل النزاع.
-التجسس مع دولة معادية أو خلق قنوات سرية بمعرفة الجهات المختصة وتحت إشرافها .. الخ.
وهذه كلها معانى ومفاهيم غامضة وملتبسة، بحيث لا تصمد بعض دعائمها أمام مقصلة الاتهام. وإلا فكيف نقيم إقدام الرئيس السابق "أنور السادات" على زيارة إسرائيل فى نوفمبر من عام 1977، وقبلها بشهور طويلة يجرى محادثات سرية مع قادتها فى المغرب، ونحن ما زلنا فى حالة حرب معها، وتقوم قواتها باحتلال الأراضى المصرية والعربية، أليس ذلك بالمعنى الدستورى المجرد يندرج فى توصيف "الخيانة العظمى"، ولكنه بالمعنى السياسى قد خلع عليه توصيفات "بطولية" من أعضاء مجلس الشعب المنتمين للحزب الحاكم ومن بعض قطاعات السكان فى ذلك الحين.
وكذلك كيف نصف قيام السادات بالاتصال السرى بوزير الخارجية الأمريكى "هنرى كيسنجر" وإرساله رسالته الشهيره إليه يوم الأحد 7 أكتوبر عام 1973، وفى أثناء إدارة العمليات الحربية، والتى يخطره فيها – وكذلك يخطر إسرائيل عبر كيسنجر – بأنه لا ينوى (توسيع نطاق الحرب ..!!) وهو ما كان يجرى التأكد منه من جانب إسرائيل والولايات المتحدة لحظة بلحظة من خلال الطلعات الجوية والأقمار الصناعية الاستطلاعية، ألا يندرج ذلك فى توصيف جريمة نقل معلومات والتخابر مع العدو، وكشف نوايا القيادة السياسية والعسكرية المصرية تجاه خط سير العمليات واتجاهاتها.
وبرغم ذلك لم يقدم السادات للمحاكمة بتهمة "الخيانة العظمى"، بل وجد بعض العملاء والساقطين فكريا من أمثال مديرى بعض مراكز الأبحاث المشبوهة فى بعض الصحف المصرية الصحفيين الذين خلعو
ا على الرجل صفات الدهاء والعبقرية والذكاء بمثل هذه التصرفات .. !!
أذن فى هذه المنطقة الرمادية بين السياسة والقانون ، غالبا ما تتوه الحقيقة ، وتغيب المسئولية الجنائية والدستورية تحت زعم "أعمال السيادة" أو متطلبات السياسة والمصلحة العليا.

الدعائم الدستورية لجريمة "الخيانة العظمى"
كيف نقيم أذن دعائم ارتكاب جريمة "الخيانة العظمى" على أساس من الدستور والقانون؟ وما هى أركانها المادية والمعنوية؟
فإذا كان من الصعب – إن لم يكن من المستحيل – إقامة دعوى "الخيانة العظمى" على رئيس الدولة فى بلد ما استنادا على تقييم لبعض سياساته المتبعة، نظرا لتواضع مستوى الوعى السياسى العام، وتضاؤل نسب المشاركة السياسية، وتواضع الاهتمام بالقضايا العامة لدى القطاع الأوسع فى البلاد، فإنه يمكن من ناحية أخرى تأسيس دعائم الاتهام على مرتكزين أساسيين يتوافر فى حال وجودهما أركان المسئولية الجنائية لجريمة "الخيانة العظمى" بشقيها المادى والمعنوى وهما:
الأول: مدى التزامه نصا وروحا بالقسم الدستورى الذى تولى على أساسه مسئولية المنصب.
الثانى: ارتكابه فعل أو عمل من شأنه إنكار العدالة أو تعويق تحقيقها.

وفى حالتنا المصرية سوف نعتمد على ما توفره المادتين (79) و (85) من الدستور المصرى باعتبارهما مرتكزا لهذه المسئولية السياسية والجنائية لجريمة "الخيانة العظمى" فى حق الرئيس الحالى محمد حسنى مبارك.
ووفقا لنص المادة (79) فإن ( يؤدى الرئيس أمام مجلس الشعب قبل أن يباشر مهام منصبه اليمين الآتية: "أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصا على النظام الجمهورى ، وأن أحترم الدستور والقانون ، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة، وأن أحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه ").
أذن فإن رئيس الجمهورية، وقبل أن يباشر مهامه الدستورية، ينبغى أن يؤدى هذا اليمين القانونية التى تتضمن التزاما دستوريا وقانونيا بالواجبات الأربعة الآتية:
1- أن يحافظ مخلصا على النظام الجمهورى.
2- أن يحترم الدستور والقانون.
3- أن يراعى مصالح الشعب رعاية كاملة.
4- أن يحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه.
وتضيف المادة (85) واجبين إضافيين على عاتق رئيس الجمهورية حيث تنص على ( يكون اتهام رئيس الجمهورية بالخيانة العظمى أو بارتكاب جريمة جنائية بناء على اقتراح مقدم من ثلث أعضاء مجلس الشعب على الأقل، ولا يصدر قرار الاتهام إلا بأغلبية ثلثى أعضاء المجلس، ويقف رئيس الجمهورية عن عمله بمجرد صدور قرار الاتهام ، ويتولى نائب رئيس الجمهورية الرئاسة مؤقتا لحين الفصل فى الاتهام، وتكون محاكمة رئيس الجمهورية أمام محكمة خاصة ينظم القانون تشكيلها وإجراءات المحاكمة أمامها ويحدد العقاب ,وإذا حكم بإدانته أعفى من منصبه مع عدم الإخلال بالعقوبات الأخرى ).
ومن ثم فقد أضافت هذه المادة وألزمت رئيس الجمهورية بواجبين إضافيين هما:
5- أن يعين نائبا لرئيس الجمهورية ليتولى الحكم أثناء محاكمة الرئيس.
6- أن يعمل على إصدار قانون محاكمة رئيس الجمهورية والوزراء ونظم تشكيلها والإجراءات المتبعة أمامها .. الخ.
والسؤال الآن … من أين تنشأ أركان المخالفة وتقوم أركان جريمة "الخيانة العظمى" فى حق الرئيس الحالى؟
لقد استقرت الدول والحكومات المتحضرة على آليات فى العمل السياسى – المرن بطبعه وضروراته – تتواءم وتتناسب مع الأطر الدستورية والقانونية – البطيئة التغير بطبيعتها – وألا تحولت السياسة وأفعال رجال السياسة وقراراتهم، إلى أهواء شخصية ومزاجية، تهدف إلى خدمة جماعة، أو جماعات دون بقية الفئات، وهو ما يعد انقلابا على الدستور والقانون
هذا التوازن المطلوب بين السياسة وتغيراتها، والقانون وقيوده هو الذى يحفظ للمجتمعات المتحضرة تماسكها، ويضمن لها آليات مؤسسية لعملية اتخاذ القرارات أو صنع السياسات، وهو ما يطلق عليه بحق "دولة القانون" أو "دولة المؤسسات"، نقيضا لدولة الفرد الواحد أو العائلة الواحدة أو الجماعة الواحدة.
فى حالتنا المصرية خرج القرار السياسى فى الكثير من الأحيان عن الإطار الدستورى أو القانونى الحافظ له ، فأصبح يعبر عن رغبات شخص الرئيس أو عائلته أو الحلقات الضيقة المحيطة به من رجال مال وأعمال أو عسكريين، سواء كان ذلك فى قرارات سياسية تؤثر على مستقبل البلد وتحالفاته الإقليمية والدولية، أو فى صورة قرارات اقتصادية تنعكس على الأوضاع الاجتماعية والمعيشية المباشرة لقطاعات واسعة من السكان.
وبالنظر لغياب آلية سياسية ديموقراطية حقيقية ترتب حسابا سياسيا للرئيس والحزب المنتمى إليه من قبيل:
-غياب انتخابات نزيهة وشفافة وتحت إشراف حقيقى وكامل من القضاء المصرى ومنظمات المجتمع المدنى المحلية والدولية.
-وبالتالى غياب وانعدام أى فرصة للتداول السلمى للسلطة.
-وبالمقابل زاد استخدام النظام لوسائل القمع والتعذيب الوحشى داخل السجون وفى أقسام الشرطة ضد المعارضين وكذا آحاد الناس.
كل هذا أدى عمليا إلى انعدام فرص المحاسبة السياسية لسياسات الرئيس، والمتمثلة فى إمكانية تغيير الحكومة والنظام عبر "صناديق الانتخابات"، فلم يبق للناس سوى إجراء هذه المحاكمة للرئيس وسياساته على أرض النص الدستورى ذاته وفى الأطر القانونية الملزمة.
فلنأخذ أذن هذه الواجبات الدستورية المناط إلى رئيس الجمهورية، ونقارنها بأداء ال

عريضة اتهام ضد رئيس الجمهورية دعوة لكل الوطنيين فى مصر*

طوال السنوات القليلة الماضية، استنهضت القوى الوطنية المصرية قوتها، وعبرت عن نفسها فى عدة حركات شعبية جديدة ، حملت هموم المصريين وأحزانهم، وطول شوقهم للتغيير السياسى والاجتماعى ، والتصدى لنظام حكم لم تشهد مصر فى تاريخها الطويل مثيل له من حيث احتقاره لمطالب المواطنين ، والتقليل من قيمة وأهمية الرأى العام ، والتغول دون رحمة على بقية السلطات والصلاحيات، سواء كانت سلطة قضائية أو تشريعية ، واستأثر بكل السلطات رجل واحد تربع على عرش السلطة فى البلاد ، دون سابق تأهيل أو خبرة ، أو تاريخ من العمل الوطنى المشهود.
ومارس على مدار كل تلك السنوات سياسات القهر والاعتقال لعشرات الآلاف دون وازع من ضمير، وأغتصب السلطة عادة مرات عبر انتخابات مزورة، وأقصى كل المعارضين الشرفاء لسياساته، ولم يتورع عن سجن أحد أهم قادة حرب أكتوبر وقائده السابق فى القيادة العامة للقوات المسلحة، الفريق الركن سعد الدين الشاذلى، ووصل الأمر به إلى ممارسة جرائم اغتيال ضد أفراد مثل المجند الشاب "سليمان خاطر" وغيره.
وقد جاءت شعارات الحركة الوطنية الأخيرة برفض التمديد لهذا الرجل، أو التوريث لنجله المتهم بجريمة استغلال النفوذ للتكسب هو وأخيه من وراء عمليات تجارة وسمسرة مشبوهة، دون أن يقدما وأبيهم مسوغات لتلك الثروة التى يمتلكانها دون أدنى شك والتى تقدر وفقا لبعض التقديرات الأكثر تحفظا بعدة مليارات من الجنيهات.
وبقدر إهمال وتجاهل السيد رئيس الجمهورية لكل دعوات المحاسبة والإصلاح، بل وتـورطه من جديد فى التلاعب الفج والفاضح فى الاستفتاء المشهود على تعديل المادة (76) من الدستور ،واستخدام أساليب البلطجة وتعريض أمن المواطنين للخطر، من خلال استخدام تلك الوسائل تحت سمع وبصر رجال الأمن والشرطة يوم الخامس والعشرين من مايو عام 2005، والذى سجلته بالصوت والصورة عدسات الصحافة والإعلام الدولى والمحلى، والثابت باليقين خاصة ما جرى أمام مبنى نقابة الصحفيين.
فإننا نوجه الدعوة لكل الوطنيين المخلصين من:
-رجال القانون الدستورى والجنائى .
-رجال العلوم العسكرية والأمن القومى .
-رجال السياسة والفكر .
-رجال الصناعة .
-رجال الاقتصاد
-رجال الثقافة .
-رجال الصحة والشئون الاجتماعية .
من عقد ورش عمل منظمة للنظر فى أمر تقديم عريضة اتهام "بالخيانة العظمى" لرئيس الجمهورية استنادا إلى حقائق نص المادة (79) من الدستور والمادة (85) منه.
حيث تنص المادة (79) من الدستور على: (يؤدى الرئيس أمام مجلس الشعب قبل أن يباشر مهام منصبه اليمين الآتية: "أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصا على النظام الجمهورى ، وأن أحترم الدستور والقانون ، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة، وأن أحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه").
ولما كانت هناك شواهد متعددة وأدلة ثبوتية حول حنث هذا الرئيس بهذا القسم من حيث:
1- محاولات الخروقات الدستورية المتعددة لتوريث الحكم لنجله، بما يمثل تهديدا للنظام الجمهورى.
2- تكـرار عدم إحترامه للدستور والقانون فى مواقف عديدة مما يمثل حنثا باليمين.
3- التأكد عبر ربع قرن من حكمه عدم رعاية مصالح الشعب، بل حرصه المشكوك فى نزاهته على مصالح رجال المال والأعمال وبيع الممتلكات العامة وتربح أقرب المقربين منه من عمليات البيع، والتلاعب فى ديون مصر والسماح لأحد أبنائه بشراء تلك الديون وإعادة بيعها للحكومة، مما يمثل خرقا للمادة (95) من الدستور، وكذا إهماله الجسيم فى أكثر من كارثة وتعامله برعونة مع المصائب التى أضرت بالفقراء وحدهم، وأخرهم قضية عبارة الموت (السلام 98) وسالم اكسبريس وغيرها.
4- وفيما يتعلق الحفاظ على استقلال الوطن، فان شواهد السياسات التى أتبعها هذا الرئيس قد أسلمت استقلال الوطن دون شبهه واحدة إلى الولايات المتحدة، وعززت من قوة إسرائيل الاقتصادية والعسكرية وغيرها، وليس أقلها تفريطه فى الأمن القومى المصرى وذلك بإهمال تعزيز القدرات الذاتية للقوات المسلحة المصرية، التى تحولت كل ترسانتها الحربية إلى مصدر واحد ووحيد هو الولايات المتحدة الأمريكية، مما شل أى قرار استراتيجى مصرى بعمل تعرضى، إذا ما تعرضت البلاد لمخاطر من حدودها الشمالية الشرقية أو من غيرها، وكذا مطالبته الولايات المتحدة وقواتها العسكرية المحتلة لبلد عربى هو العراق من الاستمرار فى احتلال هذا البلد مما يعد خرقا فاضحا لكل المواثيق المصرية والعربية والدولية التى تنهى أن استخدام القوة فى حل المنازعات وتعتبر الاحتلال لأراضى الغير عمل من أعمال العدوان، ومن ثم فان تصريح هذا الرئيس العلنى وأكثر من مرة، بضرورة استمرار هذا التواجد العسكرى الأمريكى المخالف للشرعية الدولية وبالمخالفة للقانون الدولى، تدخل فى دائرة التجريم الدولية، وتضعه فى دائرة الخيانة العظمى.
5- وزاد الأمر التلاعب بقضايا تمس بشكل مباشر وتهدد النسيج الاجتماعى التاريخى لمصر، لدواع ومتطلبات قصيرة النظر، مثل استخدام أو التغاضى عن الاحتقان الطائفى فى البلاد والذى تكرر عشرات المرات فى عهده من أجل التمديد لقانون الطوارىء.
ولما كانت المادة (85) من الدستور تنص على الآتى: (يكون اتهام رئيس الجمهورية بالخيانة العظمى أو بارتكاب جريمة جنائية بناء على اقتراح من ثلث أعضاء مجلس الشعب على الأقل ولا يصدر قرار الاتهام إلا بأغلبية ثلثى أعضاء المجلس . ويقف رئيس الجمهورية عن عمله بمجرد صدور قرار الاتهام ويتولى نائب رئيس الجم
هورية الرئاسة مؤقتا لحين الفصل فى الاتهام . وتكون محاكمة رئيس الجمهورية أمام محكمة خاصة ينظم القانون تشكيلها وإجراءات المحاكمة أمامها ويحدد العقاب . وإذا حكم بإدانته أعفى من منصبه مع عدم الإخلال بالعقوبات الأخرى ) .

ولما كان:
1- أن إقدام رئيس الجمهورية والسلطة التنفيذية التى يترأسها قد داومت على تزوير الانتخابات للحفاظ على نصاب الثلثين بما يضمن خروج نص الاتهام من حيز الممكن سياسيا وعمليا، وهو ما يشكل جريمة لا تسقط بالتقادم وهو جريمة تزوير إرادة الأمة.
2- ولما كان الرئيس وسلطته التنفيذية، وأغلبيته المصنوعة فى المجلس التشريعى قد امتنعت طوال الربع قرن من حكمه عن إعداد وإصدار قانون محاكمة الوزراء أو رئيس الجمهورية، وأصول المحاكمة وتنظيم المحكمة المختصة وتعيين قضاتها، مما يندرج فى باب إنكار العدالة أو التهرب من توفير شروطها.
3- ولما كان هذا الرئيس قد أمتنع عن تعيين نائبا له طوال الربع قرن من حكمه –لأسباب أصبحت معلومة للكافة الآن– بما يحول عمليا وسياسيا من إجراء محاكمته لغياب النص عن الجهة التى سيؤول أليها الحكم مؤقتا أثناء محاكمة الرئيس.
لكل هذا فإننى أهيب بأعضاء مجلس الشعب الشرفاء –ويقارب عددهم الثلث الآن– من تقديم عريضة اتهام بالخيانة العظمى، حتى لو كان من غير المقدر أن تنال أغلبية الثلثين ، فيكفى أن نبدأ الخطوة الأولى، كما أطالب أهل الرأى والفكر والعسكريين الوطنيين أن يشاركوا فى ورشة العمل المخصصة لإعداد وثيقة الاتهام لهذا الرجل الذى أحتقر الشعب وإرادته طوال ربع قرن، فأستحق احتقار الشعب له والعمل على تقديمه للمحاكمة.
فلننتقل من شعار "لا للتمديد .. لا للتوريث" إلى شعار أكثر واقعية وثورية "فلنحاكم هذا الرئيس" .

الفصل الثاني: مصر و سوء الإدارة السياسية

أبعاد المسئولية السياسية لجريمة
غرق العبارة السلام 98*

تابعت بالكثير من الحزن والأسى، مأساة المصريين الفقراء فى عبارة الموت "السلام 98 " التى غرقت بركابها ، فى فبراير من هذا العام (2006)، فلم ينج منها سوى أربعمائة راكب ، بينما ضاع فى أعماق البحر الأحمر ما يزيد على الألف إنسان، معظمهم من النساء والأطفال الذين لم يجدوا من يقدم لهم يد المساعدة والعون.
صحيح أنها لم تكن المرة الأولى – فقد سبقها أكثر من ثمانى حالات غرق مماثلة تقريبا – وكذلك لن تكون الأخيرة ليس بسبب تفشى حالات الإهمال والتسيب فى أداء العمل فى مصر فحسب، بل من جراء تدخل السياسة فى توفير غطاء ومن حصانة سياسية لبعض ذوى المال والنفوذ.
وقد أدهشنى فى كل المتابعات الإعلامية – الفضائية منها أو الصحفية – وأخرها برنامج تحقيقات صحفية فى أحدى القنوات الفضائية المصرية ، تكرار الحديث حول المسئولية السياسية للحكومة أو وزير النقل المختص لهذه المأساة ، ومن ثم الإصرار على المطالبة بإستقالة الحكومة أو على الأقل الوزير التى تقع فى دائرته عمليات النقل البحرى.
هكذا تكرر الطلب والإصرار طوال المناقشة التى دارت بين ضيوف الصحفى الذى يتولى رئاسة تحرير أحدى الصحف الخاصة، دون أن ينتبه أحد إلى التوقف عند الأبعاد السياسية والقانونية لتلك الجريمة، سواء من حيث المضمون السياسى، أو مناط المسئولية السياسية النظرية أو الفعلية، وتحول المشهد كله إلى نوع من الصراخ الهستيرى ، أو الديماجوجيا السياسية.
ومن هنا وجدت من المناسب أن نتوقف بالشرح والتحليل القانونى للأبعاد السياسية الفعلية – وليس الافتراضية أو النظرية كما يحدث فى بعض الدول الغربية – لهذه الجريمة المتكاملة الأركان ، حتى ينتقل الحوار والنقاش فى المجتمع المصرى وبين النخبة الثقافية والسياسية المصرية ، إلى مستوى من الموضوعية والجدية ، ومحاولة التمييز بين المسئولية الجنائية لحادث غرق العبارة بركابها ، وطبيعة ومناط المسئولية السياسية لها .

نطاق ومناط المسئولية الجنائية لحادث غرق العبارة السلام 98 :

على الأثر – وكما يحدث عادة فى كل مصيبة أو حادثة فى مصر يشوبها الإهمال وتلتبس بشبهة فساد – تشكلت لجان تحقيق جنائية من وكلاء النائب العام المصرى ، علاوة بالطبع على لجان فنية متخصصة فى النقل البحرى ، للتعرف على أسباب الكارثة التى راح ضحيتها ما يزيد عن ألف إنسان مصرى وعربى ، وعادة ما تدور جوانب التحقيق الجنائى والفنى حول موضوعات من قبيل :
1- مدى السلامة الفنية للعبارة ، من حيث القدرات الميكانيكية والملاحية .
2- مدى سلامة الحمولة ومطابقتها للمعايير القياسية للأوزان المقبولة .
3- مدى سلامة إجراءات السلامة المتبعة داخل السفينة وكفايتها لمواجهة الحوادث المتوقعة مثل الحريق والغرق .. الخ .
4- ما هى الجهات التى منحت السفينة ترخيص الإبحار ، والجهات التى تولت التفتيش عليها وسمحت لها بالرحلة .
5- لماذا اندلع الحريق فى باطن السفينة وما مدى صحة تصرفات طاقم السفينة فى مكافحة الحريق والمسئولية الفردية والجماعية لأعضاء الطاقم فى هذا .
6- مدى استكمال أدوات الإنقاذ من قوارب وقمصان وغيرها .
7- مدى سلامة تصرفات ربان السفينة والطاقم أثناء ظهور بوادر للخطر .
8- مدى سلامة إجراءات الإنقاذ أو الترقب والرصد من جانب ميناء الوصول (سفاجا) خاصة بعد تأخر السفينة عدة ساعات عن موعد وصولها المتوقع.
9- مدى سلامة إجراءات وتوقيت خروج فرق الإنقاذ البحرية المدنية أو العسكرية لمواجهة الموقف حينما ظهرت الكارثة .
هذه هى عينة من التساؤلات ومحاور التحقيق والبحث الذى سيدور من لجان التحقيق الجنائية والفنية ، فما هو مناط المسئولية السياسية التى يتحدث عنها المطالبون بإقالة الحكومة كلها ، أو وزير النقل المختص ؟

الإهمال .. والنفوذ السياسي وتعارض المصالح الخاصة مع المصلحة العامة :
لاشك أن الإهمال والتسيب، وتدهور قيم الإجادة فى العمل وغياب الرغبة فى التطوير والتحسين ، قد باتت سمة مميزة للمصريين منذ سنوات طويلة ، خاصة بعد أن أنتهى أعظم إنجازاتهم الحديثة أثناء حرب أكتوبر عام 1973 ، بهزيمة سياسية أتى بها السادات وأسلوبه فى التفاوض كما يعرف الجميع فحقق بها لإسرائيل ما لم تحققه بعد انتصارها العسكرى الساحق فى يونيو عام 1967.
ويرجع خبراء علم الاجتماع وعلوم السياسة أسباب هذه الظاهرة المحزنة فى حياتنا إلى عوامل عدة، منها عدم كفاية الأجور والمرتبات التى يتقاضاها المصريون العاملون فى مصر لتلبية احتياجاتهم المعيشية المتزايدة، وما ترتب عليه من صراع وحشي بينهم على التكسب بأية وسيلة، حتى لو كانت على حساب المصلحة العامة (المدرسون أو أعضاء مجلسى الشعب والشورى مثلا .. الخ)، ومنها كذلك غياب مشروع قومى يجمعهم ويشدهم فى ملحمة تحدى، وقد يكون بسبب غياب القدوة فى القيادة ، وغياب الإحساس بالخطر والتحدى، كل هذا قد يكون صحيحا فى فهم الظاهرة المدمرة التى يعيشها المصريون منذ عام 1974 وحتى يومنا.
بيد أن هذا الإهمال الذى نتحدث عنه هو وليد الإحباط وغياب الأمل فى المستقبل ، بعكس الحال فى الإهمال الذى هو مولود تحقيق المنافع الشخصية ، وتقاضى الثمن عن التغاضى عن تنفيذ شروط السلامة وتطبيق صحيح القانون نصا وروحا ، خاصة إذا تدثر هذا الإهمال بغطاء من الحصانة والنفوذ السياسى الذى تخلعه عليه أعلى سلطة س

Featuring WPMU Bloglist Widget by YD WordPress Developer