الارشيف حسب تصنيف غير مصنف

جدل الداخل والخارج فى النضال الديموقراطى فى مصر*

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

تثير مسألة علاقة الخارج بالداخل فى النضال الديموقراطى عموما، مشكلات عديدة، سواء على الصعيد النظرى والسياسى، أو على الصعيد الأخلاقى. وتزداد صعوبة وتعقيدات الموضوع، حينما يكون هذا الخارج مجروحا فى شرفه السياسى، ومشكوكا فى أغراضه وأهدافه ونواياه. كما يؤدى غياب وانقطاع التراث النضالى والخبرة العملية والسياسية للكثيرين من الشباب حديثى العمل بقضايا التغيير السلمى فى المجتمعات، إلى صعوبات يطغى فيها البعد الأخلاقى المجرد على المعطيات السياسية ومتطلباتها.
وتواجه المناضلين المصريين – من كافة التيارات والفصائل المعارضة – هذه المعضلة فى نضالهم القاسى وغير المتوازن فى القوى بينهم وبين النظام، من أجل التغيير السلمى لهذا النظام الذى أوصل البلاد إلى حافة الانهيار على كافة الأصعدة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل وحتى الأخلاقية.
وقد انقسم الشارع السياسى المصرى والرأى العام المتابع – أو المتفرج بالمعنى الأدق – بتياراته المختلفة بين ثلاثة تيارات هى:
الأول: وهو الأكثر أتساعا، حيث يرفض تماما فكرة التحالف مع الخارج أو التعاون معه من أجل ممارسة الضغوط على النظام السياسى الراهن من أجل إجراء إصلاحات حقيقية وذات معنى، أو حتى تغيير بعض قواعد اللعبة السياسية الاستبدادية القائمة منذ يوليو عام 1952، ويستند هذا التيار فى موقفه هذا، إلى بعدين، أحداهما يرتبط "بميراث عرفى" للحركة الوطنية المصرية القديمة التى نظرت دائما إلى الأجنبى باعتباره مستعمرا وله أجندته الخاصة، ويجد هذا الميراث العرفى خبرته فى ذلك الشرخ الذى حدث فى الحركة الوطنية المصرية بعد حادث 4 فبراير عام 1942، حينما قبل "النحاس باشا" وحزب الوفد تشكيل الوزارة بطلب من السفير البريطانى وتحت حراب القوات البريطانية التى أهانت الملك – رمز السيادة فى الدولة فى ذلك الحين – وحاصرت قصره وهددت بإزاحته عن العرش. أما البعد الثانى فهو يستمد تأثيره من تجربة العراق "الجديد" الذى دمرته القوات الأمريكية والبريطانية بدعوى تغيير النظام الاستبدادى وجاءت فى صحبتها بمجموعات من السياسيين العراقيين الموجودين فى المنافى والمرتبط معظمهم بأجهزة الاستخبارات الأجنبية من كل نوع وصنف ، فأغرقوا العراق فى حمامات دم استمرت طوال ثلاث سنوات من "التحرير" ومازالت والمؤكد أنها ستستمر لسنوات طويلة قادمة.
الثانى: تيار أقل اتساعا، يرى أنه وإن كان لا يجوز التحالف مع الشيطان (الخارج) ضد إبليس (النظام المصرى والأنظمة العربية عموما)، فإنه ينبغى الاستفادة من التناقضات القائمة بين الطرفين، سواء كان بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربى من جهة، والنظام العسكرى الحاكم فى مصر من جهة أخرى، أو بين منظمات المجتمع المدنى فى العالم والنظام الحاكم فى مصر من أجل التخلص من هذا النظام وتقديم رموزه وقياداته إلى المحاكمات المحلية أو الدولية.
الثالث: تيار من الأقلية، يرى أنه لا غضاضة فى التعاون مع كافة دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربى من أجل التخلص من هذا النظام العسكرى الاستبدادى الذى ينزلق بسرعة كبيرة فى السنوات القليلة الماضية إلى نظام "بلطجة" بالمعنى الحرفى للكلمة بعيدا عن مفاهيم السياسة وعلومها، وينطلق هؤلاء من حقيقة أن هذا النظام قد أستسلم منذ سنوات بعيدة للولايات المتحدة وإسرائيل، بحيث يستحيل عليه المزايدة على غيره عند التعاون بين قوى المعارضة والولايات المتحدة أو غيرها من الدول الأوربية للتخلص منه، ومن ثم فان التعاون مع الخارج لا يندرج فى خانة "الخيانة العظمى" لأن هذا النظام تحديدا مجروح فى وطنيته ومشكوك فى ذمته المالية والأخلاقية، وبالتالى فإنه لم يعد يعبر بأى حال عن المطالب والأمانى الوطنية. وتحت هذا قبل هؤلاء مقابلة "كوندليزا رايس" أثناء زياراتها المتكررة إلى المنطقة ومصر ومن قبلها وزير الخارجية الأمريكى السابق "كولن باول".
والآن .. ما هو الموقف الصحيح وسط هذا التيه السياسى؟
إذا استعنا بالسوابق التاريخية، وفى مواقف مشابهه، تحمل من الالتباس والغموض ما يستدعى إعادة فك وتركيب الصورة، فان من أشهر وأبرز تلك السوابق التاريخية حالة "فلاديمير إليتش لينين" قائد الثورة البلشفية فى روسيا عام 1917، حينما أعتلى الرجل قطارا عسكريا ألمانيا، وهى فى حالة حرب ضد بلاده روسيا، من أجل الوصول إلى العاصمة "بطروسبرغ" مركز التمرد والثورة البلشفية، والغريب فى الأمر أنه – بمقاييس ومعايير الوطنية المجردة – فان الرجل قد ارتكب فعل "الخيانة العظمى" بكل حذافيره .. !!
والأدهى والأمر أن "لينين" كان يعتلى هذا القطار الألمانى من أجل الذهاب إلى روسيا لقيادة ثورة اجتماعية فى بلد فى حالة حرب ن ويكاد يعلن هزيمته فى تلك الحرب، وهكذا يبدو بالمعايير البسيطة والمجردة فان "لينين" ذلك القائد والمفكر التاريخى للثورات الاشتراكية فى العالم كان مجرد " خائن " ..!!
والسؤال .. هل يجوز هذا الحكم على هذا القائد البارز؟
الإجابة بالقطع كلا.
إذن ما هى المعايير الصحيحة فى الحكم على مثل هذا الموقف ؟
وما هى الأسس الفكرية لتعاملنا مع جدل الخارج والداخل فى كفاحنا الديموقراطى الراهن ؟
الحقيقة أن المعايير السياسية والفكرية التى ننطلق منها فى وضع جدل الخارج والداخل تنبع من القيم التالية:
1-

خطيئة المادة (15) …وكيف سيطر العسكريون على جهاز الخدمة المدنية .!!*

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

يعرف فقهاء القانون، القواعد القانونية الدستورية أو غير الدستورية بأنها "تلك التى تنظم العلاقات الاجتماعية والسياسية فى المجتمع فى فترة تاريخية معينة ووفقا لموازين القوى أو المصالح السائدة فى تلك الفترة، وهى فى الحالة الدستورية أساس تنظيم العلاقات بين سلطات الدولة وصرحيات مؤسساتها، بما يحفظ التوازن بينها ويصون المجتمع وأفراده من تغول واستبداد أحدى هذه السلطات على بقية مؤسسات الدولة".
ومن هنا فإن القواعد القانونية التى يأتى بها الدستور ومشرعوه، ليست خارجه عن سياق الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بل وحتى الثقافية السائدة فى هذا المجتمع أو ذاك ، فى تلك اللحظة التاريخية أو تلك.
لذا فأن تغيير أو تعديل هذه النصوص الدستورية هى من ألزم ضروريات الحياة السياسية التى ينبغى أن تحدث كل فترة صونا للتوازن واعتبارا للمصالح المختلفة بين القوى الاجتماعية المكونة لهذا المجتمع فى كل مرحلة تاريخية.
وقد حرص المشرع الدستورى المصرى عام 1971، على أن يعبر ويعكس حقائق وظروف المجتمع المصرى حينذاك، والتى من أبرزها دور أبناء القوات المسلحة وضباطها فى تحرير الأراضى المصرية التى احتلتها إسرائيل بعد العوان الحادث فى الخامس من يونيه من عام 1967، لذا جاءت بعض مواد الدستور الصادر فى سبتمبر من عام 1971، والسارى حتى يومنا، مانحا بعض الإمتيازات لأفراد وضباط هذه المؤسسة، ارتباطا بالظروف واحتراما للدور الذى سيقوم به هؤلاء فى تحرير الأراضى المصرية المحتلة فى معركة التحرير المتوقعة، برغم ما قد يشوب بعض هذه المزايا من تعارض وتناقض مع جوهر الدساتير المدنية الحديثة والمتعلقة بمبدأ "المساواة بين المواطنين" والذى ورد حصرا فى المادة (40) من ذات الدستور المصرى.
ومن أبرز تلك المزايا والإمتيازات التى خلعها دستور عام 1971 على أفراد القوات المسلحة هو ما جاء فى نص المادة (15) حيث نصت على (للمحاربين القدماء والمصابين فى الحرب أو بسببها ، ولزوجات الشهداء وأبنائهم الأولوية فى فرص العمل وفقا للقانون).
وكان من المفهوم فى الضمير المصرى العام أن هذا الامتياز الذى جاء مناقضا تماما لنص المادة (40) التى نصت على (المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم فى ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة)، ولم يرد المشرع الدستورى من باب أولى أن يأتى بسبب أقل شأنا فى مجال التمييز بين المواطنين وه "سبب الوظيفة أو الدور الاجتماعى".
ومن ثم فإن هذا التناقض المكشوف مع أصل من أصول التشريع الدستورى الحديث، لم يتوقف عنده الضمير المصرى العام بالرفض فى ذلك الحين، اعترافا وإقرارا بالتضحية الجسيمة التى قد يقدمها أفراد القوات المسلحة على مختلف رتبهم العسكرية ومواقعهم القتالية حتى لو كان بعضهم مكانهم فى الغرف المكيفة والمحصنة.
وبالتعبير القانونى فإن هذا الاستثناء الدستورى – من أصل مبدأ المساواة – كان مرتبطا بتوافر شرطين أساسيين هما:
الأول: هو وجود حالة "حرب" وأراضى محتلة تستدعى تقديم تضحيات من كافة أبناء المجتمع عموما، ومن أفراد القوات المسلحة على وجه الخصوص.
الثانى: ضرورة صدور قانون ينظم هذه الحالة فى حدود الضرورة، ولا يتسع فى أوضاعها بما يخرج بها عن مضمونها.
بيد أنه ومنذ أعلن الرئيس السابق "أنور السادات" فى مطلع عام 1974 بأن حرب أكتوبر هى آخر الحروب، وإنقضاء أكثر من ثلاثين عاما على هذه الحرب، دون مشاركة القوات المصرية فى واجبات وطنية لتحرير الأرض المصرية، بل كانت مشاركتها بطلبات من الولايات المتحدة أو بعض العائلات الحاكمة العربية فى السعودية والخليج ، بما يستحيل معه تصور مشاركة أيا من شاغلى الرتب الوسطى أو العليا فى القوات المسلحة المصرية حاليا – رتب اللواء والعميد ومن دونه – فى حرب أكتوبر، فإن الشرط الأول من شروط النص الدستورى الوارد فى المادة (15) لم يعد قائما.
-ومن ناحية أخرى، فإن عدم صدور قانون خاص ينظم ترتيب هذا الحق أو الامتياز الدستورى لما يسمى "المحاربين القدماء" قد أدى عمليا إلى سؤ استغلال المؤسسة العسكرية وقياداتها لنص المادة (19 ) من قانون العاملين المدنيين بالدولة رقم (47) لسنة 1978، والتى حصرتها فى المصابين والشهداء ، ومن ثم انتزاع قرار من الثكنات العسكرية تحت يافطة " الضبط والربط " من ناحية ، كما جرى إهدار الكفاءات القيادية الحقيقية المدنية من ناحية أخرى، فانتشرت قيم اللامبالاة، والإحباط وعدم الرغبة فى الإجادة بين أعداد كبيرة من القيادات المدنية الوسطى ، وغلب الشكل دون الجوهر على الأداء الحكومى، وأصبح هناك ثلاث صور من عمليات الغزو العسكرية
الثالثة: الاستدعاء للخدمة بعد التسريح ثم يتم نقلهم إلى وظائف مدنية.
وعلاوة على ذلك فإن "صندوق معاشات القوات المسلحة" و "صندوق معاشات ضباط الشرطة" اللذين يمولا من الموازنة العامة للدولة ومن دافعى الضرائب المدنيين وغير المدنيين ، يمنح الضابط المتقاعد – من رتبة عقيد فيما أعلى – مبالغ مالية خيالية تبدأ من مائة ألف جنيها وتتدرج صعودا لتصل أحيانا إلى ربع مليون جنيه لقادة الأفرع الرئيسية ومن فى حكمهم.
وهكذا يتحصل هؤلاء على مبالغ ضخمة، ثم يزيد على هذا حصولهم على وظائف قيادية – مديرى عموم ووكلاء ووكلاء أول وزارات ومحافظون ووزراء – فى جهاز الخدمة المدنية والمصالح الحكومية، وأعطيك

المفهوم الدستورى لجريمة "الخيانة العظمى"

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

اعتاد العقل المصرى – وربما العربى – فى تعامله مع القضايا العامة، على الخلط بين الانطباعات الشخصية – من مشاعر حب أو كرهه – والتقييم الموضوعى المبنى على حسابات الظروف والدوافع والبيئة المحيطة بكل موقف أو قرار. وبسبب من هذه الطبيعة الغالبة فى حياتنا، تاهت فى الكثير من الأحيان، معان حقيقية فى تقييم الأداء أو تقدير نتائج السياسات العامة.
وقد آن الأوان، أن نتأمل هذه الحالة العقلية، ونقاومها داخلنا، من أجل تصحيح مسار أدائنا الاجتماعى والسياسى، وقبل كل هذا وبعده مفاهيمنا الثقافية.

مفهوم "الخيانة" بين الأخلاق والقانون
إذا كانت جريمة "الخيانة"، من الجرائم والسلوكيات المرذولة على المستوى الإنسانى والشخصى فى حياتنا عموما، سواء فى صور الخيانات الزوجية، أو خيانة الإمانة، أو حتى خيانة قيم ومعايير الصداقة، فإن العقل القانونى الحديث، قد نقلها من إطارها الشخصى المجرد إى الإطار العام، وذلك بالنص على تجريم بعض تلك الأشكال والممارسات، طالما توافرت شروطها الموضوعية والمتعارف عليها فى علم التجريم والعقاب، وبأركانها المادية والمعنوية.
وقد أفاض رجال الفقة والتشريع والقضاء فى تأصيل بعض هذه الأركان والشروط الواجب توافرها حتى يتحقق لها توصيف الجريمة ويقع بشأنها حكم الجزاء والعقاب.
وقد أنتقل مفهوم "الخيانة" من حقل الخاص إلى حقل العام ومجال السياسة، عبر تاريخ طويل من الجدل والنقاش حول المعنى والشروط الواجب توافرها فى جريمة "الخيانة" فى حقل السياسة، خاصة وأن سلوك المسئولين أو القادة السياسيين ينطوى فى الكثير من الأحيان على استخدام مكثف ومتنوع لأدوات العنف أو القوة سواء فى المجال الداخلى أو حتى فى العلاقات مع الدول الأخرى.
وفى الوقت نفسه فإن هذا الاستخدام للسلطة power يتطلب درجة من الحماية والحصانة حتى يؤدى الفعل دوره فى إدارة شئون المجتمع والدولة ، وهو ما ابتدعته مدرسة القانون اللاتينى ومجلس الدولة الفرنسى فى عهد "نابليون بونابرت" تحت مسمى "نظرية أعمال السيادة" التى تحصن قرارات رئيس الدولة من مجال المساءلة ومن مجال النزاع القضائى فى الكثير من الأحيان.
وقد غالى مجلس الدولة الفرنسى counsel d,etate فى بداية عهده فى إضفاء هذه الحصانة على قرارات "نابليون" خوفا من بطشه، مما أدى لشيوع مفهوم غير صحيح – وفقا لاتجاهات الفقة الدستورى الحديث خاصة فى فرعه الأنجلو – سكسونى – بشأن استحالة محاكمة الرئيس الأعلى للدولة عن كثير من الأخطاء والجرائم التى قد تقع فى عهده ، ويكون مسئولا عنها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ولعلنا نتذكر ما جرى للرئيس "ريتشارد نيكسون" عام 1974 واستقالته تجنبا لتقديمه للمحاكمة فى جريمة "ووترجيت" الشهيرة، التى يعد الجرم الذى أرتكب فيها لا يشكل واحد على مليون مما يرتكبه رؤساء الجمهوريات والملوك فى بلداننا العربية ومنها مصر طبعا. وكذا ما جرى مع الرئيس "بيل كلينتون" عام 1996 وكاد يعصف بفترة رئاسته بسبب علاقاته الغرامية، وما قيل حول كذبه فى شهادته المسجلة أمام لجنة من أعضاء الكونجرس الأمريكى.
ومن هنا جاء توصيف جريمة "الخيانة العظمى" باعتبارها مجال ونطاق الاتهام الوحيد الذى يمكن أن يوجه إلى رئيس الدولة، والتى ارتبطت فى أذهان عامة الناس بأنها تندرج فى إطار التجسس أو التعاون مع الأعداء، أو نقل معلومات إلى العدو أو الإضرار بمصالح الدولة العليا.
والحقيقة أن الإلتباس الحادث فعلا حول تلك المفاهيم والممارسات السياسية والسلوكية تؤدى إلى التخبط وعدم الوضوح فى توجيه الإتهام مثل:
-تعريف المصالح القومية العليا وما هى الجهات المناط إليها تحديد هذه المصالح.
-التفرقة بين التعاون مع العدو أو توقيع أتفاق سياسى أو معاهدة تنهى حالة الخصومة أو أصل النزاع.
-التجسس مع دولة معادية أو خلق قنوات سرية بمعرفة الجهات المختصة وتحت إشرافها .. الخ.
وهذه كلها معانى ومفاهيم غامضة وملتبسة، بحيث لا تصمد بعض دعائمها أمام مقصلة الاتهام. وإلا فكيف نقيم إقدام الرئيس السابق "أنور السادات" على زيارة إسرائيل فى نوفمبر من عام 1977، وقبلها بشهور طويلة يجرى محادثات سرية مع قادتها فى المغرب، ونحن ما زلنا فى حالة حرب معها، وتقوم قواتها باحتلال الأراضى المصرية والعربية، أليس ذلك بالمعنى الدستورى المجرد يندرج فى توصيف "الخيانة العظمى"، ولكنه بالمعنى السياسى قد خلع عليه توصيفات "بطولية" من أعضاء مجلس الشعب المنتمين للحزب الحاكم ومن بعض قطاعات السكان فى ذلك الحين.
وكذلك كيف نصف قيام السادات بالاتصال السرى بوزير الخارجية الأمريكى "هنرى كيسنجر" وإرساله رسالته الشهيره إليه يوم الأحد 7 أكتوبر عام 1973، وفى أثناء إدارة العمليات الحربية، والتى يخطره فيها – وكذلك يخطر إسرائيل عبر كيسنجر – بأنه لا ينوى (توسيع نطاق الحرب ..!!) وهو ما كان يجرى التأكد منه من جانب إسرائيل والولايات المتحدة لحظة بلحظة من خلال الطلعات الجوية والأقمار الصناعية الاستطلاعية، ألا يندرج ذلك فى توصيف جريمة نقل معلومات والتخابر مع العدو، وكشف نوايا القيادة السياسية والعسكرية المصرية تجاه خط سير العمليات واتجاهاتها.
وبرغم ذلك لم يقدم السادات للمحاكمة بتهمة "الخيانة العظمى"، بل وجد بعض العملاء والساقطين فكريا من أمثال مديرى بعض مراكز الأبحاث المشبوهة فى بعض الصحف المصرية الصحفيين الذين خلعو
ا على الرجل صفات الدهاء والعبقرية والذكاء بمثل هذه التصرفات .. !!
أذن فى هذه المنطقة الرمادية بين السياسة والقانون ، غالبا ما تتوه الحقيقة ، وتغيب المسئولية الجنائية والدستورية تحت زعم "أعمال السيادة" أو متطلبات السياسة والمصلحة العليا.

الدعائم الدستورية لجريمة "الخيانة العظمى"
كيف نقيم أذن دعائم ارتكاب جريمة "الخيانة العظمى" على أساس من الدستور والقانون؟ وما هى أركانها المادية والمعنوية؟
فإذا كان من الصعب – إن لم يكن من المستحيل – إقامة دعوى "الخيانة العظمى" على رئيس الدولة فى بلد ما استنادا على تقييم لبعض سياساته المتبعة، نظرا لتواضع مستوى الوعى السياسى العام، وتضاؤل نسب المشاركة السياسية، وتواضع الاهتمام بالقضايا العامة لدى القطاع الأوسع فى البلاد، فإنه يمكن من ناحية أخرى تأسيس دعائم الاتهام على مرتكزين أساسيين يتوافر فى حال وجودهما أركان المسئولية الجنائية لجريمة "الخيانة العظمى" بشقيها المادى والمعنوى وهما:
الأول: مدى التزامه نصا وروحا بالقسم الدستورى الذى تولى على أساسه مسئولية المنصب.
الثانى: ارتكابه فعل أو عمل من شأنه إنكار العدالة أو تعويق تحقيقها.

وفى حالتنا المصرية سوف نعتمد على ما توفره المادتين (79) و (85) من الدستور المصرى باعتبارهما مرتكزا لهذه المسئولية السياسية والجنائية لجريمة "الخيانة العظمى" فى حق الرئيس الحالى محمد حسنى مبارك.
ووفقا لنص المادة (79) فإن ( يؤدى الرئيس أمام مجلس الشعب قبل أن يباشر مهام منصبه اليمين الآتية: "أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصا على النظام الجمهورى ، وأن أحترم الدستور والقانون ، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة، وأن أحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه ").
أذن فإن رئيس الجمهورية، وقبل أن يباشر مهامه الدستورية، ينبغى أن يؤدى هذا اليمين القانونية التى تتضمن التزاما دستوريا وقانونيا بالواجبات الأربعة الآتية:
1- أن يحافظ مخلصا على النظام الجمهورى.
2- أن يحترم الدستور والقانون.
3- أن يراعى مصالح الشعب رعاية كاملة.
4- أن يحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه.
وتضيف المادة (85) واجبين إضافيين على عاتق رئيس الجمهورية حيث تنص على ( يكون اتهام رئيس الجمهورية بالخيانة العظمى أو بارتكاب جريمة جنائية بناء على اقتراح مقدم من ثلث أعضاء مجلس الشعب على الأقل، ولا يصدر قرار الاتهام إلا بأغلبية ثلثى أعضاء المجلس، ويقف رئيس الجمهورية عن عمله بمجرد صدور قرار الاتهام ، ويتولى نائب رئيس الجمهورية الرئاسة مؤقتا لحين الفصل فى الاتهام، وتكون محاكمة رئيس الجمهورية أمام محكمة خاصة ينظم القانون تشكيلها وإجراءات المحاكمة أمامها ويحدد العقاب ,وإذا حكم بإدانته أعفى من منصبه مع عدم الإخلال بالعقوبات الأخرى ).
ومن ثم فقد أضافت هذه المادة وألزمت رئيس الجمهورية بواجبين إضافيين هما:
5- أن يعين نائبا لرئيس الجمهورية ليتولى الحكم أثناء محاكمة الرئيس.
6- أن يعمل على إصدار قانون محاكمة رئيس الجمهورية والوزراء ونظم تشكيلها والإجراءات المتبعة أمامها .. الخ.
والسؤال الآن … من أين تنشأ أركان المخالفة وتقوم أركان جريمة "الخيانة العظمى" فى حق الرئيس الحالى؟
لقد استقرت الدول والحكومات المتحضرة على آليات فى العمل السياسى – المرن بطبعه وضروراته – تتواءم وتتناسب مع الأطر الدستورية والقانونية – البطيئة التغير بطبيعتها – وألا تحولت السياسة وأفعال رجال السياسة وقراراتهم، إلى أهواء شخصية ومزاجية، تهدف إلى خدمة جماعة، أو جماعات دون بقية الفئات، وهو ما يعد انقلابا على الدستور والقانون
هذا التوازن المطلوب بين السياسة وتغيراتها، والقانون وقيوده هو الذى يحفظ للمجتمعات المتحضرة تماسكها، ويضمن لها آليات مؤسسية لعملية اتخاذ القرارات أو صنع السياسات، وهو ما يطلق عليه بحق "دولة القانون" أو "دولة المؤسسات"، نقيضا لدولة الفرد الواحد أو العائلة الواحدة أو الجماعة الواحدة.
فى حالتنا المصرية خرج القرار السياسى فى الكثير من الأحيان عن الإطار الدستورى أو القانونى الحافظ له ، فأصبح يعبر عن رغبات شخص الرئيس أو عائلته أو الحلقات الضيقة المحيطة به من رجال مال وأعمال أو عسكريين، سواء كان ذلك فى قرارات سياسية تؤثر على مستقبل البلد وتحالفاته الإقليمية والدولية، أو فى صورة قرارات اقتصادية تنعكس على الأوضاع الاجتماعية والمعيشية المباشرة لقطاعات واسعة من السكان.
وبالنظر لغياب آلية سياسية ديموقراطية حقيقية ترتب حسابا سياسيا للرئيس والحزب المنتمى إليه من قبيل:
-غياب انتخابات نزيهة وشفافة وتحت إشراف حقيقى وكامل من القضاء المصرى ومنظمات المجتمع المدنى المحلية والدولية.
-وبالتالى غياب وانعدام أى فرصة للتداول السلمى للسلطة.
-وبالمقابل زاد استخدام النظام لوسائل القمع والتعذيب الوحشى داخل السجون وفى أقسام الشرطة ضد المعارضين وكذا آحاد الناس.
كل هذا أدى عمليا إلى انعدام فرص المحاسبة السياسية لسياسات الرئيس، والمتمثلة فى إمكانية تغيير الحكومة والنظام عبر "صناديق الانتخابات"، فلم يبق للناس سوى إجراء هذه المحاكمة للرئيس وسياساته على أرض النص الدستورى ذاته وفى الأطر القانونية الملزمة.
فلنأخذ أذن هذه الواجبات الدستورية المناط إلى رئيس الجمهورية، ونقارنها بأداء ال

عريضة اتهام ضد رئيس الجمهورية دعوة لكل الوطنيين فى مصر*

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

طوال السنوات القليلة الماضية، استنهضت القوى الوطنية المصرية قوتها، وعبرت عن نفسها فى عدة حركات شعبية جديدة ، حملت هموم المصريين وأحزانهم، وطول شوقهم للتغيير السياسى والاجتماعى ، والتصدى لنظام حكم لم تشهد مصر فى تاريخها الطويل مثيل له من حيث احتقاره لمطالب المواطنين ، والتقليل من قيمة وأهمية الرأى العام ، والتغول دون رحمة على بقية السلطات والصلاحيات، سواء كانت سلطة قضائية أو تشريعية ، واستأثر بكل السلطات رجل واحد تربع على عرش السلطة فى البلاد ، دون سابق تأهيل أو خبرة ، أو تاريخ من العمل الوطنى المشهود.
ومارس على مدار كل تلك السنوات سياسات القهر والاعتقال لعشرات الآلاف دون وازع من ضمير، وأغتصب السلطة عادة مرات عبر انتخابات مزورة، وأقصى كل المعارضين الشرفاء لسياساته، ولم يتورع عن سجن أحد أهم قادة حرب أكتوبر وقائده السابق فى القيادة العامة للقوات المسلحة، الفريق الركن سعد الدين الشاذلى، ووصل الأمر به إلى ممارسة جرائم اغتيال ضد أفراد مثل المجند الشاب "سليمان خاطر" وغيره.
وقد جاءت شعارات الحركة الوطنية الأخيرة برفض التمديد لهذا الرجل، أو التوريث لنجله المتهم بجريمة استغلال النفوذ للتكسب هو وأخيه من وراء عمليات تجارة وسمسرة مشبوهة، دون أن يقدما وأبيهم مسوغات لتلك الثروة التى يمتلكانها دون أدنى شك والتى تقدر وفقا لبعض التقديرات الأكثر تحفظا بعدة مليارات من الجنيهات.
وبقدر إهمال وتجاهل السيد رئيس الجمهورية لكل دعوات المحاسبة والإصلاح، بل وتـورطه من جديد فى التلاعب الفج والفاضح فى الاستفتاء المشهود على تعديل المادة (76) من الدستور ،واستخدام أساليب البلطجة وتعريض أمن المواطنين للخطر، من خلال استخدام تلك الوسائل تحت سمع وبصر رجال الأمن والشرطة يوم الخامس والعشرين من مايو عام 2005، والذى سجلته بالصوت والصورة عدسات الصحافة والإعلام الدولى والمحلى، والثابت باليقين خاصة ما جرى أمام مبنى نقابة الصحفيين.
فإننا نوجه الدعوة لكل الوطنيين المخلصين من:
-رجال القانون الدستورى والجنائى .
-رجال العلوم العسكرية والأمن القومى .
-رجال السياسة والفكر .
-رجال الصناعة .
-رجال الاقتصاد
-رجال الثقافة .
-رجال الصحة والشئون الاجتماعية .
من عقد ورش عمل منظمة للنظر فى أمر تقديم عريضة اتهام "بالخيانة العظمى" لرئيس الجمهورية استنادا إلى حقائق نص المادة (79) من الدستور والمادة (85) منه.
حيث تنص المادة (79) من الدستور على: (يؤدى الرئيس أمام مجلس الشعب قبل أن يباشر مهام منصبه اليمين الآتية: "أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصا على النظام الجمهورى ، وأن أحترم الدستور والقانون ، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة، وأن أحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه").
ولما كانت هناك شواهد متعددة وأدلة ثبوتية حول حنث هذا الرئيس بهذا القسم من حيث:
1- محاولات الخروقات الدستورية المتعددة لتوريث الحكم لنجله، بما يمثل تهديدا للنظام الجمهورى.
2- تكـرار عدم إحترامه للدستور والقانون فى مواقف عديدة مما يمثل حنثا باليمين.
3- التأكد عبر ربع قرن من حكمه عدم رعاية مصالح الشعب، بل حرصه المشكوك فى نزاهته على مصالح رجال المال والأعمال وبيع الممتلكات العامة وتربح أقرب المقربين منه من عمليات البيع، والتلاعب فى ديون مصر والسماح لأحد أبنائه بشراء تلك الديون وإعادة بيعها للحكومة، مما يمثل خرقا للمادة (95) من الدستور، وكذا إهماله الجسيم فى أكثر من كارثة وتعامله برعونة مع المصائب التى أضرت بالفقراء وحدهم، وأخرهم قضية عبارة الموت (السلام 98) وسالم اكسبريس وغيرها.
4- وفيما يتعلق الحفاظ على استقلال الوطن، فان شواهد السياسات التى أتبعها هذا الرئيس قد أسلمت استقلال الوطن دون شبهه واحدة إلى الولايات المتحدة، وعززت من قوة إسرائيل الاقتصادية والعسكرية وغيرها، وليس أقلها تفريطه فى الأمن القومى المصرى وذلك بإهمال تعزيز القدرات الذاتية للقوات المسلحة المصرية، التى تحولت كل ترسانتها الحربية إلى مصدر واحد ووحيد هو الولايات المتحدة الأمريكية، مما شل أى قرار استراتيجى مصرى بعمل تعرضى، إذا ما تعرضت البلاد لمخاطر من حدودها الشمالية الشرقية أو من غيرها، وكذا مطالبته الولايات المتحدة وقواتها العسكرية المحتلة لبلد عربى هو العراق من الاستمرار فى احتلال هذا البلد مما يعد خرقا فاضحا لكل المواثيق المصرية والعربية والدولية التى تنهى أن استخدام القوة فى حل المنازعات وتعتبر الاحتلال لأراضى الغير عمل من أعمال العدوان، ومن ثم فان تصريح هذا الرئيس العلنى وأكثر من مرة، بضرورة استمرار هذا التواجد العسكرى الأمريكى المخالف للشرعية الدولية وبالمخالفة للقانون الدولى، تدخل فى دائرة التجريم الدولية، وتضعه فى دائرة الخيانة العظمى.
5- وزاد الأمر التلاعب بقضايا تمس بشكل مباشر وتهدد النسيج الاجتماعى التاريخى لمصر، لدواع ومتطلبات قصيرة النظر، مثل استخدام أو التغاضى عن الاحتقان الطائفى فى البلاد والذى تكرر عشرات المرات فى عهده من أجل التمديد لقانون الطوارىء.
ولما كانت المادة (85) من الدستور تنص على الآتى: (يكون اتهام رئيس الجمهورية بالخيانة العظمى أو بارتكاب جريمة جنائية بناء على اقتراح من ثلث أعضاء مجلس الشعب على الأقل ولا يصدر قرار الاتهام إلا بأغلبية ثلثى أعضاء المجلس . ويقف رئيس الجمهورية عن عمله بمجرد صدور قرار الاتهام ويتولى نائب رئيس الجم
هورية الرئاسة مؤقتا لحين الفصل فى الاتهام . وتكون محاكمة رئيس الجمهورية أمام محكمة خاصة ينظم القانون تشكيلها وإجراءات المحاكمة أمامها ويحدد العقاب . وإذا حكم بإدانته أعفى من منصبه مع عدم الإخلال بالعقوبات الأخرى ) .

ولما كان:
1- أن إقدام رئيس الجمهورية والسلطة التنفيذية التى يترأسها قد داومت على تزوير الانتخابات للحفاظ على نصاب الثلثين بما يضمن خروج نص الاتهام من حيز الممكن سياسيا وعمليا، وهو ما يشكل جريمة لا تسقط بالتقادم وهو جريمة تزوير إرادة الأمة.
2- ولما كان الرئيس وسلطته التنفيذية، وأغلبيته المصنوعة فى المجلس التشريعى قد امتنعت طوال الربع قرن من حكمه عن إعداد وإصدار قانون محاكمة الوزراء أو رئيس الجمهورية، وأصول المحاكمة وتنظيم المحكمة المختصة وتعيين قضاتها، مما يندرج فى باب إنكار العدالة أو التهرب من توفير شروطها.
3- ولما كان هذا الرئيس قد أمتنع عن تعيين نائبا له طوال الربع قرن من حكمه –لأسباب أصبحت معلومة للكافة الآن– بما يحول عمليا وسياسيا من إجراء محاكمته لغياب النص عن الجهة التى سيؤول أليها الحكم مؤقتا أثناء محاكمة الرئيس.
لكل هذا فإننى أهيب بأعضاء مجلس الشعب الشرفاء –ويقارب عددهم الثلث الآن– من تقديم عريضة اتهام بالخيانة العظمى، حتى لو كان من غير المقدر أن تنال أغلبية الثلثين ، فيكفى أن نبدأ الخطوة الأولى، كما أطالب أهل الرأى والفكر والعسكريين الوطنيين أن يشاركوا فى ورشة العمل المخصصة لإعداد وثيقة الاتهام لهذا الرجل الذى أحتقر الشعب وإرادته طوال ربع قرن، فأستحق احتقار الشعب له والعمل على تقديمه للمحاكمة.
فلننتقل من شعار "لا للتمديد .. لا للتوريث" إلى شعار أكثر واقعية وثورية "فلنحاكم هذا الرئيس" .

الفصل الثاني: مصر و سوء الإدارة السياسية

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008
أبعاد المسئولية السياسية لجريمة
غرق العبارة السلام 98*

تابعت بالكثير من الحزن والأسى، مأساة المصريين الفقراء فى عبارة الموت "السلام 98 " التى غرقت بركابها ، فى فبراير من هذا العام (2006)، فلم ينج منها سوى أربعمائة راكب ، بينما ضاع فى أعماق البحر الأحمر ما يزيد على الألف إنسان، معظمهم من النساء والأطفال الذين لم يجدوا من يقدم لهم يد المساعدة والعون.
صحيح أنها لم تكن المرة الأولى – فقد سبقها أكثر من ثمانى حالات غرق مماثلة تقريبا – وكذلك لن تكون الأخيرة ليس بسبب تفشى حالات الإهمال والتسيب فى أداء العمل فى مصر فحسب، بل من جراء تدخل السياسة فى توفير غطاء ومن حصانة سياسية لبعض ذوى المال والنفوذ.
وقد أدهشنى فى كل المتابعات الإعلامية – الفضائية منها أو الصحفية – وأخرها برنامج تحقيقات صحفية فى أحدى القنوات الفضائية المصرية ، تكرار الحديث حول المسئولية السياسية للحكومة أو وزير النقل المختص لهذه المأساة ، ومن ثم الإصرار على المطالبة بإستقالة الحكومة أو على الأقل الوزير التى تقع فى دائرته عمليات النقل البحرى.
هكذا تكرر الطلب والإصرار طوال المناقشة التى دارت بين ضيوف الصحفى الذى يتولى رئاسة تحرير أحدى الصحف الخاصة، دون أن ينتبه أحد إلى التوقف عند الأبعاد السياسية والقانونية لتلك الجريمة، سواء من حيث المضمون السياسى، أو مناط المسئولية السياسية النظرية أو الفعلية، وتحول المشهد كله إلى نوع من الصراخ الهستيرى ، أو الديماجوجيا السياسية.
ومن هنا وجدت من المناسب أن نتوقف بالشرح والتحليل القانونى للأبعاد السياسية الفعلية – وليس الافتراضية أو النظرية كما يحدث فى بعض الدول الغربية – لهذه الجريمة المتكاملة الأركان ، حتى ينتقل الحوار والنقاش فى المجتمع المصرى وبين النخبة الثقافية والسياسية المصرية ، إلى مستوى من الموضوعية والجدية ، ومحاولة التمييز بين المسئولية الجنائية لحادث غرق العبارة بركابها ، وطبيعة ومناط المسئولية السياسية لها .

نطاق ومناط المسئولية الجنائية لحادث غرق العبارة السلام 98 :

على الأثر – وكما يحدث عادة فى كل مصيبة أو حادثة فى مصر يشوبها الإهمال وتلتبس بشبهة فساد – تشكلت لجان تحقيق جنائية من وكلاء النائب العام المصرى ، علاوة بالطبع على لجان فنية متخصصة فى النقل البحرى ، للتعرف على أسباب الكارثة التى راح ضحيتها ما يزيد عن ألف إنسان مصرى وعربى ، وعادة ما تدور جوانب التحقيق الجنائى والفنى حول موضوعات من قبيل :
1- مدى السلامة الفنية للعبارة ، من حيث القدرات الميكانيكية والملاحية .
2- مدى سلامة الحمولة ومطابقتها للمعايير القياسية للأوزان المقبولة .
3- مدى سلامة إجراءات السلامة المتبعة داخل السفينة وكفايتها لمواجهة الحوادث المتوقعة مثل الحريق والغرق .. الخ .
4- ما هى الجهات التى منحت السفينة ترخيص الإبحار ، والجهات التى تولت التفتيش عليها وسمحت لها بالرحلة .
5- لماذا اندلع الحريق فى باطن السفينة وما مدى صحة تصرفات طاقم السفينة فى مكافحة الحريق والمسئولية الفردية والجماعية لأعضاء الطاقم فى هذا .
6- مدى استكمال أدوات الإنقاذ من قوارب وقمصان وغيرها .
7- مدى سلامة تصرفات ربان السفينة والطاقم أثناء ظهور بوادر للخطر .
8- مدى سلامة إجراءات الإنقاذ أو الترقب والرصد من جانب ميناء الوصول (سفاجا) خاصة بعد تأخر السفينة عدة ساعات عن موعد وصولها المتوقع.
9- مدى سلامة إجراءات وتوقيت خروج فرق الإنقاذ البحرية المدنية أو العسكرية لمواجهة الموقف حينما ظهرت الكارثة .
هذه هى عينة من التساؤلات ومحاور التحقيق والبحث الذى سيدور من لجان التحقيق الجنائية والفنية ، فما هو مناط المسئولية السياسية التى يتحدث عنها المطالبون بإقالة الحكومة كلها ، أو وزير النقل المختص ؟

الإهمال .. والنفوذ السياسي وتعارض المصالح الخاصة مع المصلحة العامة :
لاشك أن الإهمال والتسيب، وتدهور قيم الإجادة فى العمل وغياب الرغبة فى التطوير والتحسين ، قد باتت سمة مميزة للمصريين منذ سنوات طويلة ، خاصة بعد أن أنتهى أعظم إنجازاتهم الحديثة أثناء حرب أكتوبر عام 1973 ، بهزيمة سياسية أتى بها السادات وأسلوبه فى التفاوض كما يعرف الجميع فحقق بها لإسرائيل ما لم تحققه بعد انتصارها العسكرى الساحق فى يونيو عام 1967.
ويرجع خبراء علم الاجتماع وعلوم السياسة أسباب هذه الظاهرة المحزنة فى حياتنا إلى عوامل عدة، منها عدم كفاية الأجور والمرتبات التى يتقاضاها المصريون العاملون فى مصر لتلبية احتياجاتهم المعيشية المتزايدة، وما ترتب عليه من صراع وحشي بينهم على التكسب بأية وسيلة، حتى لو كانت على حساب المصلحة العامة (المدرسون أو أعضاء مجلسى الشعب والشورى مثلا .. الخ)، ومنها كذلك غياب مشروع قومى يجمعهم ويشدهم فى ملحمة تحدى، وقد يكون بسبب غياب القدوة فى القيادة ، وغياب الإحساس بالخطر والتحدى، كل هذا قد يكون صحيحا فى فهم الظاهرة المدمرة التى يعيشها المصريون منذ عام 1974 وحتى يومنا.
بيد أن هذا الإهمال الذى نتحدث عنه هو وليد الإحباط وغياب الأمل فى المستقبل ، بعكس الحال فى الإهمال الذى هو مولود تحقيق المنافع الشخصية ، وتقاضى الثمن عن التغاضى عن تنفيذ شروط السلامة وتطبيق صحيح القانون نصا وروحا ، خاصة إذا تدثر هذا الإهمال بغطاء من الحصانة والنفوذ السياسى الذى تخلعه عليه أعلى سلطة س

بعد عام من تمديد الرئاسة ..فشل البرنامج الاقتصادى للرئيس مبارك

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

تمر هذه الأيام الذكرى السنوية الأولى للوعود الانتخابية التى قطعها الرئيس حسنى مبارك على نفسه أثناء ما سمى "المعركة الانتخابية للرئاسة"، وشملها برنامجه الانتخابى .. فما الذى تحقق من هذه الوعود ؟ وما الذى لم يتحقق ؟ تعالوا أذن نحاسب الرئيس. الحقيقة والموضوعية تقضيان القول بأن الرئيس مبارك حينما تسلم مقاليد الأمور، بعد أغتيال الرئيس السابق " أنور السادات " كانت مصر وأقتصادها على حافة الإفلاس ، فلا هى قادرة على تسديد ديونها التى زادت فى عهد الرئيس السادات من أقل من 5 مليارات دولارعام 1970 – بخلاف الديون العسكرية التى قاربت 3 مليارات دولار – إلى ما يقارب 30 مليار دولار ، ولا هى بقادرة على أستثمار نتائج حرب أكتوبر عام 1973 ، والمشاركة فى الغنائم الاقتصادية والمالية الهائلة التى تحققت لدول النفط العربية ، بسبب سياسات الرئيس السادات التى أرتمت فى أحضان الولايات المتحدة الأمريكية، وأقدمت على عقد أتفاقية تسوية و "استسلام" لمطالب "إسرائيل" وشروطها، مما أدى إلى عزل مصر إقليميا ودوليا.
بيد أنه، وبعد مرور أكثر من ربع قرن من تولى الرئيس مبارك الحكم ، يكاد يترك مصر وهى على حافة أنهيار اقتصادي وسياسى وأخلاقى غير مسبوق ، بسبب تحالف طبقة رجال المال والأعمال، التى صنعها السادات بسياساته ورعاها الرئيس " مبارك وعائلته بقراراته وحضوره الدائم على موائد محافلها ومغانمها ، مع طبقة العسكر والبيروقراطية العتيدة.
وعلى الرغم مما سبق وعرضناه فى مقالات ودراسات وكتب ، خلال السنوات القليلة الماضية عن نتائج سياسات الرجل ومخاطرها على مستقبل مصر وأجيالها القادمة ، فأننا نجد أنفسنا مرة أخرى مطالبون بمناقشة وتحليل نتائج هذه السياسة خلال عام من إعادة تنصيبه رئيسا للجمهورية فى ضوء برنامجه الذى قدم به نفسه فى حملته الانتخابية فى سبتمبر من العام الماضى ( 2005) ، لنتعرف بدقة على ما حققه منها وما لم يحققه.
بيانات الحكومة .. وألاعيب الأرقام
قدمت الحكومة خلال الأسابيع القليلة الماضية، وعبر الصحف الرسمية ، بعض البيانات والأرقام التى تشير إلى الإنجازات التى تحققت فى العام المنصرم وأهمها :
1- أن معدل النمو فى الاقتصاد القومى المصرى قد بلغت 5.9% .
2- أن مستوى التشغيل للعمالة قد قارب 400 ألف فرصة عمل جديدة .
3- أن حجم الصادرات المصرية قد زاد من أقل من 5 مليارات دولار إلى ما يقارب 12 مليار دولار .
فما وجه الحقيقة فى هذا ؟ وما أنعكاساته على حياة المصريين ؟
يبدو أننا مطالبون فى كل مرة نناقش فيها بيانات الحكومة ودعاويها الاقتصادية، أن نبدأ بعرض البديهيات التى يدرسها طلبة السنوات الأولى بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، أو حتى كليات التجارة، وهى أن غاية أى إنجاز، أو أداء اقتصادي للحكومة هو تحسين أحوال المعيشة لغالبية السكان الذين هم عماد أى مجتمع، والذين يتحددون فى حالتنا المصرية فى الفئات التالية:
1- موظفى الحكومة والقطاع العام وشركاتها ، الذين يبلغ عددهم حوالى 6.5 مليون مواطن، يعولون فى المتوسط حوالى 15 إلى 18 مليون مواطن.
2- العاملون فى القطاع غير الرسمى فى الاقتصاد، والعمالة الهامشية والحرفيين، والذين يقدر عددهم بحوالى 8 مليون مواطن، يعولون فى المتوسط حوالى 24 مليون أنسان.
3- الفلاحون والمزاعون الذين يبلغ عددهم حوالى 3 مليون فلاح ، يعولون بدورهم فى المتوسط حوالى 9 مليون مواطن.
4- وبخلاف هؤلاء هناك عمال وموظفى المشروعات الخاصة والاستثمارية المنظمة- أى الذين لديهم سجلات وتراخيص وحسابات منتظمة – والذين تعرضوا بدورهم لعمليات أستنزاف بشعة حرمتهم من التمتع بنظم التأمينات الاجتماعية والضمان الصحى والأجازات، وغيرها ويقدر عدد هؤلاء حوالى 2 مليون مواطن يعولون بدورهم حوالى 6 مليون أنسان.
بأختصار، فأن هؤلاء جميعا يشكلون حوالى 45 مليون إلى 50 مليون أنسان ، أى ما يمثل حوالى 64% إلى 70% من سكان مصر، فما الذى قدمته حكومة الرئيس "مبارك " لهؤلاء خلال العام الماضى؟ وأين مناط الخطأ والخلط فى بيانات الحكومة؟
إذا عدنا إلى بيانات الحكومة عن إنجازاتها خلال العام الماضى، السابق الإشارة إليها ، نستطيع أن نشير إلى مناط الخطأ والتلاعب الحكومى فى النقاط التالية:
1- أن معدل النمو فى الاقتصاد القومى ، لم يشر إلى ما يعنيه بهذا النمو ، هل يقصد معدل نمو الناتج القومى ؟ أم الإنتاج القومى ؟ أم الناتج المحلى الإجمالى ؟ ويعرف طلاب أقسام الاقتصاد جميعا مقدار الفارق الكبير بين كل هذه التعبيرات والمصطلحات ، وهى كلها لا تشير إلى معنى واحد ، بل إلى معان مختلفة وأحيانا متناقضة ، كما أن هذا البيان يقدم المعدل وفقا للأسعار الجارية ، وليس بالأسعار الثابتة، والجميع يعلم – كما سوف نعرض بعد قليل – أن العام الماضى ( والأول فى رئاسة مبارك الخامسة ) قد شهد أعلى معدلات التضخم وأرتفاع الأسعار ، بحيث أكتوى منها الفقراء ومحدودى الدخل ، والتى تجاوزت فى معظم السلع والخدمات معدل من 25% إلى 40% مثل أسعار الوقود والمحروقات ، والسلع الغذائية والخضروات ، ومستلزمات الإنتاج كالأسمنت والحديد وغيرها .

جدول رقم (18)
تطور أسعار بعض السلع والخدمات خلال الفترة من سبتمبر عام 2005 إلى سبتمبر عام 2006

المجموعة

الأسعار ( بالقرش )

سبتمبر 2005

سبتمبر 2006

الخضروات

150

250

البطاطس

200

300

الطماطم

150

300

متوسط الزيادة خلال الفترة 20%

الألبان ومنتجاتها ( بالقرش الكيلو )

لبن سائب

250

350

لبن أكياس

250

400

جبنة بيضاء – أنواع مختلفة

950

1200

حلاوة

675

800

الوقود ( باللتر )

بنزين ( معيار 80 – 90 -92 )

100 – 120

130 – 140

سولار

45

75

كيروسين

50

100

أخرى

أرز

200

250

سكر

250

350

صابون

100 – 125

خفض الوزن 25% وبقاء السعر

كبريت ( بالقاروصة )

100

150

الخدمات

مترو الأنفاق ( بالقرش )

75

100

عربات النقل العام

50 – 75

75 -100

2- كما أن هذا المعدل الحكومى – الزائف – قد تغاضى عن حقيقة ما جرى من أرتفاع فى سعر برميل النفط ، ومصر دولة مصدرة له ، منذ الأحتلال الأمريكى للعراق ، وتصاعد أعمال المقاومة البطولية المسلحة للشعب العراقى ، وما خلقه ذلك من مناخ توتر فى أسواق الطاقة والنفط ، بحيث زاد إلى ما يقرب من 70 دولارا للبرميل، ويقل قليلا بالنسبة للزيت الثقيل الذى تنتجه مصر. وهذا هو السبب فى زيادة الصادرات المصرية ، وليس بسبب خلق أسواق جديدة للمنتجات المصرية ولا "الكويز" أو غيرها.
3- أما الأدعاء بأن أسواق العمل المصرية قد نجحت فى توفير ما يقارب 400 ألف فرصة عمل جديدة ، فهو أمر يعوزه البرهان ، وذلك لعدة أسباب ، منها حالة الركود فى الأسواق وبالتالى فان تصور وجود عمليات توسع أو أستثمارات أنتاجية جديدة ، أو خدمية من القطاعين الحكومى أو الخاص تصبح غير صحيحة على الأطلاق ، ومنها كذلك أن الدولة لا تزال تنتهج سياسات الخصخصة الرامية إلى أنسحابها من الأنشطة الإنتاجية ، مما أدى إلى وقف أى توسعات فى شركات القطاع العام أو قطاع الأعمال العام ، بل العكس هو الصحيح، حيث حالة الأنتظار البليدة من جانب جميع رؤوساء الشركات أنتظارا لعمليات البيع المرتقبه، وما جرته من سياسات "خلو الرجل الوظيفى" أو ما يسمى المعاش المبكر التى زادت من معدلات البطالة وليس العكس. كما ان الأرقام المؤكدة تشير إلى تواضع حجم الأستثمار الأجنبى المباشر، بأستثناء قطاع الطاقة والبورصات وهى بطبيعتها قطاعات غير منتجة لفرص عمل جديدة أو مؤثرة.
4- وأخيرا فان حالة الكساد والركود فى الأسواق المصرية قد أنعكست سلبيا على المشروعات الصغيرة وما يسمى "مشروعات الشباب"، بحيث يعانى هذا النشاط من مشكلات عويصة ، ليس فى مجال التسويق فحسب ، وأنما فى مجال تسديد القروض لمصادر التمويل المختلفة ، وبالتالى فأن تصور توفير فرص عمل جديدة من خلال هذا النشاط هو تصور غير واقعى.
فماذا قدم الرئيس مبارك وحكومته خلال العام الماضى لمواطنيه وشعبه ؟
نستطيع أن نشير إلى ما قدمه الرئيس لشعبه ومحدودى الدخل هو التالى:

1-الأسعار والأجور:
كان من أبرز النقاط البرنامجية التى قدمها " الرئيس " فى برنامجه الأنتخابى فى سبتمبر من العام الماضى، هو الوعد بمضاعفة الأجور والمرتبات للموظفين خلال السنوات الستة القادمة من ولايته الخامسة. ويدرك الأقتصاديون خصوصا والمواطنون عموما أن العبرة دائما ليست فى زيادة الأجور الأسمية ، بقدر ما تحمله هذه الأجور من قدرة شرائية معينة ، فعلى سبيل المثال ، إذا زادت الأجور لشخص بنسبة 10% أو حتى 20% خلال عام ، وفى الفترة نفسها زادت أسعار حاجياته الأساسية من سلع وخدمات بنسب تتراوح بين 10% أو 20% أو حتى 30% أو أكثر أو أقل ، فأن المحصلة النهائية قد تكون تدهور قيمة الأجر الحقيقى ، على الرغم مما قد يكون من زيادة شكلية أو أسمية ، وهذا هو ما حدث بالضبط مع وعد الرئيس .
ذلك أنه ومنذ عام 1987 أنتهجت حكومات الرئيس مبارك سياسات تقوم على تقديم علاوة خاصة لموظفى الدولة والقطاع العام وشركات قطاع الأعمال العام تترواح بين 10% و 15% وأحيانا 20% من قيمة الأجر الأساسى ، مقابل تخلى الدولة فعليا عن سياسات دعم الأسعار للسلع والخدمات ، وترك آليات السوق تؤدى فعلها ، ومع ثبات نسبى فى الأسعار خلال الفترة من 1992 إلى 1998 ، حدث بعض التحسن النسبى فى أحوال الموظفين ، أتت عليها آليات الفساد التعليمى تحديدا ، بحيث تآكلت هذه الزيادات مع تكاليف الدروس الخصوصية .
والجديد الآن أنه قد حدثت مصيبتان لمحدودى الدخل، أولهما: زيادة كبيرة وغيـر متــوقعة فى أسعار السلع والخدمات خلال العام الماضى وحده، ترواحت بين 30% و 40% فى أسعار معظم تلك السلع والخدمات.
وثانيهما : أستمرار الفساد التعليمى، ومن ثم زيادة فاتورة تكاليف التعليم الحكومى والخاص ، بحيث أصبحت الزيادة الجديدة التى قدمها "مبارك" للعاملين والموظفين (فى حدود 15% تقريبا ) فى العام الحالى لا تفى بمتطلبات الزيادة الكبيرة فى الأسعار، مما يعنى فى المحصلة النهائية تدهور مستوى معيشة هؤلاء الموظفين ، والأسوأ أن القطاع الأكبر من محدودى
الدخل الذين أشرنا إليهم ، ويمثلون حوالى 64% إلى 70% من سكان مصر ، قد تضرروا من هذا الوضع الجديد الذى أتى به مبارك لهم فى عامه الأول بعد ربع قرن من الحكم.

2-الإزاحة التعليمية .. كارثة جديدة
من أخطر السياسات التى يتبعها نظام الرئيس مبارك وينفذها وزرائه ، هى ما أسميه سياسات " الإزاحة الإجتماعية " ، حيث تلجأ الحكومة إلى دقع الناس دفعا إلى التعامل مع القطاع الخاص عبر تخلص الحكومة من أعباء الخدمات الضرورية التى يقوم بها أى نظام حكم محترم .
ففى مجال التعليم يجرى تقليص أعداد المقبولين فى الكليات الجامعية الحكومية ، مع رفع درجات القبول بها مما يضطر الأهالى وأولياء الأمور إلى تقديم أوراق أبنائهم إلى الجامعات الخاصة والأكاديميات التى تزيد عن 20 جامعة وأكاديمية خاصة ، كثير منها يفتقر إلى المستوى التعليمى المقبول أو المعترف به مقابل الحصول على مبالغ طائلة .
وجوهر المآساة للأسر المصرية تتمثل فى أولياء أمور الطلاب الذين يحصل أبنائهم على مجموع درجات تزيد على 90% من مجموع النجاح ، ثم يجدون أنفسهم عاجزون عن الألتحاق بالكليات التى يرغبون أو يطلقون عليها كليات القمة ( الطب – الهندسة – الاقتصاد – الإعلام .. الخ ) مما يدفع أولياء الأمور دفعا إلى التصرف فى أى شىء من أجل إلحاق أولادهم ببعض تلك الكليات التى يرغبون فيها ويطمحون .
هذه الإزاحة الاجتماعية المقصودة ، يكمن ورائها عقل رجال مال وأعمال ، وليس رجال دولة وقادة ، أنهم يحطمون طموح الأجيال الجديدة ، ويدفعونهم دفعا إلى اليأس من كل شىء فى هذا البلد المنكوب برئيسه وعائلته والملتفين حولهم من رجال المال والبيزنس .

3-البطالة .. وأغتيال جيل كامل
لقد أدت سياسات الرئيس مبارك ، ومن قبله سلفه " السادات " إلى تآكل قوى الإنتاج فى مصر ، والتى تعتمد بصفة أساسية على الدور الحكومى والقطاع العام فى مجال الإنتاج ، ومنذ أن تبنى النظام والحكم عام 1974 سياسة الانفتاح الاقتصادى ، ومنح القطاع الخاص ورجال المال والأعمال الدور الأكبر فى الاقتصاد المصرى ، ومعاداة فكرة المشروع العام ، وأنتهاج الرئيس مبارك منذ عام 1991 سياسات الخصخصة ، ووقف تعيين الخريجيين وهناك تراكم فى أعداد العاطلين من الشباب ، بحيث تجاوز عددهم وفقا لبعض الدراسات العلمية المحايدة والموضوعية حوالى 6 ملايين عاطل ، معظمهم من المتعلمين ، وشاهدنا فى عصر " مبارك " مئات الآلاف – دون مبالغة – من الفتيات والشباب المؤهل علميا يجوبون المقاهى والشوارع حاملين سلعا هامشية يتوسولو بيعها ويعرضون أنفسهم إلى مخاطر أخلاقية عديدة ، فهل يرضى الرئيس والسيدة قرينته- راعية المرأة المصرية – أن يجوب أبناؤنا وهم فى سن الإنتاج والعمل فى الشوارع والمقاهى باحثين عن أى شىء .. وكل شىء ..!!
وقد أستمرت هذه الظاهرة فى التزايد خلال العام الماضى ، خصوصا أن النظام التعليمى المصرى يقذف كل عام حوالى 450 ألفا إلى 500 ألف شاب وفتاة إلى سوق العمل دون توافر فرصة حقيقية .
1- الدين المحلى .. التأمينات .. والوائع المصرفية
استمرت سياسات الرئيس مبارك خلال العام الماضى فى الأتجاه نفسه الرامى إلى تحميل الأجيال القادمة عبء سياساته الاقتصادية الضارة ، فمن ناحية أستمر الأعتماد على تمويل العجز فى الموازنة العامة والاستثمارات الحكومية من خلال الأقتراض المحلى ، عبر طرح أذونات الخزانة والسنادت الحكومية ، ومن ناحية أخرى الأستيلاء القسرى على أموال صناديق التأمين والمعاشات .
والخطير فى العام الماضى هو أقدام الحكومة والنظام على خطوة لها أضرار راهنة ومستقبلية على أصحاب المعاشات وأبنائهم وذويهم ، حيث جرى دمج هيئة التأمينات القومية فى الهيكل التنظيمى لوزارة المالية ، تمهيدا لتغيير النظام التأمينى كله الذى ينتمى – من وجهة نظر رجال المال والأعمال الجدد – إلى النموذج الاشتراكى القديم ، حيث يجرى إعداد " وطبخ " قانون جديد للتأمينات الاجتماعية ، يقوم على نظرية " الدفعة الواحدة " بدلا من النظام القائم حاليا المعتمد على فكرة " الدفعات المستمرة " ، ويهدف النظام الذى يجرى إعداده بمعرفة الوزير " الشيطانى " يوسف بطرس غالى ، إلى تحقيق هدفين خطيرين :
الأول: السيطرة على أموال التأمينات من أجل إظهار الدين المحلى بأقل من حقيقته أمام مصادر التمويل الدولية.
الثانى: نقل عبء نظام التأمين من الدولة إلى الأفراد ، مع تنشيط سوق التأمين التجارى ، وشركات التأمين الخاصة على الحياة ، ومن ثم قصر فائدة النظام التأمينى على صاحب المعاش وحده ، دون بقية المستحقين وفق شروط معينة ، وهو ما سنتناوله تفصيلا فى المقال القادم .
أما فائض الودائع لدى النظام المصرفى ، فهو يعكس بشكل جلى خللا فى الأداء الاقتصادى الحكومى ، فهذه الأموال تركت لتقديمها إلى رجال المال والأعمال لسنوات طويلة ، وأمتنعت عن تقديمها إلى شركات القطاع العام وقطاع الأعمال العام ، بحجج واهية ، وهو ما أدى إلى ما شاهدناه خلال السنوات الماضية من تهرب عدد كبير من كبار رجال المال والأعمال من تسديد هذه الديون، بل هروب بعضهم إلى خارج البلاد حاملا معه أموال البنوك ، وختى الآن ليست هناك سياسة حكومية جادة لنزول الحكومة إلى سوق الاستثمار اإنتاجى، مستفيدة من فائض الوادئع لدى النظام المصرفى المصرى، بل الأدهى هو استمرار سياسة استثمار جزء كبير من هذه الأموال لدى بنوك الخارج، وشراء سندات الخزانة البريطان

عريضة أتهام ضد فساد المحمول

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

منذ بدأت شركات المحمول العمل فى مصر عام 1998، والكل يعرف أن دراسات الجدوى تؤكد أن عدد زبائن هذا النشاط الجديد سوف يتزايد ليصل إلى 10 ملايين مشترك بحلول عام 2005 ، لذلك بالغت الشركتان ( موبينيل وفودافون مصر ) فى أسعار خدماتهما بصورة كبيرة على الرغم من صدور القانون رقم (19) لسنة 1998، والقرار الجمهورى رقم (101) لسنة 1998 ، اللذين ألزما وزارة الاتصالات بوضع ضوابط معينة من أجل ضمان تسعير تنافسى لخدمات شركات الاتصالات العاملة فى السوق المصرى ، وهو ما سنتناوله بالتفصيل بعد قليل .
المهم ، ونظرا لتزايد صرخات المشتركين المصريين فى خدمات المحمول من مبالغة الشركتين الأحتكاريتين فى أسعار خدماتهما ، فقد أضطر المسئولين وأعضاء مجلس الشعب ، بل ورئيس الجمهورية إلى التصريح أكثر من مرة بضرورة إنشاء الشركة الثالثة للمحمول ، لتخفيف الأثر والممارسة الإحتكارية البغيضة التى تمارسها شركتا المحمول ( فوادفون وموبينيل ) .
وبالفعل بدأت الشركة المصرية للاتصالات – وهى شركة مملوكة للحكومة – فى إتخاذ الإجراءات القانونية والعملية ، وإعداد دراسات الجدوى من أجل إنشاء الشبكة الثالثة للمحمول، واستمر هذا الجهد عامين كاملين وشمل :
1-إعداد دراسات الجدوى التى أكدت الجدوى الاقتصادية لإنشاء الشبكة الثالثة للمحمول .
2-الحصول على ترخيص من الجهاز القومى لتنظيم مرفق الاتصالات بالموجة الترددية 1800 ميجا هرتز مقابل دفع مبلغ 1450 مليون جنية .
3-بداية إتخاذ مقر للشركة الجديدة وتأثيثه وإعداد طاقم العاملين الإداريين فيها .
وفجأة توقف كل شىء ، وبدت تصريحات وزير الاتصالات وقتئذ ( د. أحمد نظيف) معادية لفكرة إنشاء شركة ثالثة للمحمول ، وبعده بدأت تصريحات جوقة الوزير من أمثال المهندس " عقيل بشير " رئيس مجلس إدارة الشركة المصرية للاتصالات صاحبة المصلحة الكبرى فى إنشاء الشبكة الثالثة ..!! وبعده مستشار الوزير ( د. طارق كامل ) وغيرهما ، وقد أستندت أقوالهم وتصريحاتهم الرافضة للشركة الثالثة على أساس :
1-إنه قد ثبت عدم الجدوى الاقتصادية لهذه الشركة.
2-إنها بالتالى ستؤدى إلى خسائر كبيرة.
3-وأن السوق المصرى فى حالة تشبع.
وكلها كانت أكاذيب ملفقة، ناقشتها فى حينه وفق أصول التحليل الاقتصادى الوطنى الأمين فى جريدة العربى الناصرى (بتاريخ 7/7/2004 و 14/7/2004)، وها هى الأيام تثبت كذب إدعائتهم بعد أن زاد عدد المشتركين فى شبكتى المحمول القائمتين من 4 مليوم مشترك عام 2002 إلى 14 مليون مشترك فى نهاية عام 2005 مما يؤكد كذب أقوالهم بشأن تشبع السوق المصرى ، وعدم الجوى الاقتصادية .
وقد زادت أرباح شركتى المحمول بأكثر من 2 مليار جنية على أرباحهما المعتادة سنويا ، قبل توقف الحديث عن إنشاء الشركة الثالثة للمحمول ، مما يؤكد أن تواطؤا قد تم بين هؤلاء المسئولين وشركتى المحمول على حساب المستهلكين المصريين الذين تركوا نهبا للأسعار الإحتكارية المبالغ فيها من جانب شركتى المحول .
أولا: الأسس الاقتصادية للإتهامات
تأملوا معى هذه الأرقام الفضيحة ، التى تكشف جريمة " نظيف " ومساعديه من أمثال عقيق وطارق كامل .
1-فبعد أطمئنان شركتى المحمول إلى توقف مشروع بناء الشبكة الثالثة للمحمول، مقابل إرضاء كبار المسئولين ، واحد الوسطاء من أبناء كبار المسئولين جدا، تغولت الشركتان فى الأسعار ، من حيث تقليل فترات سماح الشحن ، وهو ما كان يعنى فعليا رفعا يزيد عن 30% فى أسعار المكالمات وبقية الخدمات .
2-قامت الشركتان فى الوقت نفسه بما يمكن تسميته " إغراق السوق " من خلال طرح خطوط للأشتراك بأسعار زهيدة ف عام 2005 ، فزاد عدد المشتركين فى عام واحد من 6.5 مليون مشترك عام 2004 ، إلى 14 مليون مشترك نهاية عام 2005 ، مما سد الطريق على بناء شبكة ثالثة مستقبلا ، أو وضعها فى موقف صعب اقتصاديا ، وكأنهما على معرفة مسبقة بأن هذا الأتفاق سوف يستمر عدة سنوات قليلة ، وسيعود بعدها الضغط الشعبى فى التأثير من أجل بناء الشبكة الثالثة للمحمول ، فيحقق كل طرف منهما أغراضه . فالشركتان قفزت بأرباحهما إلى أكثر من 150% فى عام واحد ، وقد حققتا معا خلال السنوات الأربعة الماضية صافى أرباح حوالى 7 مليارات جنية من دم المستهلكين المصريين، وحقق المسئولين المتورطين فى الجريمة منافع وعمولات أودعت فى بنوك سرية.
جدول رقم (17)
تطور صافى أرباح شركتى المحمول خلال الفترة 2002 حتى 2005
"بالمليون جنية "

السنوات

شركة موبينيل

شركة فودافون

المجموع

2002

422.8

370.2

793.0

2003

915.2

814.9

1730.1

2004

873.1

777.9

1651.0

2005

1397.0

1233.0

2630.0

المجموع

3608.1

3196.0

6804.1

المصدر: من واقع ميزانيات الشركتين المعلنة بالصحف المصرية.
1- أصبح وجود شركة ثالثة للمحمول مجرد " محلل أحتكارى " ، فلا هى ستكون قادرة لعدة سنوات بعد قيامها على منافسة هذا الحجم من المشتركين لدى الشركتين – إلا إذا أقدمت على مجازفة اقتصادية كبرى – بتقبل خسائر فادحة لعدة سنوات من أجل جذب هؤلاء المشتركين أنفسهم إلى شبكتها الجديدة ، وذلك بتخفيض أسعار خدماتها إلى نصف ما تتقضاه الشركتان الإحتكاريتان القائمتان فعلا ، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كانت الشركة الثالثة بقوة الشركة الصينية china telcom ، وليست شركة متوسطة مثا " أتصالات " الإماراتية، أو غيرها.
2- الأرجح أن ترسو المزايدة أو المناقصة الجديدة على شركة خليجية صغيرة أو متوسطة تكون مجرد "محلل إحتكارى"، ستشارك فى إقتسام كعكة السوق مع الشركتين القائمتين دون أن تجرؤ على منافستهما فعلا بجديية .**

الأساس الثانى للإتهام الاقتصادى:
يتمثل فيما جاء على لسان رئيس مجلس إدارة الشركة المصرية للاتصالات " عقيل بشير " فى مايو عام 2004 ( بمجلة الشركة إتصالات ) ، يتأكد منه أن هناك مؤامرة مفضوحة مغلفة بالأكاذيب حيث قال :
1- أن تكلفة الشبكة الثالثة ستكون فى حدود 2.5 مليار جنية ، وستنفق على مدار خمس سنوات أى بمتوسط سنوى 500 مليون جنية .
2- وأن مصاريف التشغيل ستكون حوالى 250 مليون دولار أخرى ، بينما العائد السنوى سيكون بالجنية المصرى . .!!
3- وإننا – أى عصابة مجلس الإدارة – قد فشلنا فى الحصول على شريك أستراتيجى ..!!
4- وأن هناك ركودا فى سوق الاتصالات العالمية ..!!
5- وأن الظروف السياسية والاقتصادية فى الشرق الأوسط لا تساعد على ذلك..!!
لقد كان الرجل كاذبا ومتواطئا ، وأنا أتهمه مباشرة بأن وراءه أغراضا غير شريفة، دفعته إلى حرمان الشركة التى يتولى رئاسة مجلس إدارتها من نشلط مربح حقيقى، وهو ما ثبت بالأرقام التى نشرناها فى هذا المقال.
الأساس الثالث للإتهام:
فضيحة صفقة "فوادفون مصر"، ووفقا للترتيب والأتفاق الذى تم بين الأطراف الثلاثة المتأمرين على المستهلك المصرى وعلى الشركة الوطنية المملوكة للمجتمع المصرى ، وهم شركتا المحمول ووزارة الاتصالات ، ورئيس مجلس إدارة الشركة المصرية للاتصالات ، فقد تم مقابل تنازل الأخيرة عن ترخيص الشبكة الثالثة للمحمول، أن تؤدى شركتا المحمول قيمة الترخيص – وقدره 1450 مليون جنية – إلى الجهاز القومى لتنظيم مرفق الاتصالات ، وأرتضت " شركة موبينيل " أن تدفع حصتها وقدرها حوالى 780 مليون جنية على أقساط مريحة لمدة خمس سنوات (أى حوالى 255 مليون جنية سنويا)، بينما قبلت "فودافون مصر" أن تتنازل بنظام البيع عن 25.5% من أسهمها لصالح الشركة المصرية للاتصالات بسعر السهم 23.3 جنيها (مع ملاحظة أن سعر إصدار السهم كان 5 جنيهات). وبهذا أنخفضت حصة " فوادافون العالمية " – وهى شركة إنجليزية عملاقة تسيطر على جزء كبير من سوق الاتصالات العالمية – فى مصر من 67% إلى 51.0%، وهكذا ظلت السيطرة الحقيقية فى يد "فودافون العالمية"، وهذا من ناحية.
وبهذا توزعت القيمة بين الشركاء الثلاثة على النحو التالى:
- 51% من الأسهم لفودافون العالمية.
- 24.%من الأسهم لحصة الأقلية.
- 25% من الأسهم لصالح الشركة المصرية للاتصالات.
والأنكى هو توزيع مقاعد مجلس الإدارة الثلاثة عشر، حيث توزعت على النحو الآتى:
-ستة مقاعد لمجموعة فودافون جروب .
-ثلاثة مقاعد أخرى لمساهمى الأقلية .
-أربعة مقاعد للمصرية للاتصالات .
ولم يحدد الأتفاق – على حد علمنا – مدى و إمكانية تداول هذه الأسهم التى أمتلكتها المصرية للاتصالات لدى " فودافون مصر " فى البورصة المصرية أو البورصات العالمية .
وبهذا أصبحت "فودافون العالمية" وحلفاؤها من الأقلية "مثل محمد نصير وجماعته" يسيطرون فعليا على سياسة الشركة وتوجهاتها، ولم يتحقق للمصرية للاتصالات شىء جديد فى الاقتصاد المصرى، أو إضافة شىء من النشاط الاقتصادى..!!
الأساس الرابع للإتهام:
ما يجرى فى الشركة المصرية للاتصالات ذاتها ، وتعمد تكبيدها خسائر دون مبرر معقول ، وكأن المقصود بخس أصولها التى تزيد عن 33.3 مليار جنية ( أى حوالى 6 مليارات دولار بأسعار الصرف الراهنة)، ورأس مال يتجاوز 17.1 مليار جنية (حوالى 3.2 مليار دولار ) ونشير هنا إلى الحقائق التالية:
1- زيادة مخصص الديون المشكوك فى تحصيلها، وهى كلها ديون موجودة لدى عملاء الشركة من القطاعين الخاص والرأسمالى، حيث زادت هذه المخصصات من 511.5 مليون جنية عام 2001 إلى 801.4 مليون جنية عام 2002، ثم إلى 1044.1 مليون جنية عام 2003، ثم إلى 1140.3 مليون جنية عام 2004.
2- الاستثمار فى شركات خاصة لا تحقق عائدا مجزيا للشركة المصرية للاتصالات، وكأن هذه الشركات قد أسست من المال العام لخ
دمة أقارب بعض المسئولين فى الدولة وأبنائهم ، وقد بلغت هذه الاستثمارات حوالى 160 مليون جنية.
3- زيادة مخصصات المخزون الراكد ، أو التالف فى الشركة المصرية للاتصالات بمعدلات تتراوح بين 6.5% إلى 8.0% من قيمة المخزون نفسه ، وهى معدلات مرتفعة بما يشير إلى إهمال فى صيانة المخزون أو عمليات التخريد والإهلاك.
4- المبالغة فى مخصصات الإهلاك والاستهلاك ، التى زادت من 929 مليون جنية عام 1998 ، إلى 1307 مليون جنية عام 1999 ، ثم إلى 1506 مليون جنية فى يونيو عام 2000 ، ثم إلى 1709 مليون جنية فى ديسمبر عام 2001 ، ثم قفزت عام 2002 إلى 2.4 مليار جنية ، بما أصبح يعادل فى المتوسط 40% سنويا من تكاليف النشاط فى الشركة ، فإما أن هناك إهدارا للأصول والممتلكات ، أو أننا إزاء محاولة محاسبية للتلاعب فى بعض البنود من أجل إظهار الأرباح بأقل من حقيقتها ، لأسباب عديدة كلها تؤدى إلى نتيجة واحدة ، إلا وهى ضرورة إحالة المسئولين عن هذه الجرائم إلى المحاكة الجنائية .

ثانيا: الأسس القانونية والدستورية للإتهام
نأتى الآن إلى الأبعاد القانونية والدستورية التى يتأسس ويقوم عليها أتهامنا للدكتور "أحمد نظيف" و"عقيل بشير" و "طارق كامل" والجماعة المحيطة بهم والمستفيدة من فضيحة شركات المحمول .
فعندما صدر القانون الخطيئة رقم (19 ) لسنة 1998 الذى تضمن :
1- تحويل الهيئة القومية للاتصالات السلكية واللاسلكية من هيئة اقتصادية إلى شركة من أشخاص القانون الخاص .
2- إنشاء جهاز لتنظيم مرفق الاتصالات يكون تابعا لوزير الاتصالات والمعلومات .
3- وقد نصت الفقرة الثانية من المادة (12) من هذا القانون على دور لهذا الجهاز وهو " أعتماد أسعار الخدمات المقدمة للجمهور وإصدار التراخيص للشركات للعمل فـى مجال الاتصالات السلكية واللاسلكية ومتابعة أداء هذه الشركات والتنسيق بينها ".
4- كما نصت المادة الأولى من الفرار الجمهورى رقم (101) لسنة 1998 على مسئوليات هذا الجهاز وعلى " أن يدار قطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية على أسس غير إحتكارية "، وأستكملت المادة الثانية من القرار الجمهورى ذلك بأن نصت على أن يتولى جهاز تنظيم مرفق الاتصالات وضع القواعد التى تكفل المنافسة المشروعة بينها.
5- وأكدت المادة الخامسة من هذا القرار ذلك، بأن نصت على مسئولية الجهاز فى أن يقوم بمراجعة التكلفة الاقتصادية، وتعريفة الخدمات بمراعاة مصالح جميع الأطراف المعنية.
أذن .. هذا هو الإطار القانونى المنظم لعمل جميع الوزارات والأجهزة المعنية بهذا النشاط .. والسؤال هو: هل أحترم الوزير المختص – أحمد نظيف وجماعته – هذا الإطار القانونى الذى يلزمه بحكم القسم الذى أداه حين تولى مسئوليته الوزارية؟
الإجابة .. بالقطع كلا.
لقد ترك الرجل السوق لحيتان مفترسة ، دون قواعد أو تسعير اقتصادي تنافسى ، أو غير أحتكارى .
كما تغاضى الجهاز ووزير الاتصالات عن الممارسات الإحتكارية لشركات الاتصالات ، سواء فى مجال المحمول أو الشركة المصرية للاتصالات ، كما لم يراجع الجهاز والوزارة التكلفة الاقتصادية، وتعريفة الخدمات لشركتى المحمول ، وهى تكلفة تقل عن ربع (25%) من أسعار خدماتها، بما يحقق لها أرباحا خيالية تعادل ما بين 65% إلى 91% من رأسمالهافى العام الأخير، وفى عام 2005 بلغت أرباح كل منهما ما يعادل فى المتوسط 115% من رأسمالهما.
كما تواطأ السيد الوزير ورئيس مجلس إدارة الشركة المصرية للاتصالات وغيرهما، لوأد مشروع الشبكة الثالثة للمحمول، فأهدروا على المال العام فرصة تعظيم أرباحه، وتحقيق مصالح تنافسية للمستهلكين والمشتركين فى خدمات المحمول، الذين قارب عددهم حاليا 12 مليون مشترك.
هذه عريضة أتهام صريحة ضد الفساد، نقدمها إلى النائب العام، وأعضاء مجلس الشعب الشرفاء.

مخاطر صفقة شراء أسهم "فودافون – مصر"على الشركة المصرية للاتصالات

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

خلال الأسابيع القليلة الماضية، تسارعت الخطى والأخبار التى نشرت فى الصحف الحكومية والخاصة ، حول رغبة مجلس إدارة الشركة المصرية للاتصالات الذى يقوده السيد " بشير عقيل " فى شراء حوالى 24 % أخرى من أسهم شركة المحمول الثانية فى مصر "فودافون – مصر" بسعر مائة جنية للسهم الواحد، بعد أن سبق وقامت المصرية للاتصالات بصفقة مماثلة – دارت حولها الشكوك والظنون وما زالت – عام 2002 واشترت بمقتضاها حوالى 25% من أسهم الشركة المذكورة بسعر 10.4 جنيها للسهم الواحد ، فى إطار خطيئة تنازل المصرية للاتصالات عن رخصة شبكة المحمول التى كانت قد حصلت عليها من قبل.
وقد أثارت هذه الرغبة المحمومة من جانب رئيس مجلس إدارة الشركة المصرية للاتصالات – وهو صاحب الأمر والنهى دون مراجع فى أمور الشركة – وبهذه الصورة الإعلامية المبالغ فيها ، والرقم المعلن لشراء الأسهم، عدة تساؤلات حرجة لدى المتخصصين فى عالم الاقتصاد وسوق الاتصالات المصرية، وكذلك لدى الرأى العام الذى لم يفق بعد من تخبطات السنوات الخمس الماضية من جانب رئيس الشركة المصرية ووزير قطاع المعلومات والاتصالات السابق – د. أحمد نظيف _ والحالى د. طارق كامل والمجموعات المحيطة بهم ، التى أدت فى المحصلة النهائية إلى إخراج الشركة المصرية للاتصالات – وهى من الممتلكات العامة من حيث الشكل القانونى حتى اليوم – من سوق المحمول من ناحية، وبداية تفتيتها و"نشل" بعض أصولها الفرعية – مثل الشركة المصرية لنقل البيانات – لصالح شركات خاصة تمارس نفس النشاط ويشارك فى تأسيسها بعض أقارب كبار المسئولين فى الدولة وقطاع المعلومات والاتصالات تحديدا.
وكل هذا التخبط والغموض الهدام فى القرارات قد أدت عمليا إلى تدهور الأداء المالى والاقتصادى للشركة الضخمة – أصولها حوالى 33 مليار جنية ورأسمالها 17 مليار جنية – عاما بعد أخر مما أستدعى رغبة عارمة لدى الرأى العام والمتخصصون فى معرفة حقيقة ما يجرى فى هذه الشركة .
والأن بعد أن إمتلكت الشركة المصرية ما يزيد قليلا عن 49% من أسهم شركة " فودافون – مصر " للهاتف المحمول من خلال صفقتين متتاليتين (2002 و 2006 ) ما هى حقيقة هذه الصفقة ؟ وما هى مبررات أصحابها ؟ وما هى مخاطرها على البنيان المالى والاقتصادى للشركة المصرية التى هى فى زمام " المال العام " ؟ رغم ما يجرى داخلها من منطق إدارة هو أقرب إلى مفهوم " العزبة الخاصة " ، أو العزبة التى بدون صاحب ؟
صمت مجلس الإدارة يثير الشكوك ويؤكد الظن
حتى الآن أمتنع السيد " عقيل بشير " وأعضاء مجلس إدارة عزبته الخاصة ، عن تقديم مبرر علمى مقبول ومعقول مبنى على دراسة جدوى حقيقية حول دواعى هذا القرار الخطير وفوائده على الأداء المالى والاقتصادي للشركة المصرية للاتصالات ..!! بل أنه وبقية المسئولين فى الشركة قد امتنعوا تماما، واختفوا واعتذروا عن حضور أى ندوة أو مؤتمر علمى لمناقشة قراراتهم.
أذن دعونا نناقش أبعاد هذا القرار وتداعياته على البنيان المالى والاقتصادى للشركة المصرية للاتصالات ، ولنبدأ بتصور دوافع وأسباب ومبررات قرار مجلس إدارة هذه الشركة ومن ورائهم من المسئولين – خاصة رئيس الوزراء أحمد نظيف ومستشاره السابق ووزير الاتصالات الحالى طارق كامل – فى هذه الصفقة.
فى الواقع المعلنة يقول المسئولين عن الشركة أن الأهداف الثلاثة من وراء هذه الصفقة هى:
الأول : أن تملك 49 % من أسهم شركة "فودافون – مصر" من شأنه الدخول مرة أخرى إلى سوق الهاتف المحمول الذى أخرجت منه الشركة المصرية للاتصالات، مرة بسبب تنازلها الغامض عن الرخصة الممنوحة لها منذ عام 1998 لإقامة شبكة للمحمول ( بمبلغ لم يكن يتجاوز 1500 مليون جنية ) لصالح الشركتين المحتكرتين لسوق الهاتف المحمول ( موبينيل وفودافون )، وأعلنوا فى تبجح غير معهود أمام رئيس الجمهورية – المفتقر للخبرة والكفاءة – بأنه ليس هناك جدوى اقتصادية لبناء شبكة ثالثة للمحول، وهو ما ثبت كذبه بعد ثلاث سنوات فقط من هذا التصرف المريب، ومرة أخرى حينما جرى التواطؤ الخفى بين بعض المسئولين الكبار جدا فى الحكم والإدارة وشركة " أتصالات " الإماراتية لإرساء المناقصة لبناء الشبكة الثالثة للمحمول عليها عام 2006 ، مقابل مبلغ 2.3 مليار دولار، مول جزء كبيرا منها من البنوك المصرية والشركاء المصريين، وكان وجود "عرض" المصرية للاتصالات وحلفاءها مجرد show إعلامى، أو مجرد ذرا للرماد فى العيون ، من أجل إخفاء حقيقة الوعود السرية التى قطعت للشركة الإماراتية بحصة كبيرة من كعكعة المصرية للاتصالات حينما يبدأ طرح جديد لأسهمها (25% ) خلال الشهور القادمة.
الثانى: أن الاتجاه العالمى السائد منذ أكثر من خمسة عشرة عاما هو عمليات الدمج والاستحواذ التى تتم بين كبريات الشركات العالمية من أجل إقامة كيانات كبرى تستطيع السيطرة على جانب أكبر من السوق، ومن ثم فأن ما تقوم به المصرية للاتصالات من شراء حصص كبيرة من أسهم " فودافون – مصر " يندرج فى إطار هذا المعنى.
الثالث: أن شراء 24% أخرى من أسهم تلك الشركة من شأنه تحقيق بعض المكاسب المالية السنوية من خلال عمليات جنى الأرباح، حيث يبلغ متوسط نصيب السهم من الأرباح فى تلك الشركة حوالى 3.5 جنيها للسهم فى المتوسط خلال السنوات الخمس الماضية، وقد تحسن هذا المعدل فى العام الأخير ( 2005) إلى ما يعادل 7 جنيهات للسهم.
فما هو وجه الحقيقة فى هذه المبررات والادعاءات ؟
أن أى ت
حليل اقتصادي ومالى دقيق ومحايد – وغير مغموس بمستنقع العمولات والرشاوى والمصالح الشخصية الخفية – يستطيع أن يفند هذه الإدعاءات ويكشف مدى زيفها وهنا نقدم ثلاثة أسباب جوهرية وراء قولنا هذا :
السبب الأول:
أنه عندما قامت الشركة المصرية للاتصالات فى نهاية عام 2002 بشراء حوالى 25% من أسهم " فوادفون – مصر " – أى حوالى 60 مليون سهم _ بمبلغ 619 مليون جنية ( بواقع 10.4 جنيها للسهم الواحد ) ، فإن هذا الاستثمار المالى لم ينتج أثرا إيجابيا ملموسا على نتائج أعمال وأرباح الشركة ، حيث ظلت أرباح المصرية للاتصالات عند مستواها المتدنى تقريبا والذى لا يتناسب إطلاقا مع أصولها ورأسمالها وزيادتها المستمرة لأسعار خدماتها التى يتحملها المشتركون من الفقراء ومحدودى الدخل، ووفقا للبيانات المنشورة للشركة فان هذه الأرباح كانت كالتالى:
جدول رقم (16)
صافي أرباح الشركة المصرية للاتصالات خلال الفترة من 2001 حتى
2005

السنة

الأرباح "بالمليون جنيه"

2001

1338

2002

791

2003

1087

2004

1008

2005

1836

فأين أذن أثر شراء ربع أسهم "فوادفون – مصر" عام 2003 على مستوى الأرباح، علما بأن متوسط نصيب السهم من أرباح شركة " فودافون – مصر " ظل يدور حول 3.4 جنيها للسهم سنويا خلال السنوات الثلاثة الأخيرة ، أى أن استثمار هذا المبلغ لم يأت بالكثير ، على عكس الأرباح الكبيرة التى حققتها شركتى المحمول فى السوق المصرى كما سبق وعرضنا فى مقالات سابقة حيث بلغت أرباح "فوادفون مصر" وحدها عام 2005 حوالى 1233 مليون جنية.
السبب الثانى:
أن عرض الشركة المصرية للاتصالات لشراء جديد لأسهم "فودافون – مصر" وبسعر مغالى فيه جدا (100 جنية للسهم) بينما سعره الأسمى أو سعر الإصدار خمسة جنيهات، وشراءه قبل عامين بحوالى 10.4 جنيها للسهم تضع ألف علامة استفهام حول هذا القرار والمستفيدين منه ، يكفى أن نعلم أن السيد " محمد نصير " الذى يمتلك 5% من أسهم " فودافون مصر " – أى حوالى 12 م

المحمول .. وسنينه ..وسرداب جديد للفساد*

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

وسط زفة إعلامية ، وإعلانية خرج علينا رئيس الوزراء الدكتور أحمد نظيف وشلته (طارق كامل ويوسف بطرس غالى ومحمود محيى الدين) يوم الثلاثاء الماضى (4/7/2006 ) يزفون إلى الشعب المصرى خبر الانتصار الساحق الماحق الذى تحقق بإرساء مناقصة ومزايدة " إقامة الشبكة الثالثة للمحمول" على التكتل أو "الكونسرتيوم" الذى تقوده المؤسسة الإماراتية للاتصالات (اتصالات)، ويضم فى عضويته هيئة البريد المصرية ، والبنك الأهلى المصرى، والبنك التجارى الدولى C.I. B ، واستبعاد سيعة أو ثمانى تكتلات أخرى، كان من بينها تكتل أو "كونسرتيوم" تقوده الشركة المصرية للاتصالات Egypt telecom .
وكان منطق الانتصار والتباهى الذى بدا واضحا على ملامح وجوه المسئولين المصريين ورنات صوتهم ينطلق من الإدعاءات التالية:
1- أنهم قد نجحوا فى رفع قيمة المزايدة لتصل إلى 2.9 مليار دولار – أى ما يعادل 16.7 مليار جنية مصرى – ثمنا للرخصة ، وأن هذا المبلغ سوف يدخل إلى خزينة الدولة مما يخفف عن الأعباء الملقاة على عاتقها .
2- وأن الشفافية كانت أساسية وحاكمة فى إدارة عمليات المزايدة على هذه الشبكة.
3- وأنهم أخيرا – ودون أن يصرحوا بهذا علنا – قد تخلصوا من " العار " الذى لحق بهم والشكوك والظنون التى صاحبتهم بعد فضيحة عام 2002 ، حينما وقف نفس الأشخاص تقريبا ليعلنوا على الملأ ويقنعوا رئيس الجمهورية الذى ليس لديه أى خبرة ، أن الشبكة الثالثة للمحمول غير ذات جدوى اقتصادية وأن من شأن إقامتها أن تؤدى إلى استنزاف موارد الشركة المصرية للاتصالات صاحبة الترخيص وقتئذ بمبلغ 1.4 مليار جنية ، وبالتالى فإن السوق المصرى للاتصالات لا يستوعب وجود شبكة ثالثة للمحمول ..!! .
وبصرف النظر عن أن إدعاءتهم كانت كاذبة ووراءها رائحة فساد مالى طال أشخاصهم ومن ورائهم من أبناء أحد كبار المسئولين جدا ، وهو ما كشفته عبر عدة مقالات قمت بنشرها فى جريدتى " العربى الناصرى " و " الكرامة " و " الأهرام العربى " ، وعرضت الأمر ذاته فى عدة ندوات حضرها لفيف من المتخصصين فى عالم الاتصالات والمعلومات ، من خلال " الجمعية العلمية لمهندسى الاتصالات " ، وقدمت خلالها بلاغات إلى " النائم العام " أطالبه فيها بفتح تحقيق معى أو معهم حول هذه الفضيحة وإدعاءتهم الكاذبة وقتئذ ، فإن الغريب والمدهش أن أحدا لم يجرء على أن يرد على وعلى مزاعمي وإتهاماتى لهم بالفساد والتواطوء مع شركتى المحمول العاملتين فى السوق المصرى بشكل إحتكارى.
والآن .. بعد هذه الزفة الكبرى وعلامات الانتصار البادية على ملامح وجوههم التعيسة ما هى الحقيقة فى كل هذا ؟ وما هى أبعاد المصيبة المحدقة فى سوق الاتصالات المصرى ؟ وبالمواطنين ؟ وبالشركة المصرية للاتصالات ذاتها ؟
دعونا نتناول كل واحدة من انتصاراتهم الكاذبة بشىء من التفصيل:
أولا: أكذوبة الخزانة العامة ..!!
صحيح أن رخصة التشغيل للشبكة الثالثة للمحمول قد تجاوزت التوقعات التى كانت سائدة لدى الجمهور ولدى المتخصصين على حد سواء ، حيث بلغت 2.9 مليار جنية (اى حوالى 16.7 مليار جنية مصرى)، وقد حاول رجال السحر والشعوذة الجدد إيهام الرأى العام بأن هذا المبلغ هو بمثابة استثمار جديد سوف يدخل إلى شرايين الاقتصاد المصرى، وأن الشركة الإماراتية قد ضخت أموالا إضافية بسبب الثقة فى مناخ الاستثمار المصرى !!
بيد أن هذا لم يكن حقيقيا على الإطلاق .. كيف؟
الحقيقة أن من سيتولى تمويل ثمن رخصة الشبكة الثالثة هذه وبقية تكاليف التشغيل من إقامة محطات التقوية وغيرها هو مجموعة الشركاء أعضاء هذا التحالف وبنفس نسبة مشاركتهم وهم:
1-المؤسسة الإماراتية للاتصالات (اتصالات ) بنسبة 66%.
2-هيئة البريد المصرية – وهى هيئة حكومية مصرية – بنسبة 20%.
3-البنك الأهلى المصرى – وهو بنك حكومى مصرى – بنسبة 10%.
4-البنـك التجارى الدولى – وهو بنك مملوك إلى البنك الأهلى المصرى – بنسبة 4%.
إذا فأن 34% من حصة التمويل هى من جهات حكومية مصرية وليست استثمارا جديدا وافدا من الخارج ، هذه واحدة، وإذا عرفنا أن هيئة البريد المصرية تمتلك حتى مايو 2005 حوالى 31.6 مليار جنية فى صورة مدخرات للأفراد والعائلات المصريين، وكانت تقوم بإقراض جانب كبير من هذه المدخرات إلى بنك الاستثمار القومى وغيره من الوسطاء الماليين ، وأن البنك الأهلى المصرى – وشقيقه السرى البنك التجارى الدولى – سيقومان بدورهما بتمويل جزء كبير من هذه الصفقة عبر توفير القروض والمشاركة فى رأس المال ، بما يعنى أننا إزاء عملية نقل أصول مالية من اليد اليسرى للحكومة (هيئة البريد والبنكين)، إلى اليد اليمنى للحكومة ، خاصة إذا علمنا أن "مؤسسة الإمارات للاتصالات (اتصالات)" التى أنشئت عام 1976 ، وأتسع نطاق نشاطها بشكل غريب فى دول غرب وشرق أفريقيا والسعودية وبعض دول الخليج بمساعدة هيئات استشارية أمريكية ، لا يتجاوز رأسمالها فى 30/9/2005 حوالى 3630 مليون درهم إماراتى (أى ما يعادل 5685.3 مليون جنية مصرى)، وأن حجم استثماراتها فى ذلك التاريخ لم تزد على 3471.8 مليون درهم (أى ما يعادل 5437.5 مليون جنية مصرى)، بما يؤكد أنها سوف تأتى بحصتها الكبيرة فى هذه الشبكة الثالثة من خلال الحصول على القروض والائتمان المصرفى ، سواء من البنوك العربية أو المصرية، وغالبا سيكون من الأسهل الحصول عليها من البنوك المصرية التى انتشر فيها الفساد والمجاملة وعرف عنها تدخل كبار المسئولين وبعض أبنائهم وأطفالهم للتوصية لمنح ا
لقروض إلى بعض الشخصيات سواء من باب المجاملة أو من مدخل العمولات والرشى، وهو ما أدى لإهدار أكثر من 40 مليار جنية على هذه البنوك وهروب الكثيرين من كبار المقترضين خلال السنوات القليلة الماضية.
هذا هو الوجه الأول للخديعة الكبرى ، أما الوجه الثانى فيتمثل فى المخاطر الحقيقية المحدقة بهذه القروض والمساهمات الخاصة بالبنوك المصرية لعدة أسباب جوهرية هى:
الأول: أن شـركتى المحمول القائمتين فى مصر منذ عام 1998 (موبينيل وفودافون) قد نجحتا فى العام الماضى وحده فى إغراق السوق المصرى لإتصالات المحمول تماما ، بحيث زاد عدد مشتركيهما فجاءة من 6.5 مليون مشترك فى ديسمبر عام 2004 إلى 13.5 مليون مشترك فى ديسمبر من عام 2005 ، وذلك بهدف سد الطريق على الشبكة الثالثة للمحمول المزمع إنشاءها ، وبعد أن نجحت عام 2002 فى رشوة كبار المسئولين فى قطاع الاتصالات والمعلومات ، فتركوا لهما السوق والمواطنين لقمة سائغة دون حسيب أو رقيب مما رفع معدل أرباحهما بصورة هائلة فحققتــا حوالى 6.5 مليار جنية صافى أرباح خلال السنوات الأربعة (2002 -2005) .
الثانى: ولأن الشركة الثالثة للمحمول تواجه أوضاع جديدة فى السوق المصرى ، فأن الفرصة الوحيدة المتاحة لها للتواجد فى هذا السوق تتمثل فى تقديم أسعار أقل من الأسعار الجشعة لشركتى المحمول القائمتين حاليا (50 قرشا للدقيقة فى الخط السحرى و 150 قرشا للدقيقة فى الخط العادى)، علاوة على إضافة خدمات جديدة ، وذلك حتى تضمن قطاع جديد من السكان فى ظل مستوى المعيشة ومستوى التضخم الراهن، وهذا الحجم من الزبائن الجدد لن يزيد عن مليون مشترك جديد سنويا ولمدة ثلاثة إلى خمسة سنوات، أو سحب جزء من مشتركي الشركتين القائمتين بمعدل لن يزيد عن نصف مليون مشترك ، وهذا يعنى أن يظل مستوى إيرادات الشركة الجديدة دون مستوى نفقاتها لمدة لن تقل عن ثلاث سنوات قادمة ، سيكون فيه الوضع المالى للشركة تحقيق خسائر كبيرة، أى خسائر لهيئة البريد المصرية وللبنكين التجاريين المصريين، وباختصار خسائر لأصحاب الودائع المصريين.
الثالث: وبافتراض ثبات مستوى الأسعار الباهظة لشركتى المحمول (موبينيل وفودافون) على حالهما لمدة السنوات الثلاثة القادمة – وهى مسألة مشكوك فيها – فإن الشركة الجديدة لن تستطيع تحقيق التوازن المالى بين تكاليف تشغيلها ومستوى إيراداتها إلا بعد مرور ثلاث سنوات إلى خمسة على الأقل ، أما إذا تحالفت الشركتين من أجل تخفيض أسعار خدماتهما فان خسائر الشركة الجديدة سوف تستمر لسنوات أطول .
الرابع: حالة التشبع الموجودة فى السوق المصرى للاتصالات قد تحققت بعد عملية الإغراق الذى مارسته شركتى المحمول طوال عام 2005 ، كما سبق وأشرنا ، ومن غير المتوقع أن ينمو عدد مشتركى هذا السوق خلال السنوات القادمة سوى بأقل من 10% سنويا ، لقد نجح تحالف الفساد الذى جرى عام 2002 فى حرمان المواطنين المصرين من فرصة التمتع بخدمة المحمول بأسعار معقولة منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا.

ثانيا: مخاطر محدقة بصرح الشركة المصرية للاتصالات
لم يكن ما جرى من إرساء المزايدة على التحالف الذى تقوده الإماراتية للاتصالات، وخسارة التحالف الذى تقوده المصرية للاتصالات، سوى المسمار قبل الأخير فى نعش هذه الشركة الحكومية العملاقة التى يجرى تحطيمها بشكل ممنهج منذ أن جاءوا "ببشير عقيل" من أحدى الدكاكين الخاصة لقيادة هذا الصرح الحكومى العملاق.
فالصفقة بشكلها الحالى سوف تعود بالأضرار على الشركة المصرية وعلى المواطنين الذين أسرعوا فى مارس الماضى بشراء أسهم تلك الشركة فى أول طرح لنسبة 20% من أسهم الشركة ، والتى أدت إلى قفزة فى سعر شراء السهم من أقل من 15 جنيها إلى أن تجاوز فى الساعات الأولى للطرح 35 جنيها ، ثم وبعد أن انجلى غبار الوهم أخذ فى الانخفاض، حتى جاءته الضربة الجديدة ليصل إلى نحو 10 جنيهات للسهم مما يمثل خسارة فادحة لحملة الأسهم، والأخطر فى هذا هو المستقبل المحيط بالشركة خاصة فى ظل قيادة هذا الرجل وإهداره لموارد الشركة وتصرفه فيها وكأنها عزبة خاصة ورثها عن أجداده، حيث المخصصات المالية الهائلة التى يحصل عليها والتى تقدر وفقا لأقرب المقربين لهذه الجماعة الضيقة المحيطة به حوالى 300 ألف جنيها شهريا ، ونفقات بدل الاجتماعات والفنادق الفخمة التى تتولى تقديم الغداء والمشروبات أثناء اجتماعات مجلس الإدارة وكأنهم يديرون جنرال موتورز أو بنك أمريكي وليس شركة حكومية فى دولة معرضة للإفلاس المالى والانهيار الإقتصادى.
فهذه الشركة تتعرض لعملية تحطيم "ممنهجة" من أجل دفعها ودفع الرأى العام المصرى للقبول بفكرة "خصخصتها" وبيعها للأجانب الذين يتربصون بها منذ سنوات طويلة ، ولعل أحد هذه العمليات الممنهجة هو خلق مشاعر من الكراهية من جانب الرأى العام تجاة السلوك الاحتكارى الذى تمارسه إدارة الشركة منذ سنوات والمبالغة فى رفع أسعار خدماتها بصورة مستمرة ودورية حتى أصبح هناك فعلا رفض من جانب الرأى العام والمتعاملين مع هذه الشركة العريقة – وعددهم يزيد عن 20 مليون متعامل ومشترك – لسلوك هذه الشركة ، مما أوقع البعض بحسن نية فى فخاخ الصيادين ، فارتفعت الأصوات وبعضهم وطنيون مخلصون إلى التخلص من الطابع الاحتكارى لهذه الشركة والقبول بفكرة دخول الأجانب على سوق الهاتف الثابت أسوة بما جرى فى سوق الهاتف المحمول ..!!
وإذا ما حدث هذا – لا قدر الله – فأن عقدة الاتصالات الأرضية الضخمة وشبكاتها الهائلة التى بنيت على
مدى 150 عاما ستكون قد وقعت فى أيدى غير معلومة ، فنصبح أشبه بالعراة تماما ، مكشوفين كمجتمع ، وكدولة ، وكأفراد فى حجرات نومنا أمام أجهزة التجسس الإستخبارية العالمية ، فمشروع " أشلون " أو الآذان العالية الأمريكى يتجسس على كل اتصالات العالم وكذلك جهاز الاستخبارات البريطانى M.I.6 ، وكلها تتم عبر وسيلتين أساسيتين هما:
-شبكات الاتصالات الأرضية والمحمول.
-الأقمار الصناعية و من بينها القمر الإماراتى "الثريا".
والمؤكد فى تحليلى أن " الإماراتية للاتصالات " ومن وراءها من كبار أمراء ومشايخ الخليج ، يدركون أن فرص تحقيق أرباح كبيرة من الشبكة الثالثة للمحمول فى مصر، هى فرص متواضعة لسنوات خمس قادمة، لذا فان التصور الأقرب إلى المنطق والعقل هو نظرتهم إلى مستقبل "الشركة المصرية للاتصالات" والوعود التى قد تكون قد قطعت لهم بحصة معتبرة من كعكة المصرية حين يأتى أوان تصفيتها وتمزيقها أربا وبيعها ، وهذا ربما سر إصرار " الإماراتية " على رفع قيمة عروضها فى المزاد من أجل الدخول إلى السوق المصرى.
أما حكاية الخزانة العامة التى ستمتلىء بالأموال القادمة من هذه المزايدة فهى أكذوبة كبرى تنطلي على بعض البسطاء من المواطنين وبعض غير المتخصصين، تماما كما فعلوا فى موضوع مشروعات BOOT شهورا طويلة، فإذا بها تتحول إلى ثقب واسع فى مواردنا المالية وميزان المدفوعات المصرى، مما حدا رئيس الجمهورية علنا فى لقاء صحفى وفى حضور رئيس وزراءه – طباخ السم كله – د.عاطف عبيد إلى التأكيد على ضرورة إعادة النظر فى موضوع BOOT ، وبعدها مات هذا النظام بالسكتة القلبية برغم تحذيرنا منه على صفحات جريدة العالم اليوم منذ عام 1999.
دعونا أيها الناس، أصحاب المصالح غير المشروعة نتوقف عن الأكاذيب وترويج الدعاية السوداء، وتحلوا ولو مرة واحدة بالأمانة والجدية عند مناقشة قضايانا الاقتصادية والوطنية، فمصر على وشك الغرق إن لم تكن قد غرقت فعلا.

أين تذهب أموال جهاز الإعلام المصرى؟*

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

إذا كان من المفهوم وجود فلسفة وموقف سياسى للنظام الإعلامي المصرى، مشتق من جملة أفكار واستراتيجيات النظام والحكم السياسى، مثل الحفاظ على علاقة التحالف مع الولايات المتحدة وعدم الإضرار بما يسمى "مسيرة التسوية مع إسرائيل"، وكذا تناول القضايا العربية فى الحدود التى لا تضر مصالح الحكم وأولوياته مع هاتين الدولتين المعتديتين ، وكذلك تقديس مفهوم الملكية الخاصة والقطاع الخاص باعتبارهما قاطرة النمو الاقتصادى – الذى لم يحدث- وعدم المساس بالعلاقات مع العائلة المالكة السعودية أو العائلات المالكة فى الخليج العربى، وكذا عدم المساس بشخص رئيس الجمهورية وعدم توجيه النقد إليه أو إلى سياساته وأفكاره حتى لو مست مستقبلنا ومستقبل أولادنا.
فإن هذه الاعتبارات والقيود قد شكلت عبر الزمن سقفا لحدود " الحرية الإعلامية المصرية " سواء كانت فى وسائل الإعلام الحكومية أو حتى وسائل الاعلام الخاصة أو الحزبية أو ما يسمى خطأ "الصحف المستقلة"، بحيث فرضت بدورها قيوداً على الأداء الاعلامى المسيطر عليه من جانب الحكومة والحكم من حيث:
1– طبيعة الموضوعات محل التناول الإخبارى والإعلامى عموماً.
2– طبيعة انتقاء الشخصيات التى تجرى استضافتها فى التعليقات الإخبارية أو غيرها.
3– طبيعة البرامج الدرامية والمنوعات التى ينبغى أن تراعى تلك الحساسيات سواء كانت متعلقة بالولايات المتحدة أو المملكة السعودية.
4 – الاهتمام بالكم الإعلامى على حساب الكيف الإعلامى والتثقيفى، حيث يزيد عدد ساعات البث التليفزيونى الراهن على 164 ساعة يومياً، خاصة بعد التوسع غير المبرر وغير الاقتصادى وغير الفنى فى القنوات المحلية والإقليمية والمتخصصة.
حتى تلك المحاولات الخجولة والجريئة – نسبياً – التى حاول فيها بعض المسئولين فى قناتى الثقافية والنيل للأخبار توسيع هامش الحرية ، جرى تطويقهما والعودة بهما مرة أخرى الى حظيرة الرسمى والمحدود ، مما أفقد " الشاشة المصرية التليفزيونية " أى طعم مميز ، أو نكهة جادة قادرة على اجتذاب المشاهدين والمتابعين لكل الأحداث الجسام التى تجرى فى فلسطين أو العراق أو السودان أو غيرها ، فلجأ الجميع الى القنوات الفضائية العربية الجديدة مثل الجزيرة والعربية وأبو ظبى ، علاوة بالطبع على CNN , BBC .
فأين أوجه الخلل فى أدائنا الإعلامى الراهن ؟
إذا كان هذا هو الوضع التنافسى المتواضع للأداء الإعلامى المصرى ، خاصة فيما يتعلق بأهم قطاعاته وأكثرها تأثيراً ألا وهو جهاز "التليفزيون" برغم زيادة عدد ساعات بثه الإجمالى الى أكثر من 164 ساعة يومياً بكل قنواته الأساسية (الأولى والثانية والثالثة) والإقليمية أو المتخصصة أو حتى القنوات الخاصة، فإن هذا يطرح سؤالاً حيوياً وهو أين مناط الخلل؟ وهل هو نتيجة نقص فى الموارد المالية أو الكوادر الفنية والبشرية؟
يستطيع المحلل المدقق فى الأداء الإعلامى المصرى، وجهاز التليفزيون تحديداً أن يكتشف مجموعة من الإختلالات الأساسية وهى:
1– لعل أهمها وأكثرها تأثيراً على مجمل الأداء هو تدنى سقف الحرية والسماح الديموقراطى أمام معدى البرامج الإخبارية والحوارية والأفلام التسجيلية والدرامسة وغيرها.
2– ويترتب على ذلك هروب الكوادر الفنية الشابة، خاصة من المخرجين ومعدى البرامج والمذيعين، سواء كان ذلك بسبب تواضع مستوى الحرية وبالتالى القيود المفروضة على إبداعهم، أو بسبب نقص الامكانيات الفنية مثل الاستوديوهات، أو الكاميرات وكذا تدنى الأجور والمكافآت لصغار العاملين والكوادر التنفيذية.
3– سوء توزيع العمل سواء بسبب ضعف المديرين أو بسبب سيادة منطق وروح الشللية والمجاملة داخل القنوات وبين مشرفى البرامج المختلفة .
4– التوسع غير المبرر وغير الاقتصادى فى القنوات التليفزيونية، سواء كانت قنوات إقليمية (من الرابعة وحتى الثامنة) أو القنوات المتخصصة، وتكرار نفس الوظائف والاختصاصات وهو ما أدى إلى تواضع أدائها الفنى والموضوعى.
5– زيادة ساعات البث التليفزيونى بصورة مفزعة ، مما غلب اعتبارات الكم على اعتبارات الجودة وفاعلية الاختيار بدءاً من النصوص وحتى الأداء التمثيلى والإخراج، مما أضعف الشاشة المصرية وأساء إلى سمعتها.
6– انتشار الفساد، أو ما يطلق عليه العاملون فى اتحاد الإذاعة والتليفزيون تعبير "الزيس" وتسمح لوائح الانتاج والإشراف على البرامج بثغرات واسعة تؤدى الى تفشى الفساد وانتشاره، خاصة بين كبار العاملين وقيادات التليفزيون ، ولدينا فى هذا حالات ونماذج قضى فيها القضاء المصرى بأحكام إدانة ، وهى بالقطع ليست الحالات الوحيدة .ويبقى السؤال :
أزمة موارد .. أم خلل فى إدارة الموارد المالية ؟
يدهش المرء من معرفة مقدار النقص الموجود فعلاً فى المعدات الفنية (الكاميرات) أو الاستديوهات، فى هذا المبنى الضخم الذى يضم أكثر من 55 ألف موظف وكادر فنى وهندسى وتحريرى .. إلخ.
خذ مثلاً قناتى النيل للأخبار والثقافية وهما الأكثر جرأة وكفاءة من الناحيتين الاخبارية والثقافية، لا يمتلكان سوى عدد محدود جداً من كاميرات التصوير الخارجى – ربما كاميرتان لكل قناة منهما إن لم تخنى الذاكرة – بما يعجزهما عن ملاحقة الأحداث الهامة سواء كانت سياسية أو ثقافية، وذلك على الرغم من ضخامة الموارد المــالية التى حصل عليها اتحاد الاذاعة والتليفزيون طوال الأحد عشر عاماً الماضية (91/1992 – 2001/2002) والتى زادت على 13.4 مليار جنيه؟ بما
جعل هذه المؤسسة واحدة من أكبر الأجهزة أو الهيئات الاقتصادية التى تحصل على اعتمادات مالية وهى أيضاً من أكبر الهيئات التى تحقق خسائر سنوية فى البلاد. والجدول التالى يبين تطور مخصصات جهاز الإعلام الحكومى المصرى خلال الفترة المشار إليها:
جدول رقم (15)
تطور مخصصات قطاع الإعلام المصرى فى الموازنة العامة للدولة
خلال الفترة 91/1992-2001/2002 " بالمليون جنيه "

السنوات

ديوان وزارة الإعلام

هيئة الاستعلامات

اتحاد الاذاعة والتليفزيون

الإجمالى

91/1992

47.6

45.0

500.1

592.7

92/1993

54.8

48.8

694.2

767.8

93/1994

63.0

63.0

872.1

998.1

94/1995

77.6

62.3

998.1

1138.0

95/1996

96.9

80.7

1429.8

1607.4

96/1997

115.7

135.0

1392.8

1643.5

97/1998

115.4

72.4

1220.7

1408.5

98/1999

115.7

75.6

1427.7

1619.0

99/2000

116.0

79.4

1718.5

1913.9

2000/2001

116.4

84.2

1476.0

1676.6

2001/2002

116.7

84.8

1673.7

1875.2

الإجمالى

1035.8

831.2

13403.7

15270.7

المصدر: مجلدات الحساب الختامى للدولة فى السنوات السته الأولى، ثم بعدها من مجلدات الموازنة العامة للدولة.

إذن فإن هذا الجهاز الضخم لا يعانى من نقص الموارد المالية، بل المؤكد أنه يعانى من سوء إدارة هذه الموارد وهو ما كشفته وقائع الفساد والانحرافات التى ظهرت فى السنوات القليلة الماضية خاصة فى قضية رئيس قطاع الأخبار السابق (محمد الوكيل)، وهو مازال موجوداً بين كثير من القيادات خاصة ما يتعلق بالتحايل لزيادة مكافآتهم الشهرية عبر ما يسمى "الإشراف على البرامج" برغم أنها من صميم عمل هذه القيادات ومن صميم اختصاصاتها الوظيفية، وهو ما أدى فى النهاية الى رسوب الدور الإعلامى المصرى فى السوق التنافسية العربية والدولية من جميع النواحى الفنية والمهنية .. لماذا ؟
هنا نستطيع أن نشير ونؤكد على مداخل أساسية لإصلاح هذا الوضع المختل مثل:
1– ضرورة إعادة هيكلة التنظيم الراهن لإتحاد الاذاعة والتليفزيون، خاصة مراجعة تجربة القنوات الإقليمية موضوعياً ومهنياً وفنياً، حيث تبين أن معظمها خلال السنوات الخمس الماضية لم يقدم إضافة ذات بال سواء فى المجال الإعلامى أو فى مجال التنمية بالمحافظات المختلفة.
2– العمل فوراً على تقليل ساعات البث التليفزيونى والإذاعى ، فقد زاد البث الإذاعى بدوره من 15 ساعة عام 1952 الى 222 ساعة يومياً عام 83/1984 ثم إلى 254 ساعة يومياً عام 8
8 / 1989 وبحلول عام 96/1997 كان قد تجاوز 299 ساعة يومياً من البث الإذاعى، أما التليفزيون الحكومى فقد قاربت ساعات بثه حالياً نحو 200 ساعة يومياً . ومن شأن التقليل أن يحقق عدة أهداف استراتيجية فى آن واحد فهو من ناحية سيتيح فرصة أفضل لعملية اختيار الأعمال التى تنتج على الشاشة الفضية من حيث العناصر الفنية المتكاملة (نصوص ، سيناريو ، ديكور ، إخراج .. إلخ) ، كما سيسمح للقيادات التنفيذية والإدارية بالجهاز بإلتقاط الأنفاس ، وسيمنح الأسرة المصرية فرصة للتواصل والحوار بعيداً عن شاشة تقتحم بفضولها وإلحاحها بيوتهم وغرف نومهم ، والقول بأن ذلك من شأنه ترك الفضاء المصرى للبث من الخارج أو الإرسال الإسرائيلى أو غيره هو أكذوبة كبرى لا تنطلى سوى على السذج، فالحقيقة أن الأداء الراهن للشاشة الفضية المصرية هو الذى من شأنه دفع المصريين جميعاً للبحث عن قنوات أخرى وفضائيات أخرى.
3– مراجعة تجربة الفضائيتين المصريتين الأولى والثانية، ودمجهما معا فى فضائية واحدة مع الحفاظ على القنوات الجادة وتعزيز دورها مثل القناة الثقافية والنيل للأخبار.
4– النظر جدياً فى اعتماد نظام كفء ومتجدد الدماء للمراسلين المصريين مصحوبين بكاميرات للتعامل مع الحدث مباشرة ونقله بالصوت والصورة خاصة فى مواقع الأحداث التى تهمنا وتمس أمننا القومى مثل العراق وفلسطين والسودان .
5– مراجعة بل وإلغاء نظام المنتج المنفذ الذى تحول إلى ثقب هائل فى أموال التليفزيون، لا يستفيد منه واقعياً سوى عدد محدود جدا من قيادات الجهاز سواء الذين مازالوا فى الخدمة أو الذين تقاعدوا لبلوغ السن القانونية .
6– مراجعة نظام الإشراف على البرامج الذى أصبح بمثابة وسيلة "احتيال" من جانب عدد كبير من قيادات القنوات المختلفة للحصول على مكافآت هائلة شهرياً برغم أن هذا العمل من صميم الوظيفة القيادية.
7– مراجعة كل الأسس التى تقوم عليها الأعمال الفنية من مسلسلات درامية أو برامج منوعات التى كان لها فى السنوات الماضية دور خطير فى عقلية النشء والشباب وفى زرع قيم سلبية فى الريف والمدينة وفقاً للدراسات الجادة التى اهتمت بمتابعة تأثير الدراما التليفزيونية على أنساق القيم والمفاهيم المصرية فى عصر الحقبة النفطية والانفتاح والصلح مع إسرائيل.
نحن فى أشد الحاجة الى إعلام تنموى حقيقى وليس الى اعلام "ملء الفراغ" أو التسلية ، فما أبعد شعبنا وأمتنا عن الترفيه والتسلية ، وما أقرب الهموم الى قلبه ووجدانه.

Featuring WPMU Bloglist Widget by YD WordPress Developer