الارشيف حسب تصنيف غير مصنف

مشكلات صناعة الإعلام المصرى*

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

ثلاث ركائز أساسية يقوم عليها بناء المجتمع الحديث، بصرف النظر عن هيكل الملكية فى هذا المجتمع ، أو نمط علاقات الإنتاج السائدة فيه، أو الأيديولوجيا الحاكمة لأفراده وجماعاته ونظام حكمه، وبصرف النظر كذلك عن مستوى تقدمه أو تخلفه الاقتصادي والاجتماعى، هذه الركائز هى:
الأولى: هيكل اقتصادى وانتاجى ينمو أو فى طريقه للنمو.
الثانية: جيش وقوات أمن واستخبارات تحفظ الكيان والنظام السياسى والدولة.
الثالثة: جهاز إعلامي قادر على التأثير بالصوت والصورة على خلق انطباعات، وصياغة وجدان ورسم خطوط سواء كانت حقيقية أو وهمية.
وتلعب ركائز "أرشميدس" الثلاث هذه أدوارها المتكاملة أو المتنافرة وسط سياق اجتماعى وسياسى وثقافى محدد، ووظائفها وأهدافها بصورة عامة هى ضمان استقرار المجتمع وتحقيق أمن النظام السياسى الحاكم.
بيد أن التجارب الاجتماعية والسياسية الحديثة، قدمت إلينا نماذج متعددة ، بعضها قدر له النجاح فى تكامل الوظائف والأدوار الثلاثة ومن ثم توفير شروط أفضل للحياة وديمومة الاستقرار والتوازن، وبعضها الآخر تناقضت فيه الأدوار والوظائف، واصطدمت فى الكثير من الأحيان،فأدخلت المجتمع كله بطبقاته وقواه المختلفة فى حالة من "التيه" الوطنى والقومى.
ويكمن جوهر التناقض عندما يصبح هيكل الانتاج والاقتصاد فى دولة ما، عاجزاً عن النمو، وقاصراً عن تلبية الحاجات الأساسية والطموحات المعيشية للفئات والطبقات الاجتماعية الفقيرة والتى تمثل الغالبية العظمى فى المجتمع، بينما على العكس، ينمو جهاز الأمن وقوى العنف المنظم للدولة، ويضطر الى استخدام أدوات قهره وسطوته فى مواجهة الاحتجاجات والتمردات الاجتماعية والسياسية المتزايدة من جانب المحرومين فى المجتمع، كل ذلك يجرى وسط خطاب إعلامى وأداء إعلامى بعيد عن الواقع ، مستخدماً ما يسمى أسلوب ومنهج "ملء الفراغ " أو "شغل الفضاءات المفتوحة" والتمويه بالتالى عن الحقائق، بل والذهاب الى حد "اختراع حقائق" أو زرع أوهام، فى محاولة يائسة لتجميل واقع معيشى ، يراه أبناء المجتمع سيئاً، ويتجه كل يوم الى الأسوأ.
وهنا يسقط جهاز الإعلام كله فى دائرة شريرة وحلقة جهنمية من "عدم المصداقية" سواء فى الداخل بين أبناء المجتمع ذاته أو فى الخارج بين شعوب العالم ونظمه الديمقراطية المفتوح. والحقيقة أن جهاز الإعلام الرسمى أو "الحكومى" بقدر ما يصبح ضحية لحالة الفشل فى الأداء الاقتصادي والسياسي العام للنظام والحكم ، بقدر ما يمارس بدوره دور الجلاد للحقيقة وللمستقبل فى آن معاً.
هذه الحالة المعقدة والمركبة والملتبسة، تتوه فى زحمة الأداء الوظيفى التقليدى أو الحكومى، وتزداد صعوبة الموقف عندما يصطدم هذا الأداء المتواضع للجهاز الاعلامى الرسمى أو الحكومى ، بواقع عالمى جديد فرضته التطورات العلمية والتكنولوجية فى عالم الاتصالات والمعلومات ، فحولت الكوكب كله الى ما يشبه "القرية الصغيرة"، حيث الحقائق نبضات طيف سابحة فى الفضاء ، يلتقطها كل من يستطيع حيازة أطباق لاقطة ووسط عالم إعلامى جديد ، يزدحم بالفضائيات ونظم البث والإرسال .
والحالة المصرية لم تكن فريدة أو خارج هذا السياق التاريخى بكل ظروفه وملابساته ، ولكن مع توارى أهداف التعبئة الوطنية الى خلفية المشهد ، وبداية عصر تبدل التحالفات الدولية، والانخراط المتزايد فى التعاون والتبعية للولايات المتحدة الأمريكية بكل ما تمثله من تعارض مصالح مع طموحات شعوب هذه المنطقة العربية فى الوحدة والاستقلال وتحرير فلسطين، والانغماس فى مسيرة التسوية السياسية للصراع العربى – الصهيونى على أسس غير عادلة، تغيرت الوظائف المنوطة بجهاز الإعلام المصرى بصورة جذرية ، ورويدا رويدا زحف مفهوم "ملء الفراغ " وشغل مساحة الفضاء المفتوح "حماية " للمجتمع من موجات بث قد تأتى بما هو غير مرغوب رسمياً وغير مطلوب سياسياً للقائمين على إدارة شئون الدولة وأمنها.
ومع تعقد الواقع الاعلامى والاتصال العالمى، ودخولنا فعلاً عصر "السماوات المفتوحة" ازدادت صعوبة المهمة على صناعة الإعلام المصرى والعربى، التى لم تستطع مواجهة خصائص وتحديات الأوضاع الجديدة، وباستثناء عدة قنوات عربية فضائية – مستقلة نسبياً- عن الحكومات التى مولتها، رسبت كل صناعة الإعلام المصرى والعربى فى مواجهة أكبر اختبار وتحد حينما قرعت الولايات المتحدة طبول الحرب بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر، ثم عندما اقتحمت أبواب المنطقة بعنف فكسرت أبواب العراق ، ولوحت للآخرين باقتراب الأجل ولحظة الرحيل.
والآن .. علينا أن نتساءل: أين مكمن الداء؟ وأين جوهر الخلل فى الأداء الاعلامى المصرى؟ هل هو نقص التمويل والموارد ؟ هل هو ضعف الرؤية وقصور السياسات؟ ولكن دعونا قبل الخوض فى الأطر النظرية، أو المعطيات العالمية الجديدة ، نتوقف عند المفهوم ا ذاته، أى مفهوم "الإعلام" فى عصرنا الراهن:

أولاً: مفهوم الإعلام .. ومكوناته:
منذ تلك اللحظة التى حاول فيها الإنسان أن يقيم جسور اتصال وتفاهم داخل جماعته أو بين تلك الجماعة والجماعات الأخرى، أصبحنا بصدد حالة "إعلامية" بالمعنى البسيط والواضح للكلمة، وبصرف النظر عن تواضع هذه الوسائل (بالخطابة المباشرة أو كتابة الرسائل أو إصدار نشرات أو صح.. إلخ) أو تعقدها وتطورها (مثل الفضائيات الراهنة) يظل الجوهر واحدا ألا وهو " نقل رسالة ما محملة بمضمون معين، سواء كان
هذا المضمون سياسياً أو ثقافياً أو فكرياً.. إلخ من فرد أو جماعة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر ، ومن نظام سياسى واجتماعى إلى آخر بهدف التأثير فى قيمه ووعيه وسلوكه وأفكاره ومن ثم تحقيق مصالح هذا الطرف المرسل أو تحقيق بعض أهدافه.
وبرغم أن الرسالة الاعلامية المحملة "بخطاب ما" قد أصبحت أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث لم تعد فى اتجاه واحد ، بل باتت أقرب الى شبكة تفاعلات متبادلة Feedback Network بين أطراف المجتمع العالمى كله، فإن الحقيقة المؤكدة، أن رواد هذه التكنولوجيا الإعلامية والاتصالية الحديثة، ظلوا محتفظين بقدرتهم الأعلى فى التأثير على الآخرين سواء كان هذا التأثير متخذا طابعا قيمياً أو ثقافياً أو سياسياً أو غيره، بفعل ضخامة حجم الرسائل وسرعة تدفقها المستمرين من ناحية، أو بفعل أثر الحنكة والمهارة فى صياغتها وعرضها من ناحية أخرى.
واللافت للنظر أن الخمسين عاماً الماضية قد شهدت تطورين أساسيين فى عالم الإعلام والاتصال هما:
الأول: التطورات التكنولوجية الهائلة التى أدت عملياً الى ما يمكن أن نسميه "إزاحة الوسائل الإعلامية لبعضها البعض" فلم تعد هناك درجة من التوازن أو التناسب أو التكامل فى الأدوار الإعلامية المختلفة، حيث أزاحت الجريدة الصحفية دور الوسائل الفردية والخطب الجماهيرية، ثم جاءت الإذاعة المسموعة لتزيح قليلاً ما قبلها من وسائل إعلامية وصحفية وغيرها، وإن لم تأت عليها تماماً، ثم جاء جهاز الإرسال التليفزيونى منذ منتصف ثلاثينيات القرن العشرين ليؤثر بالصوت والصورة ويطغى على ما عداه، وها نحن الآن أمام تأثير طاغ للصورة التليفزيونية كوسيلة لنقل الخطاب الاعلامى والثقافى والسياسى بحيث جاز للبعض القول بأننا فى عصر "التليفزيون".
الثاني: كسر احتكار الدولة لوسائل الإعلام، وبصفة خاصة وسائل الإعلام المرئية "التليفزيون" خاصة خلال العقود الثلاثة الأخيرة ، فقد دخل القطاع الرأسمالي الخاص الى هذه السوق الضخمة، لينقل دون وسطاء (الدولة) رسالته وخطابه المباشر إلى الجماهير العريضة، وإذا كانت الصحف منذ بداياتها بنتاً شرعية للمشروعات الخاصة والأفراد سواء فى العالم الصناعى المتقدم (انجلترا – فرنسا – أمريكا .. إلخ) أو فى الدول المتخلفة (مصر – العراق .. إلخ) فإن التليفزيون تحديداً كان ابناً وحيداً للدولة،خاصة فى دول العالم النامى أو الدول الاشتراكية وفى مصر كذلك.
هذان التطوران، سرى مفعولهما على الحالة المصرية، كما فى غيرها من دول العالم ، ورويدا رويدا احتكرت الدولة لسنوات طويلة، أدوات التأثير على الرأى العام بالصورة (التليفزيون) وكذلك عبر الصحف المقروءة، فأثرت أيما تأثير على توجهات الناس وقيم الجمهور، وخلقت بالتالى بنية فكرية وثقافية تحتاج الى مزيد من الجهد لحلحلة مفاهيمها المحافظة والرجعية.
وعندما دخلت مصر عصر القطاع الخاص الإعلامى ، فى مجال الصحافة والبث التليفزيونى، كان الزمن قد تغير والبنية قد تشكلت والوجدان قد تصلب عند قيم الفردية وتفشى الأنانية وغيرها من القيم السلبية.
ثانياً: الحالة المصرية من إعلام التعبئة والشمولية.. إلى إعلام السوبرمان الأمريكى:
تميزت السياسة التى تحكم جهاز الإعلام المصرى المسموع منه أو المقروء أو المرئى ، منذ ثورة 23 يوليو عام 1952 وحتى عام 1974 بسمات معينة يمكن تقديم أبرز ملامحها على النحو التالى:
1 – أنها سياسة إعلامية تعبوية، تقوم على فكرة حشد الجماهير ككتل اجتماعية – لا حزبية- خلف المشروع القومى الناصرى بكل خصائصه الوطنية والقومية المعادية لإسرائيل والاستعمار الغربى، والدعوة الى وحدة الوطن العربى وتحرير بلدانه التى مازالت ترزح تحت نير الاستعمار مثل الجزائر والجنوب اليمنى وفلسطين وغيرها.
2 – إنها سياسة تركز على دور الرئيس / الزعيم التى تتجسد فيه روح الأمة وحكمتها، فتتحرك السياسة الإعلامية وفقاً لتصوراته ورؤيته، وتهتم بحركاته ومقابلاته، وهى بهذا المعنى تجسد فكرة " الإعلام الموجه "الخادم للرئيس / الزعيم.
3 – إنها سياسة إعلامية غير معنية بفكرة ومفهوم الرأي والرأى الآخر ، أى أنها غير معنية بمسألة الديمقراطية وحرية الرأى المعارض.
4 – إنها سياسة تتعامل مع جهاز الدولة ومع نفسها باعتبارها جزءا لا يتجزأ من جهاز الدولة الرسمى، والمعبرة عن سياسة الرئيس وحكومته، وليس عن الرأى العام واحتياجاته، تحت زعم وظن أن هناك تطابقاً بين سياسات الرئيس والزعيم وحكومته ومتطلبات الجماهير وأمانيهم.
جاءت رياح السبعينات مختلفة وعاتية، وظللت السياسات العامة فى مصر ثلاثة حقائق ومعطيات جديدة عكست نفسها مباشرة على السياسة الإعلامية وسقفها المفترض وهى:
– سياسة الانفتاح الاقتصادي الرأسمالي.
– سياسة الصلح مع إسرائيل وترك المنطقة العربية لافتراس اسرائيلى أمريكى مشترك.
– سياسة التحالف والتبعية المطلقة للولايات المتحدة ودول الخليج العربى والسعودية، باعتبارهم المملون الجدد للنظام والحكم فى مصر.
وباستثناء عدة شهور من تجربة الحوار السياسى بين أطراف التعدد الحزبى الجدد على شاشات التليفزيون المصرى وبقية وسائل الإعلام طوال شهور عام 1976 وحتى اندلاع أحداث يومى 18و19 يناير عام 1977، فقد ارتد الجهاز الاعلامى المصرى كله والخطاب السياسى إلى حالة الشمولية – دون تعبئة هذه المرة – فلم تعد هناك قضية وطنية أو قومية تشغل الخطاب السياسى الرسمي والحكومى المصرى، ولا خطابه الإعلامى بالتالى، وانخرط الإعلام المصرى فى الت

كيف نحل أزمة النظام التعليمي ؟

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

جدول رقم ( 13 )
تطور الاعتمادات المالية المخصصة لهيئة الأبنية التعليمية خلال الفترة
91/1992 – 2001/2002 " بالمليون جنية "

السنوات

الباب الأول

الباب الثانى

الباب الثالث

الباب الرابع

الإجمالى

91/1992

2.7

19.4

6.3

0.002

28.4

92/1993

6.8

47.2

13.
3

3.0

70.3

93/1994

14.2

56.4

1053.5

1124.1

94/1995

20.8

90.7

1334.5

184.6

1630.6

95/1996

26.5

113.1

1754.4

5.8

1899.8

96/1997

33.7

129.2

1585.0

251.1

1999.0

97/1998

41.1

91.3

920.6

1053.0

98/1999

50.5

120.3

975.6

1146.4

99/2000

64.1

137.7

1007.7

4.0

1213.5

2000/2001

76.0

152.5

1167.0

8.2

1403.7

2001/2002

87.4

153.8

1157.2

8.4

1406.8

المصدر: المراجع السابقة.
وهكذا هى البيروقراطية المفتقرة إلى الكفاءة المهنية، والمستغرقة فى ممارسات الفساد والمحسوبية والوساطة من كل نوع.

كيف نحل أزمة النظام التعليمى ؟

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

لا شك أن الحال الذى وصل إليه النظام التعليمى المصرى، قد بات خطرا حقيقيا على مستقبل هذه الأمة، ولا نبالغ إذا قلنا أنه خطر يهدد الأمن القومى المصرى بمضمونه الحضارى الشامل، وليس بمنظوره الأمنى المجرد، الذى جرى النظر من خلال ثقبه الضيق خلال فترة تولى الوزير الأسبق د. حسين كامل بهاء الدين.
فما هى ملامح تشخيص أزمة النظام التعليمى المصرى الراهن؟ ولماذا فشلت – وسوف تفشل – الجهود الحكومية الجارية حتى الآن فى حلها؟

أولا : التشخيص الصحيح .. وخطأ أساليب العلاج
سوف أتناول فى هذا المقال، التعليم قبل الجامعى فقط، على أن أعالج فى مقال تال أزمة النظام التعليمى الجامعى. وهنا تواجهنا عدة حقائق ومعطيات بشأن نظام التعليم قبل الجامعى، يمكن إبرازها فى العناصر الآتية:
1-أن أعداد الملتحقين بالتعليم قبل الجامعى فى مصر فى تزايد مستمر عاما بعد أخر، لأسباب عديدة بعضها اقتصادي وبعضها اجتماعى، كما أن التطورات التى حدثت فى المجتمع المصرى منذ ثورة يوليو عام 1952، قد أدت عمليا إلى زيادة الإقبال على التعليم حتى لدى الفتيات بالريف والمدينة، وهكذا زاد عدد الملتحقين بالتعليم قبل الجامعى من 3 مليون تلميذ وتلميذه عام 1957 إلى أن بلغ حوالى 17 مليون طالب وطالبة عام 2004/2005.
2-ويتوزع هذا العدد الكبير على عدد من المدارس يقل كثيرا عن الاحتياجات المطلوبة، حيث لا تزيد هذه المدارس على 41981 مدرسة ومعهد أزهرى، وبعدد فصول لا تزيد على 428.5 ألف فصل.
3-وقد أدى تواضع الاستثمارات فى مجال إنشاء المدارس الحكومية منذ عام 1967، وحتى زلزال أكتوبر عام 1992، إلى تآكل البنية التحتية للنظام التعليمى المصرى، وفتح ثغرة واسعة لنشأة المدارس الخاصة والاستثمارية ، التى زاد عددها من أقل من 500 مدرسة عام 1966 إلى ما يزيد حاليا عن 7 آلاف مدرسة خاصة واستثمارية، وبعضها يعتبر إمتداد لمدارس أجنبية، وقد أصبحت هذه المدارس الاستثمارية تستوعب ما يزيد قليلا على 1.3 مليون تلميذ وتلميذة.
4-وقد أدى هذا الواقع إلى بروز ظاهرة شديدة الخطورة ، إلا وهى حالة التكدس بالفصول حيث تصل هذه الكثافة فى المتوسط إلى 50 تلميذ / فصل ، وبلغت فى مدارس الضواحى والأحياء الفقيرة بالمدن المصرية – بما فيها القاهرة – حوالى 80 تلميذ لكل فصل، وفى المدارس الريفية تجاوز هذا المعدل فى كثير من الأحيان 100 تلميذ لكل فصل، مما أستحال معه إدارة عملية تعليمية صحيحة فى الفصول والمدارس الحكومية.
5-ومع تواضع أجور ومرتبات المدرسين، وتزامنها مع تنامى ظواهر ونتائج سفر الآباء وأولياء الأمور إلى دول الخليج والعمل فيها، تخلقت تيارات ضغط شديدة القسوة على الأطراف جميعا، وهو ما يمكن أن نطلق عليه "نظرية الأواني المستطرقة" فى مجال التعليم ، فتعرض الأبناء وأولياء أمورهم إلى عملية ابتزاز واسعة النطاق ، سواء من جانب المدرسين – وعددهم يزيد حاليا على مليون مدرس – أو الإدارات التعليمية من أجل " تعاطى الدروس الخصوصية " أو " مجموعات التقوية " ، مما ترتب عليها نتيجتان خطيرتان:
الأولى: أن قيمة القدوة والأستاذية قد سقطت إلى الأبد ، ومعها سقطت حصون الدفاع الأولى لقيم الأجيال الجديدة.
الثانية: نشأة نظام تعليمى موازى وغير رسمى، أو ما نطلق عليه "السوق السوداء التعليمية"، ويقوم النظام الرسمى كمجرد خيال مآته، من أجل خدمة النظام "غيرالرسمى" وغير القانونى.
6-وبتداعى الأحداث، وبقوة الأمر الواقع ، وبدلا من البحث عن حلول حقيقية لتلك المأساة المتزايدة، انصاعت الدولة ومسئوليها لحقائق القوة الجديدة، فصمتت عن المخالفات، ثم وبعد فترة دخلت الدولة وسياساتها فى مزاد "الابتزاز" المتبادل للطلبة وأولياء أمورهم من خلال أربعة إجراءات هى:
الأول: إتباع نظام التبرعات الإجبارية وإلزام أولياء الأمور على ذلك .
الثانى: الإقرار بنظام "مجموعات التقوية" والتوسع فيه داخل المدارس الحكومية ذاتها.
الثالث: الصمت عن مراكز الدروس الخصوصية وإعلاناتها فى الشوارع وفى كل المدن المصرية، بل ومشاركة الحزب الحاكم وأعضاء مجلس الشعب منه فى افتتاح مثل هذه المراكز، ومن بعدها نزول الدولة لإجراء محاسبة ضريبية عن تلك الأنشطة.
الرابع: ثم أخيرا الإقرار بفكرة بناء ما يسمى "المدارس المتميزة " أسوة بالرغيف المحسن أو الرغيف " الطباقى " ، أو الأتوبيس السياحى ، والأتوبيس المميز .. الخ تلك التعبيرات الهجينة ، وقد تبنت الدولة ورئيس وزرائها السابق د. عاطف عبيد تلك السياسة تحت عنوان خادع وهو " المدارس التعاونية " لتعلن بذلك الدولة عن إفلاسها السياسى والاجتماعى فى إدارة شئون المجتمع .
1-وبرغم الدفعة الجديدة التى حصلت عليها الاستثمارات فى مجال التعليم بعد كارثة زلزال أكتوبر عام 1992 ، وما أدى إليه من انكشاف قدم وتهالك المدارس الحكومية (حيث تبين أن 35% من المدارس لم تكن صالحة للاستخدام أصلا)، وبناء حوالى 11 ألف مدرسة جديدة خلال الفترة ( 1992- 2004) فقد ظل التفاوت كبيرا بين معدلات نمو الالتحاق بالمدارس، ومعدلات نمو عدد المدارس والفصول ، مما أبقى عمليا على الوضع دون تغيير جوهرى.
2-وزاد الأمر سوءا عناد الوزير الأسبق وإصراره غير المبرر على إتباع نظام "اليوم الكامل" فى ظل عجز فاضح فى عدد المدارس والفصول المتاحة.

ثانيا: الفجوة التمويلية .. وفقة الأولويات
زاد عدد العاملين فى وزارة التربية والتعليم والمديريات التابعة لها بالمحافظات
طوال الثلاثين عاما الماضية زيادة كبيرة، من أجل الموائمة مع الزيادة الكبيرة فى أعداد الملتحقين بسلك التعليم، فبلغ عدد العاملين فى ذلك القطاع بحلول عام 2004 حوالى 1.7 مليون موظف، منهم حوالى مليون مدرس والإدارة المدرسية ، والباقى عبارة عن عمالة إدارية فى مختلف الوظائف الإدارية بديوان عام الوزارة والمديريات التعليمية بالمحافظات، ومن بين هؤلاء جميعا يوجد حوالى 400 ألف عامل خدمات معاونة (سعاة).
وبالمقابل زادت المخصصات المالية الواردة فى موازنة الدولة لوزارة التربية والتعليم من حوالى 2296 مليون جنية عام 90/1991 إلى أن تجاوزت 10668 مليون جنية عام 99/2000 ثم بحلول عام 2005/2006 كان المبلغ قد وصل إلى حوالى 16 مليار جنية.
وبرغم هذه الزيادة الملحوظة فى مخصصات وزارة التربية والتعليم ، فقد ظل مستوى الأداء التعليمى بالمدارس الحكومية دون المستوى المأمول، والأخطر هو بقاء نفس الظواهر والأمراض التى تعانى منها النظم التعليمية المصرية وأبرزها التكدس فى الفصول وانتشار سرطان الدروس الخصوصية . إذن أين موطن الداء ؟ وكيف يمكن تجاوز هذا الواقع المر ؟
الحقيقة أن تحليل هذا المخصص المالى سوف يكشف عن جوهر الاختلالات الهيكلية التى يعانى منها النظام التعليمى الحكومى الراهن والذى يمكن تحديده على مستويين هما:
-المستوى الأول: مدى فاعلية النفقات العامة فى تحقيق الأهداف المرجوة .
-المستوى الثانى: نمط أوليات توزيع هذه المخصصات.
فإذا تأملنا فى شكل وأساليب توزيع هذه المخصصات المالية الممنوحة لوزارة التربية والتعليم ومديريات التعليم بالمحافظات، وبقية الهيئات التابعة للوزارة – مثل هيئة الأبنية التعليمية – فسوف نكتشف عدم كفاءة هذه النفقات، وليس عدم كفايتها، وكذا تشوه نطاق استخدامها، حيث تواجهنا الحقائق العنيدة التالية:
1- أن حوالى 82% إلى 85% فى المتوسط من هذه الاعتمادات المالية تذهب إلى بند " الأجور والمرتبات والمكافآت "، ويظل الجزء اليسير مخصص للاستثمارات الجديدة، سواء فى بناء مدارس جديدة أو صيانة المدارس القائمة منذ عقود، كما لا يوجه لنفقات العملية الجارية سوى أقل القليل، خاصة إذا علمنا أن طباعة الكتاب المدرسى تتكلف حوالى 1.2 مليار جنية سنويا، بما يؤدى عمليا إلى غياب عناصر هامة فى العملية التعليمية، مثا الإنفاق على الأنشطة والمهارات وغيرها.
2- وبرغم التحسن الظاهرى فى مخصصات الباب الأول (الأجور والمرتبات ومكافآت نهاية العام) من عام إلى أخر، حيث زادت اعتمادات "مكافآت الامتحانات " من أقل من 450 مليون جنية عام 91/1992 إلى أكثر من 5.7 مليار جنية فى موازنة العام المالى 2005/2006 ، فان هذا الوضع لم ينعكس إيجابا على أداء المدرسين ويخفف من غلواء نزوعهم نحو تعاطى جريمة الدروس الخصوصية ، ذلك أن متوسط ما يتقاضاه المدرس شهريا ظل عند مستواه المتدنى – من 250 إلى 500 جنيها – وهو مبلغ من المستحيل تصور العيش به طوال الشهر ، وبرغم زيادة مكافآت الامتحانات التى يتقاضاها المدرسون فى نهاية العام الدراسى من أجر 140 يوما عام 90/1991 إلى أن بلغت حوالى 220 يوما فى العام 2005/2006 ، أى بمعدل ألفين إلى ثلاثة آلاف جنية سنويا ، فان المدرس المصرى لا يستطيع أن يؤجل نفقاته اليومية لحين تقاضى هذا المبلغ المجمع فى نهاية العام ، لذا فأن الصحيح هو توزيع هذا المتوسط السنوى على شهور العام ، وهو ما سيؤدى إلى رفع متوسط ما يتقاضاه المدرس شهريا من 250 جنيها أو 500 جنيها فى الوقت الحالى إلى 450 جنيها إلى 750 جنيها .وهذه خطوة فى الاتجاه الصحيح مع خطوات أخرى سنذكرها بعد قليل .
3- كما أن توزيع " مكافآت الامتحانات " دون تمييز بين أعمال التدريس – التى هى مناط عمل الوزارة – وبقية الأعمال الإدارية بالوزارة ومديرياتها ، يؤدى إلى ظلم بين للمدرسين ، وهو ما يتطلب وضع " كادر وظيفى " خاص بالمدرسين أسوة بكادر الشرطة والمخابرات العام وضباط القوات المسلحة ، فهؤلاء أكثر حيوية للأمن القومى لوجود الدولة من غيرهم .
4- ومع استمرار تواضع المخصصات المالية للباب الثالث ( الاستثمارات ) فى قطاع التعليم قبل الجامعى ، واللجوء إلى بدعة " المدارس التعاونية " لأبناء القادرين ، وانتشار المدارس الاستثمارية والمدارس الأجنبية ، فان حال التكدس وكثافة الفصول بالمدارس الحكومية سوف تستمر ، مما يؤدى قطعا إلى تدهور الأداء التعليمى الرسمى وانتعاش سوق الدروس الخصوصية ، حتى لو دفعنا للمدرس عدة آلاف مـن الجنيهات شهريا ، فإصلاح البنية التحتية لعملية التعليم أساس كل أصلاح.
5- لدينا مصدر إضافى لتمويل العملية التعليمية فى مصر – هذا إذا خلصت النوايا وجرت سياسات جادة لوقف نزيف الفساد – والمتمثل فى المخصصات المالية لبنود " الدعاية والإعلان والنشر " ، والتى بلغت كما ذكرنا فى مقال سابق حوالى 256 مليون جنية فى عام 2005/2006 وحده ، ويتجاوز مجموعها منذ تولى السيد حسنى مبارك حكم هذا البلد عام 1981 حوالى 2550 مليون جنية، بددت فى شراء صمت بعض الصحف والصحفيين المرتبطين بالدولة، وكذا فى إعلانات التعازى أو التهنئة للسادة المسئولين ، ويمكن وقف هذا المخصص المالى نهائيا وتوجيهه إلى دعم الاستثمارات فى التعليم وبناء مدارس وفصول جديدة، مما سينعكس فورا فى خفض معـدل الكثافة بالفصول الذى هو أساس كل بلاء فى النظام التعليمى الحكومى والخاص .
6- نعود إلى "أم المشاكل" فى النظام التعليمى الحكومى وهو أجور ومرتبات المدرسين، وفى هذا الصدد لدينا تصور ينسجم مع بقية رؤيتنا ل

أحدث صيحات الدرويش .. الإدارة " بالزغزغة " ..!!*

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

عرفت نظم الإدارة الحديثة مجموعة من الأفكار والنظريات والمدارس العلمية، كلها كانت تبحث عن سبل ووسائل تحقيق أفضل أداء ممكن للموارد المتاحة، سواء كانت موارد بشرية أو أصول إنتاجية أو غيرها.
ومن أبرز هذه النظريات التى سمع بها خبراء الإدارة والعاملين فى الأجهزة الحكومية المصرية منذ أواخر عقد الستينات من القرن الماضى، نظرية "الإدارة بالأهداف "و" الإدارة بالنتائج "و" الإدارة الاستراتيجية " وغيرها من الأفكار والتعبيرات. كما هبت على البلاد خلال عقد التسعينات تعبير جديد لكته الألسن فى دهاليز الإدارة الحكومية فى مصر إلا وهو " الهندرة " وهو اختصار لتعبير ومعنى "إعادة هندسة الإدارة" reengineering management والتى يقصد بها ببساطة إعادة هيكلة الإدارة والهياكل التنظيمية بالمنشأة باستخدام أدوات العلوم الهندسية، بحيث تتخلص من الأنماط التقليدية واللجوء إلى نظم مختلفة تتواءم مع التطورات المذهلة فى علوم الاقتصاد والاتصالات والتكنولوجيا الحديثة ونظم المعلوماتية .
والجديد فى الأمر ، هو ما تفتق عنه وأبتكره عقل مفلس ، هبط على حقل الإدارة العامة فى مصر ، وهو السيد " أحمد درويش " وزير ما يسمى وزارة التنمية الإدارية ، والذى أسماه " الإدارة بالضحك " ..!1
لقد هال الرجل ، بكل ما تميز به من قلب عطوف ، وفكر متجدد يدعوا فيه إلى وضع قانون جديد للخدمة المدنية فى البلاد ستؤدى لا محالة إلى التخلص من مئات الآلاف من الموظفين تحت مسمى " نظم التعاقد " بدلا من الوظائف الدائمة ، وشغل الوظائف القيادية بالمحاسيب والأقرباء وغيرهم، حالة الكآبة التى تتبدى على وجوه الموظفين والمواطنين عموما فى البلاد، فتفق ذهنه على ما أسماه " الإدارة بالضحك " عبر صياغة مجموعة من البرامج التدريبية – وهو كله بثمنه برضه – لتعليم الموظفين بالجهاز الإدارى للدولة، كيف يضحكون أثناء أداء العمل ..!!
والحقيقة أنه بقدر ما تحمل الفكرة من إقرار واعتراف المسئول عن الوظيفة العامة فى مصر، بقدر الكآبة والعبوس، اللذين يميزا ملامح وسلوك المصريين عموما والموظفين على وجه الخصوص، والتى هى نتيجة طبيعية لسياسات هذا النظام ورجاله – وهو واحد منهم هبط بمظلة المحسوبية وقلة الكفاءة على حقل الإدارة العامة فى أسوأ فترات التاريخ المصرى – سواء فى مجال تدنى مستوى الأجور والمرتبات خاصة لدى العاملين فى المحافظات (ونسبتهم حوالى 65% من إجمالى الموظفين فى الدولة)، أو فوضى نظم العمل وسيادة مناخ عمل غير إيجابى، وتواضع مستوى التجهيزات المكتبية وبيئة العمل عموما فى المصالح الحكومية – وأحيله فى هذا من باب التثقيف الذاتى لقراءة مؤلفاتى وكتبى فى هذا المجال – بقدر ما تكشف عن تواضع الخيال وغياب الرؤية لدى هذا الوزير، وسطحية تفكيره فى القضايا محل النقاش والجدل العام.
فمثلما ابتليت مصر بوزراء من أمثال وزير التموين السابق (حسن خضر) الذى ذهب إلى حد اقتراح تأجير أراضى فى كندا لزراعة القمح وتلبية حاجات المصريين منه ..!! وكذلك ما ابتليت به من وزير بعينة "يوسف والى" الذى تبنى طوال ربع قرن استراتيجية زراعة الفراولة والكانتلوب وغيرها من زراعات النباتات العطرية بديلا عن زراعة المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والأرز والشعير بحجج متهافتة من عينة تصدير المنتجات الأولى الأعلى سعرا فى السوق العالمية ، وشراء القمح وغيرها الأقل سعرا ، وغاب عنه وعن القيادة السياسية التى عينته وأبقته على قلوبنا ربع قرن كامل، الأبعاد الاستراتيجية لتأمين المقومات الأساسية لغذاء الشعب المصرى، حتى لو تنازلنا عن بعض الأرباح المالية القليلة الشأن. وكان من نتيجة هذه السياسات أن أسلمت القرار السياسى المصرى للولايات المتحدة ، تماما مثلما فعلوا فى موضوع تنويع مصادر السلاح ، فإذا به بعد عشر سنوات من إعلان هذه السياسة عام 1974 ، نتحول إلى زبون دائم لمصدر واحد ووحيد للتسلح هو الولايات المتحدة الأمريكية ، أى ببساطة فى قبضة إسرائيل.
كما كان من نتائج سياسات وزير الزراعة السابق ، استيراد مبيدات " مسرطنة " لا نعرف حتى الآن على وجه اليقين كم من المصريين أصيبوا بهذا المرض الفتاك من جراء استخدام تلك المبيدات المسرطنة طوال عشرين عاما من سياساته ، كما ابتليت مصر بوزراء من عينة "محمود محي الدين " الذى تحول بلا فخر إلى دور أستاذه الذى علمه السحر "د. عاطف عبيد " أى إلى المصفى والسمسار لبيع أصول مصر الإنتاجية بأبخس الأثمان ، فى عمليات بيع يشوبها الكثير من الغموض ويحيط بها الكثير من الفضائح وعلامات الاستفهام ، وليس أقلها صفقة أو فضيحة بيع " عمر أفندى ".
وهكذا فنحن اليوم أمام وزير لا يدرك الفرق بين المظاهر والأسباب ، وبين السلوك والدوافع ، وبين الظاهر والباطن ، فالشعب المصرى المشهور عنه إطلاق النكات، والضحك على النكات، والعيش بالنكات، كوسيلة للتسرية وتخيف ضغوط الحياة، والصبر بها على المكارة، قد تحول فعليا إلى شعب عبوس، مكتئب، حزين، والسؤال الذى لم يسأله هذا الوزير إلى نفسه، ولم يشغل تفكيره بالبحث عن إجابة له هو: لماذا حدث هذا التحول النفسى الرهيب؟
أذن لم يحاول الرجل البحث عن إجابة أمينة لهذا السؤال، وكذلك يفعل بقية زملائه مـن المسئولين والوزراء، ذلك أن تلك الإجابة كانت ستذهب بهم إلى طريق العروبة.. !!
نعم .. الطريق المؤدى إلى من عينهم فى مناصبهم، إلى رئيس الجمهورية وعائلته الذين يتصرفون فى الدولة والشعب كأنهم ق

مخاطر مشروع قانون الوظيفة العامة على الموظفين

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

أنشغل الفكر والفقه الإدارى المصرى منذ منتصف القرن الماضى، بقضية من أكثر القضايا تعقيدا وتشابكا، إلا وهى "قياس كفاءة إداء العاملين" بالمنظمات الحكومية والخدمية ، وكان الجهد منصبا على كيفية وضع نظام يضمن ترتيب كفاءة العاملين من ناحية ، وكشف القدرات المميزة من ناحية أخرى. وفى هذا الأطار تكشف دراستنا تلك التطور الفكرى والفقهى التاريخى، وما أسفرت عنه التجربة العملية من مشكلات، وإيجاد حلول تتناسب مع الحقائق الجديدة فى مجال الإدارة الحكومية، والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية المصاحبة لها.
وبعد مرور أكثر من نصف قرن عاد الحديث مرة أخرى حول مراتب ومعايير تقدير كفاءة العاملين، مما أستلزم تأصيل موقف نظرى ممزوج بالخبرة العملية وتفعيل أفضل ما وصل إليه الفكر الإدارى والفقه المصرى والمعبر عنه فى القانون رقم 47 لسنة 1978 وتعديلاته، ومناقشة الأفكار الجديدة المطروحة بشأن تعديل نظام قياس كفاية الأداء ومدى قدرتها على حل معضلات الواقع الراهن ، خاصة بعد أن تردد أكثر من مرة حديث وزير التنمية الإدارية، وغيره من الهابطين بالبراشوت على حقل الإدارة الحكومية والوظيفة العامة.
وتكشف الأفكار التى طرحها هؤلاء (الأهرام بتاريخ 21/12/2005) عن مدى السذاجة فى طرح أفكار ووضع مشروعات قوانين ، ستؤدى لا محالة إلى إهدار حقوق العاملين من جهة ، وتفتح الباب واسعا للوساطة والمحسوبية بعد شرعنتها قانونيا.

1-التطور التاريخى لنظام تقارير الكفاية
أستقر الرأى منذ قرن مضى على أهمية تقدير كفاية الأداء للعاملين بالإدارة الحكومية، ويظهر ذلك واضحا مما نصت عليه النظم الحاكمة للوظيفة العامة وفقا للتطور التالى:
– صدر الأمر العالى فى 10/4/1883 متضمنا أول نظام لائحى للوظيفة العامة فى مصر، أوجبت أحكامه إجراء بيان لأحوال جميع المستخدمين ، وبناء عليه يتم أعداد جداول الترقى.
– ولم تستمر تجربة تقدير كفاية الأداء للمستخدمين ، فصدر الأمر العالى فى 2/12/1893 والأمر العالى فى 24/5/1901 ، وتغيب فيهما تنظيم مسألة تقدير كفاية الأداء، ومع هذا ظلت التعليمات تؤكد أهمية مراعاة الجدارة فيما يخص الترقيات والعلاوات، إلا أن غياب المظلة التشريعية أفقد هذه التعليمات القوة التنفيذية.
ولنصف قرن لاحق ظل دعاة الإصلاح الإدارى ينادون بضرورة عودة نظام الجدارة، بأعتباره أحد الوسائل الضرورية لتصويب مسار الإدارة الحكومية ن عبر استخدام نظم قياس كفاية الأداء.
وقد استجابت الحكومة المصرية لدعاة الإصلاح الإدارى بعد إعداد تقرير الخبير الإنجليزى sinker عام 1950 ، وصدر القانون رقم (210) لسنة 1951 متضمنا تنظيما شاملا لتقدير كفاية الأداء تتمثل فى:
– إعداد ملف لكل موظف يتضمن الملاحظات المتعلقة بأداء العمل .
– إعلان الموظف بتقرير كفايته وإقرار حق التظلم .
– الإعتداد بتقدير الكفاية عند الترقية ومنح العلاوات .
– تقدير كفاية الأداء يكون بمرتبة جيد أو متوسط أو ضعيف .
– يخضع جميع الموظفين لنظام تقارير كفاية الأداء عدا درجة مدير عام ورؤساء المصالح .
وقد أدخلت تعديلات على نظام العاملين بمقتضى القانون رقم 73 لسنة 1957 وكان أهمها :
– التقارير السنوية سرية لجميع الموظفين من الدرجة الثالثة فما دونها .
– إعلان الموظف الذى يكون تقريره بدرجة ضعيف فقط .
– مراتب الكفاية للأداء تعدلت إلى "ممتاز" أو جيد أو "مرض" أو ضعيف .
– الموظف الذى يقدم عنه تقريران بمرتبة ضعيف ينظر فى أمر نقله لوظيفة أخرى، وإذا قدرت كفايته بعد ذلك بذات المرتبة يتم فصله .
وكانت النتائج المحققة من نظام قياس كفاية الأداء محدودة ، وصدر القانون رقم 46 لسنة 1964 ، متضمنا أحكاما جديدة تمثلت فى :
– الموظفون حتى الدرجة الثالثة يخضعون لنظام تقاير الكفاية السرية ، ويعلن فقط من قدرت كفايته بمرتبة ضعيف أو دون المتوسط .
– مراتب الكفاية تكون " ممتاز " أو " جيد " أو متوسط ، أو دون المتوسط أو ضعيف .
– يجب لفت نظر العامل إلى أن أداءه دون المتوسط مع ذكر المبررات .
– ويحرم من الترقية والعلاوة من يوضع عنه تقرير بمرتبة ضعيف أو تقريران بمرتبة دون المتوسط .
ثم صدر القانون رقم ( 58) لسنة 1971 متضمنا أحكاما مماثلة لما تضمنه القانون السابق ( رقم 46 لسنة 1964 ) ، إلا أنه أدخل تعديلا بشأن الفئات الخاضعة لنظام تقارير الكفاية ، وبمقتضاه يخضع جميع العاملين عدا شاغلى وظائف الإدارة العليا فضلا عن شاغلى الفئة التى يبدأ مربوطها المالى بمبلغ 876 جنيها .
أن أهم ما ترتب على تطبيق القانون رقم (46) لسنة 1964، وتأكد مع القانون رقم (58) لسنة 1971 ، أن قياس الأداء أصبح يتميز بطابع السرية ، ونجم عن ذلك إلغاء عملى للنظام ..!!
ثم صدر القانون رقم (47) لسنة 1978 ، والذى أخذ بتطبيق نظام ترتيب الوظائف، وتبعه صدور قرار رئيس الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة رقم (134) لسمة 1978 ، وقد تضمن القانون نظام لقياس كفاية الأداء تمثل فى أن تضع كل وحدة معايير يتم قياس كفاية الأداء على أساسها، مع أعتبار أن مستوى الأداء العادى يمثل حدا لكفاية الأداء (المادة 28).
كما أستحدثه قانون 47 لسنة 1978 فى نظام قياس كفاية الأداء حيث ينبغى التمييز القانونى والإدارى بين مفهومين:
الأول: معايير قياس كفاية الأداء.
والثانى: عناصر التقييم ذاتها.
فالمعايير قد تختلف طبقا لأختلاف النشاط (كالطبيب أو المدرس أو المهندس، أو العامل أو الموظف .. الخ) بينما عناصر تقييم أداء العمل وفقا
للخطة المعتمدة والقدرات الإدارية أو الفنية، وكذلك الجوانب السلوكية تكاد تكون واحدة، كما أستحدث القانون العناصر التالية:
1-أن مراتب كفاية الأداء تقدر بمرتبة " ممتاز " أو جيد أو متوسط أو ضعيف وفقا للمادة 28 من القانون .
2-يخضع جميع العاملين دون أستثناء لقياس كفاية الأداء .
3-يعلن جميع العاملين بمستوى أدائهم ، ولهم حق التظلم مع مراعاة إخطار العامل الذى يكون أدائه أقل من المستوى العادى أولا بأول .
4-يحرم العامل من الترقية والعلاوة إذا قدر بمرتبة ضعيف .
5-العامل الذى قدرت كفايته ضعيف سنتين متتاليتين ينقل لوظيفة أخرى ، فإذا تبين للجنة شئون العاملين عدم صلاخيته لوظيفة أخرى ، أقترحت فصله ، وإذا حصل على مرتبة ضعيف فى السنة التالية لنقله لوظيفة أخرى ، يفصل من اليوم التالى لأعتبار التقرير نهائيا .
6-تكون الترقية بالأختيار فى حدود النسب التى حددها المشرع من العاملين الحاصلين على مرتبة ممتاز فى السنتين السابقتين على الترقية ، فإذا لم يكن من هو مستوف لهذا الشرط تكون الترقية للحاصلين على مرتبة جيد .
7-منح العلاوات التشجيعية للحاصلين على مرتبة ممتاز فى السنتين السابقتين على منح العلاوة .
ويتبين من هذا العرض ما يلى:
أولا: أن التشريعات المنظمة للوظيفة العامة قد تطورت من الطابع السرى لقياس كفاية الأداء منذ القانون رقم (73) لسنة 1957 ، إلى علانية التقرير كما نص على ذلك فى القانون رقم (47) لسنة 1978 .
ثانيا: أن التشريعات المنظمة للوظيفة العامة منذ القانون رقم (210) لسنة 1951، وحـتى صدور القانون رقم (47) لسنة 1978 وتعديله بالقانون رقم (34) لسنة 1992 ، قـد أعتمدت فكرة تدرج مراتب قياس كفاية الأداء ، حيــث أعتمد القانون (210) ثلاث مراتب هى (جيد – متوسط – ضعيف) حتى أستقرت فى القانون (34) على خمس مراتب هى (ممتاز – جيد جدا – جيد – متوسط – ضعيف) لتتماشى مع تطور الفكر الإدارى الذى أنتهى إلى تدرج مستويات الأداء وفقا لمفاهيم ومعايير تتمايز بها درجات كفاءة أداء العاملين .
ثالثا: برزت فكرة الربط بين مرتبة "ممتاز" ومنح كل الحقوق والمزايا مثل الترقية والعلاوات التشجيعية وشهادات التقدير والمنح الدراسية وغيرها.
رابعا: ظل المشرع الإدارى عند موقفه تجاه الحاصلين على مرتبة ضعيف، والذى تدرج من الحرمان من العلاوة والترقية، ليصل إلى حد أنهاء الخدمة بضوابط معينة.
خامسا: لم يقتصر أستئثار الحاصلين على مرتبة "ممتاز" بالحقوق والمزايا المقررة بمقتضى القانون، بل أمتدت إلى المزايا المقررة وفقا للوائح الداخلية لكل وحدة والتى تشمل:

– المنح الدراسية.
– المنح التدريبية.
– الإعارات الخارجية.
– المنح الخارجية .
وترتب على تطبيق هذه الأحكام أعتبار مسألة حصول الموظف على درجة "ممتاز" أمرا ذو أهمية قصوى ولا نبالغ إذا قلنا مسألة حياة أو موت، مما أخضع الرئيس الإدارى لضغوط نفسية وأنسانية ، وساهم بالتالى بشكل مباشر فى تكوين ظاهرة " الكل ممتازون " ..!!
وهكذا بدا واضحا أن أهمية قياس كفاية أداء العنصر البشرى قد حسمت منذ أكثر من قرن مضى، إلا أن النقاش الإدارى ظل عالقا حول مدى جدوى النظام ومعايير تفعيله ، خاصة وأن المظلة التشريعية للنظام ترواحت بين الوجود الكامل (القانون 210 لسنــة 1951) والوجود الجزئى (القانون رقم 73 لسنة 1957 والقانون رقم 46 لسنة 1964، والقانون رقم 58 لسنة 1971) وعودة النظام كاملا بمقتضى القانون رقم (47) لسنة 1978 ، والمتضمن علانية التقرير والأخطار به ، والتظلم والربط بين تقدير الكفاية والحقوق والمزايا الوظيفية.
ومن أهم ما يلاحظ على التشريعات المتعاقبة أنها أغفلت معالجة فاعلية المعايير التى يعمل من خلالها نظام قياس كفاية الأداء، فأنعكس ذلك سلبا على العائد من التطبيق ، وظل الخلط قائما بين الجدوى من النظام وكيفية تفعيله ، وهو ما حدا بالمشرع الإدارى إلى إدخال تعديل بمقتضى القانون رقم (24) لسنة 1992 ليضيف مرتبة " جيد جدا " إلى تدرج مراتب الكفاية المقررة فى القانون رقم (47) لسنة 1978 المعمول به حاليا.

(2) نتائج تطور نظم قياس كفاية الأداء الراهن:
برغم تنبه المشرع الإدارى إلى ضرورة معالجة ظاهرة "الكل ممتازون" والتى أدت إلى تفشى حالة إدارية سلبية تمثلت فى:
1-تساوى غير موضوعى بين المجدين والممتازين بحق، والمهملين ومتواضعى الأداء.
2-إهدار أحد أهم أركان العمل الإدارى وهو الثواب والعقاب.
3-أنتشار مناخ من الصراع غير الإيجابى، وحالات من الأنهيار النفسى، إذا ما قدرت كفاية أحد العاملين أو الموظفين بمرتبة أقل من "ممتاز".
4-وضع الرئيس الإدارى فى موقف شديد الصعوبة نفسيا واجتماعيا وإداريا .

(3) قصور التعديل التشريعى عن معالجة المشكلة:
برغم أن المشرع الإدارى كان يتغيا من إدخال مرتبة "جيد جدا" على مراتب تقارير الكفاية المقررة معالجة ظاهرة "الكل ممتازون"، فأنه لم يضمن التعديل إعادة ترتيب الحقوق والمزايا الوظيفية، بحيث يتحقق نوع من التوازن بين تدرج مراتب الكفاية، وتدرج منح الحقوق والمزايا الوظيفية، وعلى نحو يسمح بدرجة من المرونة لدى الرئيس، مع أتاحة الفرصة للعاملين – ووفقا لتدرج مراتب كفايتهم – من الحصول على الحقوق والمزايا.
وقد صارت القرارات التنفيذية على نهج المشرع فيما يخص الربط الجامد بين مرتبة " ممتاز " والمزايا الوظيفية المختلفة مما ساهم فى تزايد حالة " الألتباس &quo
t; والتعقيد، وخلق مناخ من الضغوط على كل من الرئيس والمرؤس . .

(4) رؤية جديدة حول التعديلات المقترحة:
طرح الآن داخل الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة، ووزارة التنمية الإدارية وعلى المشرع الإدارى فكرة أستبدال النظام الراهن بنظام جديد يقوم على الآتى:
1-أتخاذ معيار الأداء " الجيد " أساسا لقياس كفاية الأداء ، خلافا لما هو مقرر الآن من الأعتداد بمعيار الأداء "العادى"، بما يعنى دمج مرتبتى (متوسط وضعيف) الموجودة فى النظام الحالى لتكون فى مرتبة " غير كفء " ، ثم دمج ثلاث مراتب معمول بها فى النظام السارى الآن وهى (جيد وجيد جدا وممتاز) لتكون بمرتبة واحدة هى "كف ".
2-أعتماد مرتبتين فقط لكفاية الأداء هما ، كفء وغير كفء .
3-إلزام الرئيس الإدارى المختص ، بأن يضع ترتيب العاملين تحت رئاسته والمقدر كفايتهم بمرتبة " كفء " فى ترتيب تنازلى لشاغلى كل درجة مالية.
4-أن ترتيب مرتبة الكفاية " كفء " هو أساس الترقية بالأختيار.
والسؤال هو: هل المقترحات المشار إليها والمقدمة فى مسودات القوانين المعروضة من وزارة التنمية الإدارية كفيلة بحل المشكلة؟
الحقيقة أن التناول الموضوعى للمقترحات والأفكار التى عبر عنها وزير التنمية الإدارية مؤخرا لن تؤدى إلى حل المشكلات الراهنة ، ويمكننا هنا أبداء الملاحظات التالية:
1-أن أختزال مراتب الكفاية فى مرتبتين فقط (كفء وغير كفء) ليس كفيلا وحده بحل مشكلة الكل "ممتازون"، حيث تؤكد الخبرة العملية الطويلة أن الجميع سوف يتحولون إلى " كفء).
2-حتى فى حال الترتيب التنازلى، فأن هذا سيقتضى ترتيب الحقوق والمزايا الوظيفية مثل (الترقية، العلاوات، المنح .. الخ) على نحو يربطها بالترتيب العددى التنازلى.
3-أن المقترحات الراهنة والتى تتسم بالجمود من شأنها أن تخلق حالة نفسية وإدارية متناحرة بين العاملين ، سواء كانوا رؤساء أو مرؤوسين.
4-إن إلزام الرئيس بوضع ترتيب تنازلى لمرتبة "كفء" وربطه بالحقوق والمزايا الوظيفية، خاصة الترقية سوف يؤدى إلى محدودية فرص الترقى ويقصرها على المتقدمين فى الترتيب العددى، مما يزيد من حالة التناحر بين العاملين.
5-النظام المقترح لا يضمن تحييد عناصر التحيز والمجاملة من جانب الرؤساء لبعض مرؤوسيهم، خاصة فى ظل غياب معايير موضوعية، ونظام صارم للتقييم الدورى للمرؤوسين.
6-وضع الرؤساء تحت ضغوط مزدوجة بسبب إلزامهم بترتيب مرؤوسيهم تنازليا، حتى لا تقدر كفاية الرؤساء أنفسهم بمرتبة "غير كفء"، مما يؤثر سلبا على سلامة عملية التقدير.
7-تكوين حالة من الضغوط الشديدة على كل من الرؤساء والمرؤوسين ، تؤدى إلى أضعاف فرص خلق بيئة عمل تعاونية، تحرمنا أمكانية تفعيل نظام فرق العمل ، الذى يمثل ملاذا ومخرجا لمواجهة تضخم الهياكل الوظيفية والتنظيمية بالجهاز الإدارى للدولة فى ضوء الوضع الراهن .
8-لم تتضمن المقترحات المعلن عنها كيفية التعامل مع الأثر القانونى لحصول أحد العاملين على مرتبة " غير كفء " لسنتين متتاليتين ، هل سيكون بنفس الأثر الذى وصفته المادة ( 35) من القانون رقم (47) لسنة 1978 ، أم سيكون له أثر قانونى مختلف؟

(5) أفكار ومقترحات بديلة بشأن حل مشكلة النظام الراهن:
عبرت ظاهرة الكل "ممتازون" عن مشكلة عميقة فى الأداء الإدارى والوظيفى المصرى، ولم تكن هذه الظاهرة سوى نتاج موضوعى لمجموعة من الإجراءات العملية الإدارية التى استمرت لسنوات طويلة بالإدارة الحكومية، والتى بمقتضاها تم الربط الميكانيكى الصارم بين الحصول على مرتبة "ممتاز" والحقوق والمزايا الوظيفية المقررة قانونيا وفى اللوائح التنفيذية الداخلية بكل وحدة إدارية.
وبرغم تنبه المشرع الإدارى لخطورة استمرار ظاهرة "الكل ممتازون" ما دعاه إلى إجراء تعديل تشريعى تم بمقتضاه أدخال مرتبة "جيد جدا" ضمن مراتب الكفاية المقررة فى قانون العاملين وذلك عام 1992 ، بيد أن هذا الإجراء لم يستكمل بما هو ضرورى ويتمثل فى مجموعة من الإجراءات التى نراها هامة مثل:
1- فى حال الترقية بالأختيار، ينص على أن يكون أخر تقريرين للمرشح للترقية بمرتبة "ممتاز" أو ثلاثة تقارير بمرتبة "جيد جدا " .
2- بالنسبة للعلاوات التشجيعية ينص أيضا على أن يكون أخر تقريرين بمرتبة "ممتاز " أو أخر ثلاثة تقارير بمرتبة "جيد جدا " .
3- وفى حالة المزايا الأخرى (المنح الدراسية أو التدريبية) فينص أيضا على الأحكام السابقة التى عرضناها أعلاه.
4- إلزام الرئيس المختص بوضع التقرير بتسلم سجلات يدون فيها أولا بأول وبصورة دورية (كل ثلاثة شهور) مستوى أداء العامل وفقا لجميع عناصر التقييم المعمول بها فى التقرير، وتكون هذه السجلات محل نظر الرئيس الأعلى عند وضع التقرير النهائى للموظف أو العامل.
5- تقديم مشروع قانون بتعديل المواد المتعلقة بنظام قياس كفاية الأداء، والمنصوص عليه بقانون العاملين المدنيين بالدولة رقم (47) لسنة 1978، على أن يتضمن مشروع القانون المقترحات السابقة مع مراعاة تعديل القرارات التنفيذية واللائحية فى هذا الشأن .

الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لكارثة أنفلونزا الطيور

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

كنت قد دعيت إلى ندوة علمية متخصصة فى حزب "الكرامة"، حول كارثة أنفلونزا الطيور ، حضرها لفيف من المواطنين وعدد من أساتذة الطب البيطرى المتخصصين فى " باثولوجيا " الدواجن ، وقد لفت نظرى ما أشار إليه الأستاذ الدكتور " فارس الخياط " ، أستاذ علم الحيوان بكلية الطب البيطرى فى كفر الشيخ ، عن تاريخ هذا المرض الذى بدأ ظهوره منذ أواخر القرن التاسع عشر وتحديدا فى عام 1986 ، وكيف أصاب دولا وشعوبا عديدة ، والجديد الذى لم أكن على دراية به ، أن هذا المرض قد لحق بالطيور فى مصر عام 1958 ، وبرغم ذلك لم يصب المجتمع المصرى بحالة الفزع تلك ، ولم يتضرر منها اقتصاد المجتمع المصرى ، والفقراء فيه مثلما حدث فى هذه المرة ، ولم تمارس الدولة وأجهزتها الشرطية والصحية حالة القهر على فقراء المربين ، أو أصحاب المحلات التى تتولى عمليات البيع والذبح .
أذن .. ما الجديد الآن الذى جعل إدارة الدولة ونظام الرئيس " مبارك " يتصرف بتلك الطريقة التى أقل ما يمكن أن توصف بها ، انها " مرعوبة " ومدفوعة بغرض غامض ؟
سنحاول أن نشرحه من خلال قراءة أقتصادية واجتماعية لأبعاد هذه الأزمة/ الكارثة.

أولا: فى الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للكارثة

ركزت معظم وسائل الأعلام الحكومية حول بعد واحد تقريبا ، إلا وهو الخسائر المالية للمربين والبائعين للدواجن والطيور ، وأهملت أو يكاد بعدا مهما جدا ، إلا وهو المتعلق " بالمستهلكين " الفقراء الذين يجدون فى الدواجن والطيور الفرصة الوحيدة تقريبا فى التعلق بالبروتين الحيوانى ، بعد أن نجحت " مافيا اللحوم " فى قتل مشروع " البتلو " ، ثم نجحت أيضا فى تدمير مشروع أستيراد اللحوم الرخيصة من السودان والصومال ، وهكذا أحتكروا السوق المصرى وقفزوا بسعر كيلو اللحوم الحمراء من أقل من 15 جنيها للكيلو فى المتوسط إلى 30 جنيها فى المتوسط ، مع تفاوت بحسب المناطق الجغرافية أو نوع اللحوم.
أذن، عندما نتحدث عن الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية علينا أن نتعرف على أربعة عناصر أو مكونات لها هى:
1-خسائر المنتجين الذين يمثلون حوالى 25 ألف مزرعة مرخصة، بخلاف 25 ألف مزرعة غير مرخصة، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من المزارع العائلية للأسر الفقيرة.
2-خسائر البائعين، فقد نجحت هذه الصناعة فى خلق ما يقارب 400 ألف إلى 500 ألف منفذ بيع يعمل بها حوالى 2 مليون شخص يعولون بدورهم أسرا يزيد عددها على 6 مليون إلى 9 مليون إنسان.
3-خسائر البنوك ، خاصة بنك التنمية والإئتمان الزراعى الذى بلغت حجم قروضه لقطاع الثروة الداجنة القصيرة والمتوسطة الأجل عام 2003/2004 حوالى 246 مليون جنية.
4-المستهلكون حيث يبلغ عدد الأسر فى مصر حوالى 15 مليون إلى 16 مليون أسرة ، منهم حوالى 12 مليون أسرة تمثل لهم الطيور والدواجن تحديدا، منفذهم الوحيد تقريبا إلى البروتين الحيوانى، بسبب تناسب سعره مع دخولهم ومستويات أجورهم ومرتباتهم، وحتى نتعرف أكثر على حجم الكارثة دعونا نتأمل حجم هذه الصناعة الضخمة.

ثانيا: حجم الصناعة من الطيور والدواجن
برغم عدم دقة البيانات والأحصاءات الحكومية الرسمية حول أنتاجنا من الطيور والثروة الداجنة، فأننا فضلنا أن نتعامل مع هذه البيانات بأعتبارها مجرد مؤشرات تقديرية قد تقترب من الصورة الواقعية دون أن تشملها كلها ، فالكتاب الأحصائى السنوى لعام 2004 الصادر عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، لم يتضمن أى ذكر لحجم الثروة الداجنة، برغم أن هذا البيان كان يتواجد فى إصدارات السنوات السابقة، وعموما تواجهنا هنا الحقائق التالية:
1-أن حجم أنتاجنا من الدجاج المنزلى كان يتراوح بين 45.3 مليون دجاجة سنويا عام 98/1999 ، إلى نحو 850 مليون دجاجة عام 2003/2004 ، وتتم عمليات ذبح ما يعادل 3 إلى 5 ملايين دجاجة يوميا ، أى ما قيمته 30 إلى 50 مليون جنية يوميا ، وهو ما يعادل 11 مليار جنية سنويا إلى 15 مليار جنية .
2-أنتاجنا من البط عام 98/1999 كان حوالى 14.1 مليون بطة ، وأصبح عام 2003/2004 يعادل 35 مليون بطة ، والأوز 56 مليون ، والدجاج الرومى حوالى 1.5 مليون ديك رومى.
3-أما الحمام – غير الحامل أو الناقل لعدوى أنفلونزا الطيور على الأطلاق – فقد كان أنتاجنا منه حوالى 60 مليون حمامة بلدى، والأرانب حوالى 31 مليونا. وهؤلاء جميعا يبلغ حجم مبيعاتها اليومية حوالى 3 مليون جنية أى ما يعادل مليار جنية سنويا.
4-وإذا أضفنا إلى ذلك أنتاجنا من البيض – وهو أحد نواتج هذه الصناعة الضخمة – حيث يبلغ أنتاجنا السنوى من البيض حوالى 10.3 مليار بيضة ، وإذا أستبعدنا منها بيض التفريخ حيث تبلغ نسبة الكتاكيت المفرخة إلى البيض الموضوع للتفريخ حوالى 75% إلى 80% فى المتوسط، يكون لدينا حجم مبيعات من البيض يعادل 15 مليون بيضة إلى 20 مليون بيضة يوميا، اى ما يعادل 5 ملايين إلى 6.5 مليون جنية يوميا، اى حوالى 2 مليار جنية سنويا،
اى أننا نتحدث هنا عن حجم مبيعات تقدر بحوالى 18 مليار جنية عن عام 2003/2004.
5-ويرتبط بهذه الصناعة كما سبق وأشرنا، البعد التمويلى لها خاصة البنك الرئيسى للإئتمان والتنمية الزراعية، الذى بلغت قروضه لها حوالى 246 مليون جنية موزعة كالتالى:
– قروض قصيرة الأجل حوالى 102.3 مليون جنية .
– قروض متوسطة الأجل 89.7 مليون جنية .
– قروض للشباب قصيرة الأجل 9.5 مليون جنية .
– قروض للشباب متوسطة الأجل 44.5 مليون جنية .
هذا بخلاف قروض الصندوق الاجتماعى للتنمية ، الذى لا نعرف على وجه الدقة كم مول فى هذا ال

المخاطر المحيطة بأموال التأمينات الاجتماعية بعد ضم هيئتى التأمينات إلى وزارة المالية

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

منذ عقود طويلة، قامت فلسفة المشرع المصرى، واقتباسا من النظم التأمينية الحديثة فى أوربا، على ضرورة الفصل بين مؤسسات التأمين الاجتماعى ونظم معاشات التقاعد retirements من جهة ووزارات وهيئات العمل الحكومى التنفيذى من جهة أخرى. وقد استندت تلك النظرة – الصحيحة – على مفهومين أساسيين :
الأول: هو تجنب أن تتغول السلطات التنفيذية على أموال هذه الصناديق التأمينية، خاصة إذا ما اشتدت ملامح الأزمات الاقتصادية والمالية التى غالبا ما تعانى منه اقتصاديات الدول المختلفة ومن بينها مصر مما يمثل ضررا فادحا على أصحاب المعاشات وهم الفئات الأكثر فقرا وحاجة فى المجتمع.
الثانى: ضمان الاستقلالية المالية والإدارية لهذه الصناديق ومجالس إداراتها واستثمارها فى المجالات الآمنة من أجل تعظيم العائد منها بعيدا عن مجالات المخاطرة ووفقا لآليات العمل الاقتصادى والاستثمارى السائد فى المجتمع.
وبرغم ما تعرضت له الحكومات المصرية المختلفة طوال العقود السبعة الماضية منذ عرفت مصر نظم التأمين الاجتماعى – أو صندوق الادخار كما كان يسمى – من أزمات عاصفة، ليس أقلها ما حدث فى الخامس من يونيو عام 1967 وتداعياتها الكارثية، فقد ظل هذا المفهوم سائدا، وحافظت فيه هذه الحكومات على مسافة من الاستقلالية لأموال التأمينات الاجتماعية بعيدا عن هيمنة الوزارات التنفيذية،
بيد أن ما جرى فى التشكيل الوزارى الأخير (يناير 2006) من ضم صناديق التأمين الاجتماعى والمعاشات إلى الهيكل التنظيمى لوزارة المالية، وحسم تلك المعركة المكتومة التى ظلت تدور فى الكواليس منذ عدة سنوات وصمدت فيها الوزيرة السابقة (أمينة الجندى)، حتى تم التخلص منها وضم هذه الصناديق إلى وزارة المالية التى يتولاها أسوأ العناصر الوزارية فى العمل التنفيذى – والحقيقة أنهم جميعا أسوأ من بعضهم البعض – يشى بمخاطر حقيقية على هذه الأموال، كما تكشف عن تدهور جديد فى العقل التشريعى والتنفيذى الذى أدار هذه العملية التنظيمية والمالية .. كيف؟
دعونا بداية نتوقف بالشرح عند هيكل النظام التأمينى المصرى الراهن:

أولا : هيكل النظام التأميني المصرى
يتكون النظام التأمينى المصرى الراهن من ثلاثة مكونات أساسية هى:
1-نظم التأمين الحكومية الممثلة فى هيئتى التأمين والمعاشات والتأمينات الاجتماعية اللذين أدمجا فى هيئة قومية واحدة عام 1994 ويغطى هذا النظام التقاعد والعجز والشيخوخة، وإصابات العمل وفقا للقوانين الأربعة الرئيسية وهم، القانون رقم 79 لسنة 1975 الخاص بالعاملين بالحكومة والقطاع العام ، والقانون رقم 108 لسنة 1976 الخاص بأصحاب الأعمال، والقانون رقم 112 لسنة 1980 الخاص بالعمالة غير المنظمة، والقانون رقم 50 لسنة 1978 الخاص بالتأمين على العاملين المصريين بالخارج، وقد جرى على هذه القوانين تعديلات كثيرة وتنقيحات متعددة لتوائم بها الظروف المتغيرة على أوضاع العمالة المصرية سواء فى الداخل أو الخارج. وينضوى تحت لواء هذه المظلة عدد من المشتركين المؤمن عليهم زاد عددهم عام 87/1988 على 13.1 مليون شخص ، ووصل عام 2003/2004 إلى 18.7 مليون شخص .
2-نظم التأمين التكميلى ، وهى صناديق تأمين إضافية أرتضى العاملون بالكثير من المصالح الحكومية والقوات المسلحة والشرطة وغيرهم وجودها لاستشعارهم بأن نظم التأمينات الحكومية لم تعد تفى بإحتياجاتهم ، سواء بالنسبة لمكافآت نهاية الخدمة ، أو معاشات التقاعد أو أصابات العمل والوفاه .. الخ

وقد أنتشرت هذه الصناديق – التى تشرف عليها الهيئة المصرية للرقابة على التأمين الحائرة بين الوزارات المختلفة – منذ مطلع الثمانينات ويكاد يزيد عدد المشتركين فيها على 5 مليون مشترك . وداخل هذه الصناديق تتباين وتتفاوت المكافآت المصروفة فى نهاية الخدمة لتتجاوز لدى ضباط القوات المسلحة والشرطة عشرات الالآف من الجنيهات وتقارب أحيانا المائتى ألف جنيه لبعض الرتب العليا، ويجرى تمويلها عادة ليس من اشتراكات أعضاءها، وإنما من المنح التى تقدمها وزارة المالية فى الموازنة العامة لبعض هذه الصناديق مثل صندوق تأمين العاملين فى السلكيين الدبلوماسى والقنصلى بوزارة الخارجية أو صندوق ضباط القوات المسلحة أو صندوق ضباط الشرطة ، وكذا صندوق تأمين العاملين بجهاز المخابرات العامة .. الخ، ومن ثم فان هذه النظم التكميلية بوسائل تمويلها الراهنة قد شكلت أضافة لحالة التشوهات وعدم العدالة فى نظام التأمين الاجتماعى المصرى الراهن.
3-نظم التأمين التجارى، الخاصة على الحياة الموجودة لدى شركات التأمين التجارية التى انتشرت منذ أوائل الثمانينات وزاد عددها حاليا عن 21 شركة تأمين خاصة وحكومية، ويخضع هذا النظام إلى متطلبات واحتياجات السوق التجارية، بمعنى ضرورة توافق أقساطه مع الشروط الإكتوارية ونظم التعويضات المعمول بها، وهو وإن كان هذا النظام له أنتشاره فى الولايات المتحدة الأمريكية ، وبعض الدول الغربية، فإنه بالمقابل لا يحظى بانتشار كبير فى الحالة المصرية لأسباب عديدة لا مجال للخوض فيها الآن.
ومن بين هذه النظم، يمثل نظام التأمين الحكومى مركز الثقل الأساسى، سواء من حيث عدد المشتركين فيه، أو الأموال المستثمرة فيه، أو حتى التعويضات المدفوعة، وكذا عدد أصحاب المعاشات والمستحقين عنهم، والذين زاد عددهم تدريجيا حتى بلغ عام 2003/2004 حوالى 7.4 مليون إنسان.
لذا فسوف نخصص مقالنا هذا عن نظام التأمين الحكومى ، على أن نرجىء شرح وتحليل الن

قراءة فى الموازنة العامة للدولة للعام 2005/2006

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

كنت قد آليت على نفسى منذ عدة سنوات ، مهمة شرح وتحليل مكونات ودلالات غابة الأرقام التى تقدمها الحكومة المصرية كل عام إلى مجلس الشعب، فيما يسمى "الموازنة العامة للدولة"، ونشرت فى هذا عدة مقالات فى صحف وطنية مصرية، كشفت فيها عن خفايا وأسرار هذه الموازنات ، والألاعيب المحاسبية التى تلجأ إليها الحكومة وخبراءها من أجل طمس معالم واتجاهات الإنفاق الحكومى الحقيقى، وكذلك المنابع الحقيقية للإيرادات العامة التى يتحمل معظمها الفقراء ومحدودى الدخل.
وهــا أنا ذا أستكمل هذه المهمة بتحليل مضامين وأكاذيب الموازنة العامة الجديدة (2005/2006)، التى قدمها إلى مجلس الشعب وزير المالية السليط "د. يوسف بطرس غالى" وسط ضجيج إعلامى مبالغ فيه، مغلفا إياها بشعارات من قبيل "الفكر الجديد" و "الثوب الجديد" و "الشفافية" وغيرها.
أذن .. دعونا نتأمل دلالات الأرقام فى موازنة يوسف بطرس غالى الجديدة لنتبين مواطن الخلل ، وأوجه الضرر والقصور.
أولا : تغيير تبويب الموازنة يهدف إلى إرباك التحليل المالى والاقتصادى
كما هى عادة "د. يوسف بطرس غالى" حينما يتولى شأن وزارة من الوزارات، ينشغل بداية – ونهاية – ليس بالأداء والنتائج، وإنما فيما يسميه "البنية التحتية " للعمل الإدارى فى الوزارة ، فيشغلنا معه بإصدار القوانين الجديدة ، وبناء الهياكل التنظيمية الجديدة، والقرارات اللائحية (الوزارية) الجديدة، وما كاد ينتهى من هذه الأعمال البيروقراطية على مدى ثلاث أو أربع سنوات، إلا وينتقل إلى وزارة أخرى (الاقتصاد، التجارة الخارجية، المالية ..الخ)، فنحن إزاء وزير بيروقراطى مولع بالترتيبات الإدارية والقانونية، وقليل الإنجاز فى مجال اختصاص الوزارات التى تولاها حتى اليوم .
فما هى إلا شهور قليلة على توليه شئون وزارة المالية، إلا وأعد قانون جديد لتعديل تبويب الموازنة العامة للدولة، وصدر عن مجلس الشعب المصرى دون مناقشة تستحقها خطورة الأمر (القانون رقم 87 لسنة 2005).
وقد صور الأمر إعلاميا بأنه إضفاء شفافية أكثر على بيانات الموازنة العامة للدولة، بما يتسق مع التبويب الدولى ، فكل ما هو دولى محل إعجاب واحترام من السيد الوزير ، برغم أن الحقيقة تؤكد أن ما جرى من تعديل فى تبويب الموازنة لم يكن سوى مسخ مشوه للتبويب الفرنسى للموازنة المالية ، فلا هى التزمت أصوله ومبادئه، ولا هى حافظت أو طورت التبويب الذى كان معمولا به فى مصر ، ويوفر وسيلة مثلى للمقارنة التاريخية لنمط الإنفاق، وأولويات الموازنة الحكومية أمام الدارسين والباحثين.
لقد درجت الموازنة العامة للدولة طوال السبعين عاما الماضية على تقسيم أبواب الميزانية بين أربعة أبواب للاستخدامات وهى:
-الباب الأول: الأجور والمرتبات.
-الباب الثانى: ويشمل النفقات الجارية والتحويلات الجارية.
-الباب الثالث: ويضم الاستخدامات الاستثمارية بأنواعها المختلفة.
-الباب الرابع: ويشمل التحويلات الرأسمالية.
ويندرج تحت كل باب من هذه الأبواب عددا من المجموعات، ثم كل مجموعة عددا من البنود، ويليها الأنواع ثم الأفرع، ليشكلوا بذلك لوحة تفصيلية متكاملة للموقف المالى للإدارة الحكومية.
صحيح أن تعديل قانون الموازنة عام 1979 (القانون رقم 11 لسنة 1979)، قد أخرج الهيئات الاقتصادية (وعددها حوالى 80 هيئة) وشركات القطاع العام (وعددها 380 شركة) من هيكل وصلب الموازنة العامة للدولة بزعم منحها مرونة أكبر فى الحركة ، وإدارتها على أسس اقتصادية من أجل تحقيق الربح، وكانت هذه من أكبر الخطايا والآثام.
عموما، جاء التعديل الجديد للموازنة بالقانون رقم 87 لسنة 2005 ، بتقسيمات جديدة ، فوزع أبواب الإنفاق إلى ثمانية بدلا من أربعة وهى :
-الباب الأول: الأجور.
-الباب الثانى: شراء السلع والخدمات.
-الباب الثالث: الفوائد.
-الباب الرابع: الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية.
-الباب الخامس: المصروفات الأخرى.
-الباب السادس: شراء الأصول غير المالية (الاستثمارات).
-الباب السابع: مدفوعات حيازة الأصول المالية.
-الباب الثامن: سداد القروض المحلية والأجنبية.
والحقيقة أن هذا التقسيم الجديد لم يضف شيئا من الشفافية أو الوضوح ، بقدر ما أدى عمليا إلى إرباك عملية التحليل المالى والاقتصادي أمام الدارسين والباحثين للتطور المقارن لاعتمادات ومخصصات الموازنة العامة للدولة ، سواء فى جانب النفقات، أو جوانب الإيرادات التى قسمها بدورها إلى خمسة أبواب هى :
-الباب الأول: الضرائب .
-الباب الثانى: المنح .
-الباب الثالث: الإيرادات الأخرى .
-الباب الرابع: متحصلات الإقراض ومبيعات الأصول (الخصخصة).
-الباب الخامس: الاقتراض وإصدار الأوراق المالية.
ويهمنا هنا أن نوضح الحقائق التالية:
1- أن التبويب القديم كان يتضمن تفاصيل كاملة حول كل أنواع الإنفاق والإيرادات بصورة واضحة ( مجموعات – بنود – أنواع – فروع ) ، أما التبويب الجديد فهو لم يضف جديدا بقدر الإرباك والتشويش .
2- أن التقسيم الإدارى أو الوظيفى الذى كان سائدا ( 15 قطاع ) مثل قطاعات الزراعة والصناعة والتعليم والدفاع والأمن … الخ ، قد أصبح الآن أكثر غموضا، وبدلا من تفكيك التقسيمات القديمة إلى 20 قطاعا، حتى يتسنى التعرف بدقة على مخصصات الإنفاق لأنشطة مثل البحوث والشباب، أو الشئون الدينية أو الشئون الاجتماعية، نجدنا الآن بصدد تقسيمات وظي
فية مدمجة أكثر (10قطاعات) تحت مسميات غير ذات دلالة مثل: الخدمات العامة، الشئون الاقتصادية، حماية البيئة، الإسكان والمرافق والمجتمعات، الشئون الصحية، الشباب والثقافة والشئون الدينية، التعليم، والحماية الاجتماعية.
فما هى أوجه الدمج بين أنشطة الشباب والثقافة والشئون الدينية معا ، سوى إخفاء مضامين غير إيجابية خاصة لقطاع الشئون الدينية، الذى بات يبتلع جزءا ليس بقليل من مخصصات الموازنة، بما أصبح يضفى على الدولة المدنية طابعا دينيا مغرقا فى الأزهرية والسلفية، مقابل تواضع مخصصات البحث العلمى أو الثقافة فى الموازنة العامة.
ثانيا: أكذوبة زيادة الدعم السلعى والإنفاق الإجتماعى
تضمن البيان المالى الذى قدمه وزير المالية (د. يوسف بطرس غالى)، أرقاما حول ما أسماه تحقيق " الأهداف الاجتماعية " بقيمة 93.7 مليار جنية ، أى ما يشكل نصف مصروفات الموازنة لذلك العام ، والبالغة 187.8 مليار جنية .
فما هو وجه الحقيقة فى هذا الرقم ؟
تعالوا نتأمل توزيع هذه المخصصات الاجتماعية التى اشتملت على :
1-التعليم وخصص له 24.7 مليار جنية .
2-الصحة وخصص لها 8.2 مليار جنية.
3-الدعم وخصص لها 35.4 مليار جنية (منها 9.8 مليار جنية فقط لدعم أسعار السلع التموينية، وحوالى22.1 مليار جنية دعم مفترض للمشتقات البترولية والغاز).
4-مسـاعدة نظم المعاشات والمساعدات الاجتماعية وخصص لها 19.1 مليار جنية.
5-خدمات للشباب والشئون الدينية والثقافية وخصص لها 6.3 مليار جنية .
فإذا تأملنا مخصصات ما يسمى " الدعم " نكتشف أنه ولأول مرة فى تاريخ الموازنة العامة المصرية يجرى التلاعب المحاسبى المكشوف بتضمين ما يسمى " الدعم الضمنى " للمشتقات البترولية والتى قدرت بنحو 22.1 مليار جنية ، أى أن فارق السعر بين بيع المنتجات البترولية المصرية فى الأسواق الدولية ، وسعرها المحلى قد جرى ضمه فى حسابات الموازنة فى صورة هزلية لا تصدر إلا من جماعات " مافيا " وليس إدارة دولة محترمة ..!!
فإذا كان المطلوب هو إشعار المواطنين بمدى ما يشكلونه من عبء على الدولة ، فإن الرسالة قد وصلت، أما إذا كنا بصدد تقييم اقتصادي صحيح فنحن بصدد مغالطة اقتصادية وسياسية، ونحن هنا أحوج ما نكون إلى إدارة سياسية واقتصادية جديدة للدولة والمجتمع تحقق لنا عدة أهداف هى:
-الأول: رفع مستوى الأجور والمرتبات المحلية إلى مثيلتها الدولية.
-الثانى: إعادة النظر فى معدلات الفائدة التى تقترض بها الحكومة منذ عقود طويلة أموال التأمينات والمعاشات الخاصة بالمواطنين ، ثم تعاود استثمارها بمعدلات فائدة تمثل ثلاثة أضعاف ( 4.5% إلى 9.0% حاليا مقابل سعر فائدة فى الأسواق يقارب 19% ).
ويقدر فارق السعر هذا بنحو 90 مليار جنية منذ عام 1974 حتى عام 2004 ، أى بمتوسط سنوى 3 مليارات جنية تحصل عليها الحكومة دون وجه حق من أصحاب المعاشات والتأمينات وكأننا هنا بصدد "دعم عكسى" من الفقراء ومحدودى الدخل إلى الحكومة المصرية.
فإذا قارنا بين مخصصات الدعم، وخفض تكاليف المعيشة منذ عام 1974 ، والتى تقارب حوالى 55 مليار جنية بتلك التى حصلت عليها الحكومة بسبب اقتراضها أموال التأمينات والمعاشات ، بأسعار فائدة تتراوح بين 4.5% إلى 9.0% خلال تلك الفترة الطويلة ، فى حين كانت أسعار الفائدة السوقية فى البنوك تدور حول 16% إلى 22% ، نكون بصدد حقيقة أن الفقراء وأصحاب المعاشات قد دعموا الحكومة المصرية خلال تلك الفترة بأكثر من 35 مليار جنية .
أما مخصصات الصحة فى الموازنة الجديدة ( والبالغة 8.2 مليار جنية ) ، فإذا قارناها بعدد المرضى المترددين على المستشفيات العامة والوحدات الصحية بالريف ، والبالغ عددهم عام 2003 حوالى 19 مليون إنسان ، أو بعدد السكان عموما (الصحة الوقائية) فأن نصيب الفرد لا يكاد يزيد عن 100 جنية سنويا ، أى أقل من سبعة جنيهات شهريا ، هذا ناهيك عن نمط وأولويات تخصيص هذا المبلغ ، حيث تستحوذ المستشفيات الكبرى بالعاصمة بنصيب الأسد ، بينما لا تحظى الوحدات الصحية التى تقوم على خدمة أكثر من 53% من السكان إلا بأقل القليل .
ثالثا: ألعوبة بند "الاعتماد الإجمالى"
كنا قد كتبنا عدة مقالات سابقة حول التلاعب المحاسبى والمالى الذى درج عليه خبراء الموازنة الحكوميين، من أجل إخراج كميات مالية كبيرة من مجال "المشروعية المالية"، أى الرقابة المسبقة للمجلس التشريعى، والأجهزة الرقابية اللاحقة على هذه الأموال ، وفردنا مجالا خاصا لما يسمى فى الموازنة "بند الاعتماد الإجمالى".
هذا البند الذى شهد قفزات كبيرة فى مخصصاته خلال عهد "الرئيس مبارك" تحديدا، فأصبح يضم مليارات الجنيهات ، لا تخضع للرقابة التشريعية أو غيرها .
وقد أشار وزير المالية فى بيان تقديم مشروع الموازنة الجديدة ، بأنه قد تم إلغاء الاعتمادات الإجمالية فى موازنة الجهات المختلفة (عدا الجهات ذات الطبيعة الخاصة)، ولم يذكر بالطبع هذه الجهات ذات الطبيعة الخاصة، وهى تحديدا القوات المسلحة والشرطة.
وقد تضمن بند الاعتماد الإجمالى حوالى 16.5 مليار جنية ، أى ما يعادل 9.0% تقريبا من إجمالي استخدامات موازنة عام 2005/2006 ، علاوة على 5.3 مليار جنية أخرى اعتمادات إجمالية موزعة بين المياه والإنارة (2.0 مليار جنية) وطبع الكتب المدرسية (مليار جنية) وعلاج المواطنين على نفقة الدولة (700 مليون جنية)، ومواجهة الظروف الطارئة (مليار جنية) واعتمادات أخرى (600مليون جنية).
وتمثل مبالغ الاعتمادات ا
لإجمالية الأخرى البالغة 16.5 مليار جنية " ثقب الشيطان " أو " تفاحة إبليس "، حيث توجه هذه المبالغ لمنح مكافآت ضباط القوات المسلحة والشرطة ، بخلاف مرتباتهم وأجورهم المدرجة أصلا فى الموازنة العامة، وه بمثابة تلاعب محاسبى وسياسى ، لا يمكن السكوت عليه، أو تركه يجرى بتلك الصورة المهينة .
نحن إزاء شكل من أشكال الفساد والإفساد ، ونحن إزاء تحايل مالى يرتب مسئولية سياسية ودستورية فى حق كل المشاركين فيه ، بدءا من رئيس الجمهورية، وحتى وزير المالية .
رابعا: شماعة تحفيز الاستثمار كوسيلة للتهرب الضريبى
منذ عام 1974 وتعبير "تحفيز الاستثمار"، يستخدم كوسيلة لتبرير كل الأخطاء والخطايا الاقتصادية والمالية، والمرء لا يستطيع أن ينكر أهمية وجود سياسات محددة لتشجيع الاستثمار المحلى والأجنبى، كأداة لحفز النمو الإقتصادى، وكوسيلة لضخ الأموال من الخارج إلى الداخل وليس العكس.
ومعظم الدراسات الاقتصادية التى قمنا بها، وقام بها غيرنا من رجالات الاقتصاد المصريين ، قد أكدت على حقيقة حزينة ، وهى أن مصر قد شهدت أكبر عملية نزوح وهروب وتهريب للأموال من الداخل إلى الخارج ، بينما ما تم جذبه من استثمارات خارجية إلى الداخل كانت محدودة للغاية ، وفى قطاعات معينة مثل البترول والسياحة والعقارات ، ولم تبنى مصانع أو مشروعات اقتصادية ذات بال.
ومع ذلك فما زلنا نسمع ونقرأ فى كل وثيقة حكومية شعار "تحفيز الاستثمار"، فعبرها نزفت البنوك المصرية لرجال مال وأعمال هربوا بها إلى الخارج ( 40 مليار جنية)، وتحت لوائها جرت أكبر عملية تهرب من أداء الضرائب العامة بأشكالها المختلفة .
وفى موازنة العام المالى (2005/2006) تضمن بيان وزير المالية ( ص 19) أنه من أجل تشجيع المستثمرين وتحفيز الاستثمار " تقرر إعمال مبدأ " استخدام معدلات مرتفعة لحساب الإهلاك " ، وهى مصيبة كبرى جديدة يقدمها لنا هذا الوزير ورئيسه ،

فهذا المبدأ سيؤدى حتما إلى نتيجتين خطيرتين :
-الأولى: تشجيع التهرب الضريبى من خلال استخدام الأساليب المحاسبية برفع مخصصات الإهلاك ، ومن ثم تقليل الأرباح المعلنة .
-الثانية: تشجيع المنشآت وأصحابها على الإستخدام غير الرشيد وغير الكفء للأصول الإنتاجية .
كما أقر وزير المالية فى مشروع موازنته الجديدة مبدأ " استرداد ضريبة المبيعات عـلى الآلات والسلع الرأسمالية " التى سبق وضمنها فى قانون الضرائب على الدخل ( رقم 91 لسنة 2005) ، الذى كان قد أعد بمطبخ هذا الوزير منذ عدة أسابيع قليلة بحجة تشجيع المستثمرين ..!!
بيد أن الخبرة الاقتصادية الطويلة لسلوك رجال المال والأعمال المصريين تؤكد أن هذا المبدأ سوف يكون بمثابة " ثغرة إبليس " أضافية من أجل التهرب الضريبى ، أو التخفيف من الوقع الضريبى عليهم، وتحميل أعبائه الأولية على عاتق المستهلكين ومحدودى الدخل.
والمتأمل للهيكل الضريبى المقدر فى موازنة عام (2005/2006) ، أو الإيرادات المقدرة بنحو 81.6 مليار جنية يكتشف أن 90% منها يتحملها الفقراء ومحدودى الدخل على النحو التالى:
1-الضرائب العامة تعادل 50% من إجمالى هذه الحصيلة المقدرة ، وهى ضرائب تمس دخول الفقراء مثل ضريبة الدخل، وضريبة المرتبات، وضرائب التمغة، وضريبة الأرباح ، والأخيرة تلك لا يقصد بها أرباح رجال المال والأعمال، بل هى ضرائب تسددها شركات عامة وهيئة قناة السويس والبنك المركزى والبنوك العاملة فى مصر.
2-الضرائب على المبيعات ، وهى تعادل 31.2% من الحصيلة المتوقعة، وهى أيضا يتم نقل عبئها إلى المستهلكين الفقراء ومحدودى الدخل.
3-الضرائب الجمركية وتعادل حوالى 11.0% يسددها المستوردين والتجار ويقومون بنقل عبئها أيضا إلى المستهلكين .
4-إيرادات ضريبية أخرى وتعادل 7.8% .
وبرغم كل المزايا والإعفاءات الضريبية والجمركية التى حصل عليها رجال المال والأعمال منذ عام 1974 (القانون رقم 43 لسنة 1974 وتعديلاته التى زادت على ثمانى قوانين حتى اليوم وأخرها القانون رقم 7 لسنة 1998 الخاص بحوافز الاستثمار) فقد بلغت المتأخرات الضريبية حوالى 28 مليار جنية معظمها لدى القطاع الخاص الصغير والمتوسط.
وبالمثل نجح كبار رجال المال والأعمال فى التهرب من عبء أداء الضرائب العامة ، فهل يستطيع أحد فى هذه الدولة أن يقدم لنا بيانا واضحا وشفافا عن الضرائب التى دفعها أمثال " أحمد عز " أو " محمد أبو العينين " أو " أحمد بهجت " أو " محمد إبراهيم كامل " أو غيرهم طوال الثلاثين عاما الماضية؟
بل أننا نرى كل يوم تنازلا لهؤلاء ، فقد صدر القانون رقم (89) لسنة 2004 بتعديل فئة الضريبة على المبيعات على خدمات الفنادق والمطاعم السياحية وشركات النقل السياحى ، وخدمات التليفون المحمول والثابت ، استجابة لمطالب هؤلاء أصحاب النفوذ الضخم على القرار التشريعى والتنفيذى فى البلاد .
ثم عادت الحكومة وأصدرت القانون رقم (9) لسنة 2004 لمعالجة ما أسمته "بعض التشوهات" التى ظهرت فى قانون ضريبة المبيعات رقم (11) لسنة 1991، وذلك أيضا لتحقيق مطالب "المستثمرين"، وذلك بالسماح بخصم الضريبة على السلع الرأسمالية.
كما جرى إلغاء ضريبة المبيعات على الخبز الفاخر والمياه الغازية ، كل هذه التصرفات قد أدت – وفقا للبيان المالى – إلى تخفيض الحصيلة الضريبية للمبيعات بمقدار 900 مليون جنية .
فهل يستطيع أن ينكر أحدا أن هذا النظام يقوم على خدمة هؤلاء أولا وأخيرا ..!!
خامسا: نمط الاستثمارات الحكومية .. وقطاع الم

أسرار الأجور والمرتبات فى الحكومة

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

تواجه الدارس غير المتخصص فى قضايا الأجور والمرتبات فى مصر بوجه عام وفى القطاع الحكومي بوجه خاص، مشكلات مركبة ومعضلات متشابكة، بعضها يعود إلى غياب القاعدة الإحصائية التفصيلية لشكل ونمط توزيع الأجور والمرتبات وغيرها من صور وأشكال التعويضات الأجرية consumptions مثل الحوافز والمكافآت والبدلات والأجور الإضافية والعلاوات الدورية والتشجيعية وغيرها مما بات يسمى فى الفقه الإداري المصري " الأجور المتغيرة " والتي يزيد عددها عن 30 شكل وبدل مختلف.
وبعضها الأخر يرجع الى كثرة القوانين واللوائح ( القرارات التنفيذية ) التى تتناول وتنظم قضايا تسويات العاملين وشئونهم الوظيفية والمالية .
ثم هناك أخيرا صعوبات تتعلق بغياب الشفافية المالية والمحاسبية التى تسهل على الدارس والمحلل الاقتصادي التعرف بدقة على هياكل الأجور والمرتبات الحقيقية بعد خصم الضرائب واستقطاعات التأمينات وغيرها.
كما يؤدى غياب الخلفية الإدارية والقانونية والمالية لدى بعض الباحثين والدارسين فى هذا الحقل المعرفي الى وقوعهم فى أخطاء فادحة ونتائج خاطئة ، كما حدث مثلا فى التقرير الاقتصادي الاستراتيجي لعام 2002 الذى صدر عن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام ، والذي تضمنت صفحاته الثلاثة عشر التى تعرضت لموضوع الأجور والمرتبات أثنتا عشرة خطأ معلوماتي ، علاوة على ثلاثة أخطاء منهجية قاتلة، وهو موضوع تعرضت إليه فى كتابي الجديد المزمع نشره فى الأسابيع القليلة القادمة.
المهم .. لا يستطيع الدارس الخبير فى دهاليز الإدارة الحكومية الأخطبوطية ، فهم الأسباب الخفية وراء هذا الرقم أو ذاك ، ولماذا تزيد الأجور والمرتبات فى هذه المصلحة الحكومية أو تلك عن غيرها من المصالح الحكومية الأخرى ، حتى لو كانت داخل نفس التقسيم التنظيمي للوزارة نفسها ؟
هنا ينبغي أن نشير إلى حقيقة خفية لا يعرفها من هم خارج العمل الحكومي المصري ، والتي نسميها دور "علاقات القوى والنفوذ" داخل بنية الجهاز الحكومي كله، حيث يقوم هذا التفاوت فى الأجور والمرتبات ليس على أساس قانون العاملين بالضرورة وإنما لسببين مختلفين هما:
-الأول: سبب شخصي يتمثل فى درجة نفوذ وقوة علاقات رئيس هذه الوحدة الإدارية أو تلك، سواء كان على درجة وزير أو رئيس مصلحة أو هيئة، وقوة النفوذ تلك ترتبط بمدى قربه أو بعده عن ثلاثة أشخاص داخل هرم السلطة الحكومية هم على الترتيب، رئيس الوزراء ووزير المالية ورئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة.
-الثاني: سبب موضوعي يقوم على مدى قوة وفاعلية ونفوذ هذه الوحدة الإدارية داخل النظام الإداري المصري، والتى تسمح بدورها بتعزيز مواردها المالية أو اعتماداتها السنوية بما يتجاوز فى أحيان كثيرة الاعتمادات المدرجة فى موازنة هذه الوحدة الإدارية فى بداية السنة المالية ( يوليه من كل عام ) ومن أبرز هذه الجهات ما أسميهم الجهات العشر الكبرى ومنها وزارة المالية والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة ورئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء وهيئة الأبنية التعليمية والجهاز المركزي للمحاسبات وزارة الداخلية ووزارة التخطيط والمخابرات العامة وبعض الجهات التى ينظمها قوانين الكادر الخاص.
الأجور المتغيرة وما نتج عنها:
ومن الصعوبات أيضا التي لا يدركها كثير من الدارسين والباحثين فى هذا المجال، التغير الهائل الذي طرأ على هياكل الأجور والمرتبات خلال العشرين عاما الأخيرة – وتحديدا منذ عام 1987 – فغيرت شكل ملامحها ومكوناتها بصورة كبيرة، ومن أبرز هذه التغيرات تعاظم دور ما يسمى "الأجور المتغيرة" فى فاتورة الأجور والمرتبات مقارنة بما يسمى "المرتب الأساسي" الذي ورد فى الجداول الملحقة بقوانين العاملين والذي لم يعد يمثل أي شيء حقيقي الآن (بداية مربوط الدرجة المالية ونهايتها) .
ومن أبرز هذه الأجور المتغيرة التى أصبحت جزءا أساسيا ومكملا للمرتب الأساسي للموظفين ما أستحدث فى يوليه من عام 1987 تحت مسمى "العلاوات الخاصة"، حيث أضيفت على مرتبات العاملين بنسب تراوحت بين 20% الى 10% سنويا (مقابل 300% للوزراء ولرئيس الجمهورية) وأستمر العمل بها منذ ذلك التاريخ حتى يومنا بحيث زاد الدخل الوظيفي للعاملين خلال السبعة عشر عاما الماضية بنحو 250% فى المتوسط.
وهذه الأجور المتغيرة (العلاوات الخاصة والحوافز والمكافآت شبه الشهرية والبدلات والعلاوات والأجور الإضافية ..الخ) قد أصبحت تشكل أكثر من ثلاثة أضعاف المرتب الأساسي للعاملين بالجهاز الإداري للدولة والهيئات العامة دون الغالبية الساحقة العاملين فى المحافظات . وهذا هو السر وراء هذا التفاوت الواسع بين العاملين بالحكومة حتى لو كانوا زملاء دراسة حصلوا على نفس المؤهل ونفس سنة التخرج ومدد الخدمة وغيرها من عناصر التساوي ، فإذا بنا الآن أمام سيرك للأجور والمرتبات يخالف الدستور (المادة 40 الخاصة بالمساواة بين المواطنين أصحاب نفس المراكز القانونية) علاوة عن كونه الرافعة الأساسية لكل مظاهر الفساد والإفساد المنتشر فى معظم المصالح الحكومية خاصة فى المحليات .
الأجور الحقيقية تقل عن المعلنة بنحو 25% إلى 30%
كما يتوه عن الكثيرين التمييز بين ثلاثة معاني مختلفة للأجور أو المرتبات بالقطاع الحكومي وهى:
1-ما تعلنه الحكومة سنويا عن اعتمادات الأجور والمرتبات للعاملين بالحكومة وهو رقم أجمالي أو يسمى إجمالي المستحقات.
2-وما يدخل جي
ب الموظف فعلا ، أي الأجور المستحقة بعد خصم ضرائب الدخل والتأمينات وغيرها من الخصومات التى لتتراوح حاليا بين 15% إلى 30% فى المتوسط ، بينما لم تكن هذه الخصومات تزيد عن 13% فى الأجور والمرتبات طوال عقدي الستينات والسبعينات.
3-ثم أخيرا هناك ما يسمى "الأجور والمرتبات الحقيقية " بعد احتساب أثر التضخم وارتفاع الأسعار والتي أدت فعليا الى تآكل القيمة الشرائية لهذا الأجر أو المرتب .
لذا فأن المفاوضات التى تجرى بين الحكومة أو رجال الأعمال من جهة وبين نقابات وممثلي العمال والموظفين فى الدول المتحضرة أو المتقدمة غالبا ما يدور النقاش والجدال فيها حول ماهية الرقم القياسي للأسعار الذي يجب أن يستخدم فى حساب التضخم وارتفاع أسعار الحاجات الضرورية والأساسية للعاملين وأصحاب الأجور والدخول المحدودة ، حيث يميل ممثلي العمال الى استخدام ما يسمى رقم قياسي "لاسبيرز" بينما يصر رجال المال والأعمال على استخدام رقم قياسي أخر يظهر ارتفاع الأسعار بأقل من قيمته الحقيقية و يسمى " باش ".
الحساب الختامي واعتمادات الموازنة فى قانون الربط
وهناك صعوبة أخرى فى دراسة الأجور والمرتبات بالقطاع الحكومي فى مصر، غالبا ما لا تحظى باهتمام وتدقيق الباحثين المصريين، إلا وهى الفارق بين ما يدرج من اعتمادات أو مخصصات فى مجلدات الموازنة العامة للدولة فى بداية السنة المالية (الذي يسمى قانون ربط الموازنة) وبين التصرفات المالية الحقيقية التى يظهرها "الحساب الختامى" للموازنة، حيث غالبا ما يأتي الحساب الختامي للميزانية ، مختلفا عما سبق إدراجه من مخصصات فى قانون ربط الموازنة العامة التي سبق وعرضت علـى مجلس الشعب ونالت موافقته. ودائما ما يكون الفارق بين الاثنين يدور حول 10% زيادة أو نقصانا فى بعض أبواب الإنفاق.
وبرغم أن الدستور المصري وقانون الموازنة العامة للدولة رقم 53 لسنة 1973 وتعديلاته بالقانون رقم 11 لسنة 1979 ينصان على ضرورة عرض الحساب الختامي على مجلس الشعب خلال فترة لا تتجاوز ستة أشهر الى ثمانية أشهر من السنة المالية المنتهية ، حتى يتمكن المجلس التشريعي من محاسبة ومراقبة الحكومة على أدائها المالي ، فان الجاري فعلا هو أن هذا الحساب الختامي لا يقدم إلا بعد مرور سنتين وأحيانا ثلاث سنوات من انتهاء السنة المالية ، مما أفقد المجلس أي قدرة على الرقابة والمحاسبة ، ومما زاد الطين بله منذ تولى الوزير السابق " د. مدحت حسنين " وبعض معاونيه هو تعمد إخفاء مجلدات الحساب الختامي عن الرأي العام المتخصص ، ولا يجرى عرض نسخ منها فى بعض المكتبات الحكومية مثل وزارة التخطيط أو معهد التخطيط القومي أو كلية الاقتصاد والعلوم السياسية أو غيرهم من المكتبات الحكومية ، بينما كان نفس الأشخاص قبل تولى المنصب الوزاري يستصرخون من المعاناة فى الحصول على المعلومات والبيانات !!
التأشيرات العامة ومخالفتها للدستور والقانون
كما درجت الحكومات المتعاقبة، خاصة منذ منتصف السبعينات وحتى سنوات قليلة ماضية على مخالفة الدستور والقانون، والتحايل على أعضاء المجلس التشريعي واعتمادا على جهلهم بالموازنة وأساليبها الفنية، وذلك بتضمين قانون الربط، بعض المواد فيما يسمى "التأشيرات العامة" التي تنص على أمكانية تعديل وزير المالية ورئيس الوزراء بعض الاعتمادات المدرجة فيها دون الرجوع الى مجلس الشعب والحصول على موافقتها مجدا على تلك التعديلات التى غالبا ما تمس هيكل وبنية الموازنة العامة كلها، وتحولها الى موازنة أخرى تماما غير تلك التى سبق ونالت موافقة المجلس، وهو ما يعد احتيالا قانونيا وتلاعبا بالمجلس وأعضائه، ولعنا نتذكر ما جرى فى أبريل من عام 2000 حينما عرض د. مدحت حسنين – وزير المالية فى ذلك الحين – الحساب الختامي للسنة المالية 98/1999 وتبين خلالها أن الهيئات الاقتصادية قد حصلت على دعم مالي من الموازنة يقدر بنحو 5 مليار جنية دون أن يكون ذلك مدرجا فى قانون الموازنة لذلك العام ودون الحصول على الموافقة المسبقة من المجلس التشريعي والرقابي الأول فى الدولة نظريا على الأقل.
هذه هي بعض أهم الصعوبات التي تواجه الدارس الجاد والمتعمق فى شئون الموازنة العامة للدولة المصرية ، وباب الأجور والمرتبات تحديدا ، علاوة بالطبع على المشكلات الفنية والمحاسبية التى سوف نتعرض لها فى مقال أخر عند مناقشة الموازنة الجديدة التي أعدها الوزير السليط يوسف بطرس غالى.
والخلاصة التي نود أن نقدمها هنا لبعض الباحثين فى مراكز الأبحاث ولدى السياسيين وأعضاء مجلس الشعب الذين يرغبون فى التصدي لمثل هذه التجاوزات الخطيرة هو البدء فى امتلاك ثلاثة خبرات نظرية وعملية هى المعرفة الاقتصادية الجيدة ، والخبرة الإدارية العملية ثم أخيرا الخلفية القانونية والمالية خاصة ما يتعلق منها بالقانون الإداري ، وأنا شخصيا على استعداد لتقديم دورات تدريبية مجانية لكل هؤلاء ، إذا ما تولى الحزب الناصري أو أى جمعية أهلية غير هادفة للربح تنظيم مثل هذه الدورات لأعضاء مجلس الشعب أو غيرهم من المهتمين ، والله والوطن من وراء القصد .

حقيقة قانون الضرائب الجديد

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

بدأت الحكومة السبت الماضى (1/4/2006) تطبيق قانون " د. يوسف بطرس غالى " الشهير بقانون ضرائب الدخل الجديد ( رقم 91 لسنة 2006 )، وهو القانون الذى ظلت وزارة المالية تروج له لما يزيد عن شهر كامل من خلال ضجة دعائية وإعلانية ، وإدعاء كاذب بمزاياه للفقراء ومحدودى الدخل ، فيما تكشف بنود ومواد القانون ونصوصه عن كذب هذه الإدعاءات ، بل وتكشف طريقة تنكيله ب 80% من المواطنين .

(1) قانون الأغنياء ورجال المافيا والتوكيلات:

لعل أولى الملاحظات التى تلفت النظر عند القراءة الدقيقة والفاحصة لمواد هذا القانون الفلسفة التى تحكمه، هو أنه صيغ بعقل حاوى يجيد لعبة الثلاث ورقات، وبقلب عقل بارد لرجل مال وأعمال، لا يهمه سوى تحقيق الربح حى لو ذهب الوطن وناسه إلى الجحيم .. والسؤال كيف؟
دعونا نتأمل مواد هذا القانون الجديد مقارنة بكل الدعاوى والصخب الإعلامى حول مزاياه للفقراء وجاذبيته للمستثمرين.
تضمنت المواد 6و 7و 8 من القانون طريقة معاملة دخول الأشخاص الطبيعين (أى الأفراد) المقيمون وغير المقيمين فى مصر، حيث تحددت الضريبة على صافى دخولهم من مصادرها المختلفة (المرتبات وما فى حكمها، النشاط التجارى والصناعى، النشاط المهنى غير التجارى، والثروة العاقارية) على ما زاد على خمسة آلاف جنية من دخل الممول خلال سنة (أى ما زاد على 408 جنيهات شهريا)، وتكون أسعار الضريبة وفقا لشرائح ثلاث هى:
-الشريحة الأولى: أكثر من خمسة آلاف جنية وحتى 20 ألف جنية بسعر 10%.
-الشريحة الثانية: أكثر من 20 ألفا وحتى 40ألف جنية بسعر 15%.
-الشريحة الثالثة: أكثر من 40 ألف جنية بسعر 20%.
فإذا قارنا بين ما ورد فى القانون الجديد، وما تضمنه القانون القديم رقم (157) لسنة 1981 نجدنا إزاء مهزلة حقيقية كيف؟
كان القانون القديم ينص على فرض ضرائب على الدخل تتراوح بين 20% لمن زاد دخله السنوى على ثلاثة آلاف جنية، وحتى أقل من 50 ألف جنية ، و 32% لمن زاد دخله على 50 ألف جنية.
وإذا أدركنا أن محدودى الدخل فى مصر هم:
– خمسة ملايين موظف بالحكومة.
– حوالى 1.3 مليون عامل وحرفى فى المشروعات الصغيرة وقتئذ.
– خمسة ملايين عامل وحرفى فى المشروعات الصغيرة جدا.
– 2 مليون عامل زراعى وعمال التراحيل وبناء وفواعلية.
نكون بصدد 13.3 مليون مواطن يقل دخلهم الشهرى عن 300 جنية فى ذلك الحين، أى الذين يقعون فى الفئة بين ثلاثة آلاف جنية سنويا إلى 10 آلاف جنية سنويا (بمتوسط شهرى 250 جنيها إلى 780 جنيها)، ومن ثم فأن سعر الضريبة المفروضة عليهم ، وبعد خصم حد الإعفاء المقرر فى القانون القديم (ألفان إلى ثلاثة آلاف جنية) لم تكن ذات معنى لأن فئات الدخل الأعلى (50 ألف إلى أكثر من ذلك أى بمتوسط شهرى أربعة آلاف ومائتين جنية أو أكثر ) كانوا قلة قليلة، وبالتالى فأن تخفيض سعر الضريبة فى القانون الجديد وتقسيم فئات الوعاء الضريبى هو تحصيل حاصل، ولن يحقق أى أستفادة حقيقية لأصحاب المرتبات والأجور، بل على العكس فأن زيادة المـرتبات الأساسية والمكافآت والحوافز التى تمت خلال الخمس عشرة عاما الأخيرة (1987 -2004) بسبب ضم العلاوات الخاصة إلى المرتبات الأساسية من أصحاب الأجور والمرتبات لأنه أوقعهم فى شرائح دخل أقل برغم إنخفاض سعر الضريبة.
أذن نحن إزاء عملية أحتيال قانونية وضرائبية جديدة .

(2) موائد عامرة لرجال المال والأعمال والمتهربين:
حفل قانون الدخل الجديد رقم (91) لسنة 2005 الذى يقع فى 148 مادة بعشرات المزايا والتسهيلات الجديدة لرجال المال والأعمال والسماسرة والمتهربين ووكلاء الشركات الأجنبية وغيرهم ومن نماذج ذلك :
1- تخفيض السعر المطلق للضريبة على الدخل من 42% إلى 20% كأقصى حد للضريبة على أى دخل للمول.
2- إذا كـان القانون الجديد قد قام بإلغاء الإعفاءات المقررة بقانون الاستثمار رقم (8) لسنة 1997 وغيره من قوانين بالنسبة للمشروعات الجديدة ، إلا أنه أحتفظ بها للمشروعات القائمة التى ما زالت مدة السريان قائمة " 10 سنوات من تاريخ بدء النشاط " ، أو تلك المشروعات التى حصلت على موافقة بنشاطها دون أن تبدأ النشاط فعلا شرط أن تبدأ العمل خلال ثلاث سنوات من تاريخ سريان القانون الجديد أى حتى عام 2008 .
3- سمح القانون الجديد بترحيل الخسائر التى تقع على الشركات أو الأشخاص لمدة 5 سنوات مالية، وهى ثغرة تفتح الباب لكثير من التلاعبات المالية والمحاسبية التى أشتهر بها رجال المال والأعمال وشركات القطاع الخاص المصرى عموما، وأستمرارها لمدة خمس سنوات هى فترة طويلة جدا.
4- كما سمح القانون الجديد بخصم 30% من قيمة المبالغ المستثمرة فى الآلات والمعدات المستخدمة فى الإنتاج، سواء كانت جديدة أو مستعملة فى أول فترة ضريبية يتم فيها استخدام هذه الآلات، وإذا كان الهدف من وراء ذلك هو تشجيع الاستثمار فى الآلات والمعدات الجديدة وحدها وليس الآلات والمعدات المستعملة، والتى تشكل فى حد ذاتها عبئا على الاستثمار ذاته، والموارد المالية للدولة عبر مخصصات الصيانة وإستيراد قطع الغيار ونسب الإهلاك والإستهلاكات.
5-ويرتبط بذلك أيضا وضع القانون نظاما جديدا لحساب نسب الإهلاك والإستهلاكات التى تعد لدى كل الخبراء الاقتصاديين بمثابة "تفاحة إبليس" للمشروعات العاملة فى البلاد، حيث أعتادت هذه المشروعات المبالغة فى نسب الإهلاك والإستهلاكات، بهدف لإظهار أرباحها بأقل من حقيقتها، وراجعوا ما سبق ونشرته حول شركات المحمول والشركة المصرية للإتصالات، حيث يجرى استخدام
هذا الأسلوب فى الشركة الأخيرة من أجل التلاعب المحاسبى، وها هو القانون الجديد يقدم مزيدا من التسهيلات فى هذا المجال.
6-فى محاولة من القانون الجديد لضرائب الدخل تجنب ثغرة كان بمقتضاها يقوم الممولين أو الشركات بإبرام عقود قروض وهمية، أو المبالغة فى الإقتراض بهدف الإستفادة من خصم تكاليف خدمة الدين من الوعاء الضريبى نص القانون الجديد على خصم العوائد المدنية التى تدفعها هذه الشركات على القروض والسلفيات التى حصلت عليها فيما لا يجاوز أربعة أمثال حقوق الملكية، وهى نسبة مرتفعة جدا لأنها تتضمن ليس فقط رأس مال الشركة " المدفوع " أو " المصدر " بل يضم إلى ذلك عناصر وبنود أخرى.
7-كما سمح القانون الجديد ( المادة 28) بخصم الديون المعدومة للمول وفقا لتوافر أربعة شروط مثل ( وجود حسابات منتظمة للمنشأة ، وأرتباط الديون المعدومة بنشاطها .. الخ)، والأهم فى تقديرنا هو غياب ثقافة "الواجب الضريبى" لدى الممولين المصريين خاصة رجال المال والأعمال الجدد الذين قفزوا إلى سطح الحياة المصرية عبر وسائل بعضها أحتيالية مثل القروض المصرفية، وأستغلال النفوذ والمجاملات والوساطة والرشاوى لكبار المصرفيين وكبار المسئولين وابنائهم .. الخ مما يجعلنا نتشكك فى كثير من التسهيلات والمزايا الجديدة الواردة فى قانون الضرائب، بأعتبارها فتح منافذ جديدة أمامهم إما التهرب الضريبى أو نقل العبء الضريبى.
8-كما استبعد القانون الجديد (مادة 53) من حساب الأرباح والخسائر ، الأرباح الرأسمالية الناجمة عن تغيير الشكل القانونى للشركة، وبالتالى عدم إخضاعها للضريبة، وحدد القانون تغيير الشكل القانونى فى أعمال من قبيل أندماج شركتين أو أكثر أو تقسيم شركة مقيمة إلى شركتين أو أكثر ، أو تحول شركة أشخاص إلى شركة أموال، وأخيرا عملية شراء أو أستحواذ على 50% أو أكثر من الأسهم أو حقوق التصويت، سواء من حيث العدد أو القيمة فى شركة مقيمة مقابل أسهم فى الشركة المشترية أو المستحوذة ، وهى كلها نفتح مجالات واسعة لتهرب ضريبى ، أو تخفيف عبء الوقع الضريبى على أنشطة الشركات الخاصة أو الجديدة .
9-سمح القانون الجديد كذلك بخصم الخسارة التى تقع للشركات وعقود المقاولات والإنشاءات فى فترة معينة من أرباح الفترة السابقة ، وبما لا يجاوز الأرباح فى تلك الفترة .
10-كما أعفى القانون – تماما كما القانون السابق – إيرادات النشاط الزراعى والمساحات المزروعة فى الأراضى الصحراوية لمدة عشر سنوات تبدأ من التاريخ الذى تعتبر الأرض فيه منتجة، أما من هو الذى يملك سلطة أعتبار الأرض منتجة فهى مسألة غير محددة بما يفتح الباب على مصرعيه لتهرب ضريبى من جانب بعض كبار المال والأعمال الذين أتجهوا فى السنوات الأخيرة نحو مشروعات "توشكى" وغيرها .
11-وكما هى عادة الحكومات المصرية والنظام منذ ثلاثة عقود أو يزيد، حيث إزدواجية المعايير والكيل بمكيلين ، فالشدة والعقاب للمتهربين الصغار والحرفيين، أما الممولين الكبار فإن الليونة والتسامح هى السياسة الحكومية والضريبية إزاءهم، ويظهر ذلك جليا فى حالتين :
– الأولى: ما نصت عليه المواد (120 و121 و122و 124 ) من طريقة تشكيل لجان الطعن وحدود ومطاق صلاحياتها ، وكذلك ما نصت عليه المادة (138) من جواز تفويض الوزير لرئيس المصلحة فى إجراء تصالح مع المتهرب من دفع الضرائب ، وكذلك ما نصت عليه المادة (137) من أنه لا يجوز رفع الدعوى الجنائية عن الجرائم الضريبية، أو إتخاذ أى إجراء من إجراءات التحقيق إلا بعد الرجوع إلى الوزير المختص، وهو هنا وزير المالية السيد "يوسف بطرس غالى" ولا ندرى بالضبط ما هى الحكمة من ذلك، إلا إذا كانت محاولة حماية كبار المتهربين من رجال المال والأعمال المشاركين فى حكم مصر والمجلس التشريعى والرئاسى، فتصبح رقابهم فى أيدى الوزير وفى أيدى الرئيس ومن حوله؟
– الثانية: سيطرة رجال المال والأعمال على لجان الطعن ذاتها، حيث نصت المادة (120) على أن يكون تشكيل هذه اللجان على النحو التالى:
1- رئيس اللجنة من غير العاملين بمصلحة الضرائب ..!!
2- عضوان من موظفى المصلحة يختارهما الوزير ..!!
3- عضوان من ذوى الخبرة يختارهما اتحاد الغرف التجارية وأتحاد الصناعات المصرية من المحاسبين المقيدين فى جداول المحاسبين والمراجعين للشركات ..!!
4- وللوزير الحق فى تعيين أعضاء احتياطيين ، وتكون هذه اللجان تابعة مباشرة للوزير، ويكون أنعقادها صحيحا فى حال حضور رئيسها وثلاثة من أعضائها على الأقل.
هل نرى كيف يدير رجال المال والأعمال النظم المالية والاقتصادية والضريبية فى بلادنا ؟
نحن إزاء كارثة جديدة من كوارث "الطغمة الحاكمة" التى هى أقرب إلى منطق وأساليب عصابات " المافيا " الشهيرة.

Featuring WPMU Bloglist Widget by YD WordPress Developer