الارشيف حسب تصنيف غير مصنف

التعريف بالمؤلف

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

- ولد فى القاهرة فى 26 يناير عام 1957.
- حصل على بكالوريوس الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة – عام 1979.
- حصل على ليسانس الحقوق – جامعة القاهرة – عام 1992 .
- حصل على دبلوم فى القانون العام – جامعة القاهرة – عام 1997.
- عمل باحثاً اقتصادياً بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام.
- وعمل باحثاً اقتصادياً بمكتب رئيس الوزراء المصرى.
- وعمل باحثاً اقتصادياً بالهيئة المصرية للرقابة على التأمين التابعة لوزارة الاقتصاد .
- وعمل خبيراً اقتصادياً بالجهاز المركزى للتنظيم والادارة .
- يعمل الآن كاتبا صحفياً وخبيراً فى الشئون الاقتصادية والاستراتيجية.
- حـاصل على جائزة الدولة التشجيعية فى العلوم الاقتصادية والقانونية عام 2003.
- وحاصل على جائزة أفضل كتاب اقتصادى لعام 2002 من أكاديمية البحث العلمى والتكنولوجيا عن كتاب " النفط والأموال العربية فى الخارج ".
مؤلفاته:
1 – اتجاهات الصحافة فى إسرائيل أثناء غزو لبنان (مع آخرين) صادر عن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام 1984.
2 – "مصر وعصر المعلومات" – طبعة أولى – صادر عن الدار العربية للنشر والتوزيع 1991 .
3 – "اخت،راق الأمن الوطنى المصرى"، صادر عن مركز الحضارة العربية 1993.
4 – "أوهام السلام" – طبعة أولى – صادر عن مركز الحضارة العربية 1994 .
5 – "التطرف الدينى ومستقبل التغيير فى مصر"، صادر عن مركز الحضارة العربية 1994
6 – " النقابات والتطور الدستورى فى مصر 1923 – 1995 " ، مركز المساعدة القانونية لحقوق الانسان 1997.
7 – "أزمة الانتماء فى مصر" (مع آخر) صادر عن مركز الحضارة العربية 1998.
8 – " أزمة النشر والتعبير فى مصر " ، صادر عن مكتبة دار الكلمة 2000 .
9 – " أوهام السلام " – طبعة ثانية مزيدة ومنقحة – صادر عن مكتبة دار الكلمة 2000.
10 – " مصر وعصر المعلومات " – طبعة ثانية مزيدة ومنقحة – صادر عن مكتبة دار الكلمة 2000.
11 – " أبو زعبل 1989 " صادر عن جمعية المساعدة القانونية لحقوق الانسان 2002.
12 – "اقتصاديات الوقت الضائع وأزمة الادارة الحكومية فى مصر"، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام 2002.
13 – " الموازنة العامة للدولة .. وحقوق الانسان " ، جمعية المساعدة القانونية لحقوق الانسان 2002.
14 – " النفط والأموال العربية فى الخارج" – صادر عن دار المحروسة 2002.
15 – " اقتصاديات الادارة الحكومية " صادر عن مكتبة دار الكلمة 2003.
16 – " الاقتصاد المصرى .. من عهد التخطيط الى عصر الامتيازات والخصخصة " ، دار المحروسة 2004 .
17 – "البطالة .. بين الحلول الجزئية والمخاطر المحتملة " صادر عن دار المحروسة 2004.
18 – "المقاومة العراقية ومستقبل النظام الدولى" صادر عن دار سطور 2004 .
19 – مشروع للاصلاح السياسى والدستورى فى مصر" ، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ، 2004.
20 – "هموم مثقف .. فى وطن مرتبك"، مركز يافا للدراسات، 2005.
21- "أقتصاد المعرفى العربى .. مشكلاته وأفق تطوره"، مركز زايد، الإمارات العربية المتحدة 2005.
22- "الغاز الطبيعى ومستقبل العمل العربى المشترك"، مركز زايد، الإمارات العربية 2005.
23- "الفساد فى مصر .. دراسة اقتصادية تحليلية " دار العربى للنشر والتوزيع، القاهرة 2006.
24- " أحتلال العراق ومستقبل الطاقة والنفط " دار العربى للنشر والتوزيع، القاهرة 2006.
25- "انتهــاك الحقوق الثقافية فى مصر"، مــركز يافا للدراسات، القاهرة 2006.
26- "مشكلات صناعة وترويج الكتاب فى مصر"، مركز يافا للدراسات، القاهرة 2006.
له تحت الطبع:
27 – أزمة حقوق الانسان المصرى والعربى.
28 – جذور الفساد الإدارى فى مصر.
29- بيئة العمل وسياسات الأجور والمرتبات بالقطاع الحكومى فى مصر .
30 – " إختيارات صعبة .. سيرة ذاتية وموضوعية " ( ثلاثة أجزاء ) .
31 – الفساد فى قطاع الاتصالات .
علاوة على عشرات المقالات الصحفية والدراسات التحليلية المنشورة

كلمة ختامية

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

هذه هى وبإختصار بعض من "صحيفة اتهام" الرئيس الذى شغل مقعده فى حكم مصر لأكثر من سبعة وعشرين عاما، وقبلها شارك فى حكم البلاد لحوالى ستة سنوات فى منصب نائب الرئيس السابق "أنور السادات"، وهى جزء بسيط من كل ، لعل أخطر وأسوأ أبعاده تلك الآثار النفسية والأخلاقية المدمرة التى تركتها سياسته وتحالفاته فى الداخل – مع طبقة رجال المال والأعمال الجدد – وفى الخارج – مع الولايات المتحدة والسعودية وإسرائيل – بحيث أهدرت الرصيد المصرى فى الخارج، وحطمت كبرياء المصريين فى الداخل .
وبرغم ثقل وعبء ملف حقوق الإنسان، وحملات القبض والإعتقال والتعذيب، وإنتهاك الحرمات الذى ميز هذا العهد، وهو ما أصبح متضمنا ومعروفا فى كافة تقارير منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، فإننا لم نتعرض لها هنا ، ولم نقف عنده ، وإلا تحول هذا الكتاب إلى مجلدات تثقل القارىء، بقدر ما تثقل العقل والقلب والضمير.
وإذا كان للرجل من حسنات – وهى قليلة على أية حال – فهو أنه قد حاول فى بداية عهده أن يكون مختلفا عن سابقيه، ولكن القدرات المعرفية لم تسعفه ، وتجربته المعدومة فى العمل السياسى فى أوساط الناس لم تقدم له ما يفيد.
ومن ناحية أخرى ، فإن قدرات الولايات المتحدة ، وأجهزتها العلنية والسرية، وخبراتها الواسعة بوسائل التعامل مع رؤساء ومسئولى الدول فى العالم الثالث ، كانت فوق طاقته على الصمود، فطرق الإغواء والإغراء هائلة وحافلة، وأدوات الضغط والترهيب أيضا حاضرة.
وأخيرا .. فإننا لا نعفى أنفسنا كشعب، وجماعات سياسية من كافة التيارات والروافد الفكرية من وزر ما حدث، حيث زين البعض للرجل الكثير من المخالفات، ولعب البعض دورا فى "فرعنة" الرجل، وعندما أكتشف الجميع أنهم كانوا ضحايا الوهم، وسوء التقدير، بقدر ما أدرك الأخرون أن رهاناتهم على المصالح المالية المشروعة – وغير المشروعة – لدى الرجل كانت فى محلها ومكانها.
والآن .. لم يعد من الممكن تكرار التجربة، والإنتظار لحسن نوايا القادم الجديد لشغل المقعد – خاصة إذا كان هو الوريث العائلى – أو قدرته على الصمود أمام عمليات الإغواء والإغراء المنظمة والمدروسة ، فالملاذ لن يكون أبدا لحسن النوايا، وإنما فى النضال بإخلاص من أجل تصميم نظام ديموقراطى حقيقى يؤمن التداول السلمى للسلطة ، وبما يحفظ للفقراء والبسطاء كرامتهم، وحقهم فى المشاركة السياسية والمجتمعية الحقيقية ، وبما يصون للبلاد توازنها ، ويجدد حيويتها ونشاطها ، ويكتشف من بين أبناءها أفضل من فيهم ، فهذا هو التحدى الحقيقى .. فهل نقدر؟

إيران والملف النووى .. وحرب الحصار المتبادل "إذا كان الموقع هو الرصيد .. فإن التوقيت هو فن الحكم"*

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

بهذه الكلمات البسيطة والعميقة ، عبر وزير الخارجية الأمريكي المحنك "جيمس بيكر" فى مذكراته المنشورة فى منتصف التسعينات عن مفهوم استراتيجي فى إدارة العلاقات الدولية ، وإدارة الصراعات الدولية.
ولا يمكن أن نجد عبارة تصدق على حالة الصراع الدائر حاليا بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها فى أوربا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى بمثل تلك العبارة .
وإذا كان ملف الصراع الممتد بين الطرفين منذ الثورة الدينية الإيرانية عام 1979 وحتى يومنا ، قد تناوله الكثيرون من الكتاب والمحللين من جوانبه السياسية والعلمية والتكنولوجية المختلفة ، بحيث باتت أبعاده معروفة للجميع ، فإن طرح الأبعاد الاقتصادية ، والتلويح باستخدام مظلة مجلس الأمن لفرض حصار اقتصادي على إيران ، بكل ما يشكله ذلك من تداعيات وآثار على مجمل تفاعلات الاقتصاد العالمى ، لم تحظ بعد بدراسة معمقة وتناول تحليلى جاد .
فما هى معطيات الوضع الاقتصادي والاستراتيجي العام لأطراف الصراع الراهن (إيران ، والغرب) بعد إعلان إيران الأسبوع الماضى عن نجاحها فى تخصيب اليورانيوم ؟ وما هى سيناريوهات المستقبل ؟ وكيف تمتلك الأطراف المختلفة أوراق للضغط وأدوات لإدارة هذا الصراع المصيري ؟
دعونا أذن نبدأ بتأمل المشهد الاستراتيجى الراهن .
أخطاء السياسة الأمريكية .. مكاسب إستراتيجية لإيران .
كان لتأثير أحداث الحادى عشرة من سبتمبر عام 2001 ، وتزامنه مع صعود وسيطرة الصقور الجارحة فى الساحة السياسية والفكرية الأمريكية (المحافظون الجدد)، دورا كبيرا فى اندفاع السياسة الخارجية الأمريكية إلى مناطق وبؤر نزاعات وصراعات حادة ودامية، وبصرف النظر عن كون هذه السياسة هى مولود مخططات مسبقة عبرت عن نفسها منذ عام 1997 فيما سمى "السياسة الدفاعية الأمريكية فى القرن الحادى والعشرون"، التى كان قد أعدها وشارك فيها عدد كبير من الخبراء فى الاستراتيجيات الأمريكية، جاء معظمهم من المدارس الفكرية اليمينية، أو لا، فإن المحصلة النهائية للاندفاعات الأمريكية منذ أحداث ذلك اليوم التاريخى، سواء بحربها فى أفغانستان فى نوفمبر من ذلك العام ، أو بعد ذلك فى العراق (مارس 2003)، كان تعزيز المركز الاستراتيجى العام لعدوها اللدود " إيران".
ذلك أن إيران قد وجدت نفسها فجاءه ، ودون كثير تضحيات مستفيدة إستراتيجيا على أكثر من صعيد :
فهى أولا: قد تخلصت من جار شرقي مثير للقلق والاضطراب ، سواء على الصعيد السياسى ، أو حتى من منظور الحساسيات الأيدلوجية والمذهبية – حيث طالبان السنية المتزمتة – وبتخلص إيران من نظام "طالبان" فى نوفمبر عام 2001 فقد أمنت مكامن تهديد وخطر على حدودها الشرقية.
وهى ثانيا: أعطت فرصة العمر لإيران للتخلص من نظام قومى معادى لسياستها على حدودها الغربية – نظام صدام حسين والبعث – والتى لم تنجح طوال حرب الثمانى سنوات فى زحزحنه عن الحكم ، أو تصدير نفوذها فى الكتلة العربية السنية المجاورة ، بالاعتماد والارتكاز على تكتل سكانى شيعى يتوطن فى جنوب العراق ، وعلى التخوم الشمالية الغربية للملكة السعودية والبحرين وغيرهما .
وهى ثالثا: قد آمنت مناطق نفوذ هائلة – اجتماعيا وسياسيا وثقافيا – داخل العراق ذاته، مما خلخل البنية الاجتماعية والسياسية لهذا البلد العربى تاريخيا ، مما حقق هدف استراتيجي، سعت إليه إيران منذ قرون طويلة ماضية، سواء فى ظل حكمها الامبراطورى السابق، أو فى ظل حكمها الاسلامى الريديكالى الحالى.
وهى رابعا: وبفعل استثمار أخطاء وخطايا السياسة الأمريكية فى العراق ، وبذر بذور التقسيم العرقى والمذهبى ، قد أفلحت فى استمرار حالة الفوضى السياسية فى ذلك البلد ، فخرج عمليا من ساحة الإنتاج النفطى المنظم والمؤثر (هبط الإنتاج العراقى من 3 مليون برميل يوميا قبل عام 1990 إلى أقل من 1.5 مليون برميل يوميا فى الوقت الراهن)، ومع استمرار حالة اليسار وقوى المعارضة الريديكالية المناوئة للسياسة الأمريكية فى دول قارة أمريكا اللاتينية منذ عام 1998 ، فإن أوراق الضغط والتأثير على العصب الاقتصادى والمعيشى الحساس للدول الغربية عموما والولايات المتحدة على وجه الخصوص ، قد أصبحت قريبة المنال لإيران ، خاصة إذا ما أحسنت إدارة تحالفاتها فى هذا المجال النفطى ، وهو ما بدت بوادره منذ عامين حينما تكثفت الزيارات الرسمية وعلى أعلى المستويات مع فنزويلا (الرئيس هوجو شافيز) وغيرها من دول القارة وكوبا .
وهى خامسا: ومنذ الغزو الاسرائيلى للبنان فى صيف عام 1982 ، قد نجحت فى تعزيز مواقع أقدام قوية داخل دائرة الصراع العربى – الصهيونى ، ومع نجاح المقاومة اللبنانية و" حزب الله " فى إجبار إسرائيل – لأول مرة فى تاريخ هذا الصراع – على الانسحاب المذعور ليلا من الجنوب اللبنانى فى الخامس والعشرين من مايو عام 2000 ، أصبحت إيران بصورة أو بأخرى شريك فى هذا العرس العربى ، سواء كان ذلك معلنا أو ضمنيا ، مما مكنها من حيازة أحد أوراق الضغط والصراع مع الولايات المتحدة والغرب الأوربى .
أذن .. هذا هو المشهد العام من جانب الأوراق المتاحة لدى إيران فى الصراع المحتدم حاليا والمؤهل بأن ترتفع وتيرته بعد قرار مجلس محافظى الوكالة الدولية للطاقة الذرية فى فبراير الماضى ، بإحالة ملف إيران النووى إلى مجلس الأمن ، الذى يتوارى من خلف كواليسه وستائره الولايات المتحدة الأمريكية دون أدنى شك .
فما هى سينار

فى أصل المسألة الكردية .. ومستقبلها رد على "رجائى فايد"*

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

شغلتنى منذ فترة ليست بالقصيرة ، المسألة الكردية فى كل تجلياتها ومراحلها المختلفة، ففيها نموذج نادرا ما يتكرر من حالات الالتباس والغموض، أفخاخ الصيادين من كل حدب وصوب.
وكان لإجتهادات الصديق الكاتب الصحفى والباحث المجتهد "رجائى فايد" وتخصصه فى هذا المجال عونا كبيرا فى سبر أغوار بعض طلاسم هذه المأساة الإنسانية والدراما "القومية" .
وقد أصدر "رجائى فايد" عدة كتب حول المسألة الكردية ، أهدانى أحدثها وهو كتاب بعنوان " أكراد العراق .. الطموح بين الممكن والمستحيل " الصادر منذ عدة شهور قليلة عن دار الحرية.
وفى نفس الوقت نظم الصديق د. رفعت سيد أحمد ندوة حوارية ضيقة بمركز يافا للدراسات، دعا إليها عدد محدود من الخبراء والباحثين لمناقشة أفكار "رجائى فاي " فى ضوء دراسته الميدانية التى أجراها بين عدد من الطلبة الجامعيين بمنطقة كردستان العراق للتعرف على اتجاهاتهم ور}يتهم لمستقبل هذا الإقليم الذى يشكل دون أدنى مبالغة "لغم هائل" فى بنية التركيبة الجيو – إستراتيجية للإقليم العربى كله، بل فى الجوار الجيو – سياسى للشرق الأوسط ، بع لغم " إسرائيل ".
أذن نحن إزاء جهد علمى منظم يقوم به الزميل " رجائى فايد " لعرض وتحليل المشكلة الكردية على القراء العرب لكسب تعاطفهم تجاة المسألة الكردية تارة ، أو توسيع مداركهم بأبعاد تلك المسألة تارة أخرى ، وهو ما يتطلب التفاعل مع هذا الجهد المحمود من ناحية والتعاطى مع هذه المسألة بما تستحقه من خطورة على المستقبل العربى من ناحية أخرى .
فإذا تأملنا هذه القضية التى أصبحت تمس صميم وجودنا القومى ، لأننا ينبغى التعامل معها من منظور متعدد المستويات وفقا لمستويات تحليلية تاريخية وسياسية وإنسانية .. الخ ، وهنا نجدنا إزاء أوضاع وحقائق متناقضة ومحيرة نعرضها على النحو التالى :
المستوى الأول: فى حقيقة القومية الكردية .. وحلم الدولة الكردية
نعم .. نحن إزاء حالة كردية متميزة عن القومية العربية، ولكننا بالمطلق لسنا أمام قومية كردية مكتملة، عبرت عن نفسها فى وحدة الجماعات والقبائل الكردية، وتاريخ المسألة الكردية حافل بصرا عات القبائل الكردية ضد بعضها البعض بأكثر من صراعها مع الحركة القومية البعثية فى سوريا أو العراق، أو ضد القومية التركية أو الفارسية ، وبرغم المزاعم الكردية حول الاضطهاد القومى الذى تعرضوا له على يد قادة الدول القومية المجاورة ، فان التاريخ الوسيط والحديث حافل بمرارات الدم والثأر المتبادل بين القبائل والجماعات الكردية وبعضها البعض ، ليس أخرها استنجاد "مسعود برزانى" وقبيلته "الحزب الديموقراطى الكردستانى" بدبابات البعث وصدام حسين أواخر عام 1992 ضد قبيلة "جلال طالبانى" وحزبه – الاتحاد الوطنى الكردستانى المتعاون مع إيران – وكليهما قد استنجدا بعد ذلك بالمخابرات الأمريكية و ال C.I.A من أجل "عملية توفير الراحة" وتقاضيهم أموال فى عين الشمس لقلب نظام الحكم فى بغداد تحت ما سمى أمريكيا " قانون تحرير العراق".
كما يشير التاريخ القريب، إلى الاتفاق الذى أجراه كل من مسعود برزانى وجلال طالبانى مع الجيش التركى فى منتصف التسعينات ضد القبيلة الكردية الأخرى المسماة "حزب العمال الكردستانى" فى تركيا، فشاركا بقواتهما الجيش التركى فى تصفية وقتل المئات من أنصار رفيقيهما الكردى فى تركيا، والرابض فى جبال شمال العراق، حفاظا على مصالحهما ، ولم يقيما أى اعتبار للقضية " القومية " الكردية وعذابات أشقائهم أكراد تركيا ..!!
وفى التاريخ القريب هناك عشرات الوقائع والأحداث التى تثبت الخيانات المتبادلة بين هذه الجماعات الكردية فى مناطق الحدود المتاخمة للدول الخمس ، ومنها تأمر كثير من هذه القبائل الكردية الإيرانية ضد ما يسمى "جمهورية مهاباد" عام 1946 التى كان يتزعمها "القاضى محمد"، وهو ما جرى مرة أخرى ضد حركة "الشيخ رشيد كولان "الكردية المدعومة من إيران ، والتى قمعتها قوا " مصطفى البرزانى "عام 1959، بل وإقدام مصطفى البرزانى على إعدام زعيم عشيرة "الزيبارى" المنافسة له عام 1959 وعام 1960.
وهنا نكتشف درجة من الازدواجية فى تناول الكاتب "رجائى فايد" فهو عندما يشير إلى تأمر بعض هذه القبائل الكردية وانضمامها إلى الجيش الإيرانى أو الجيش التركى، أو حتى الجيش العراقى ضد القبائل الكردية الانفصالية يصفها "بالخيانة"، أما عندما تقدم القبائل الكردية واجب الضيافة والكرم "لمصطفى البرزانى" وجماعته أثناء هروبه العظيم – كما يسميه الكاتب – فى اتجاه الاتحاد السوفيتى بعد أنهيار جمهورية "مهاباد" الانفصالية فى إيران يصفها بأنها " واجب قومى " ؟!
أذن نحن إزاء رؤية كاتب منحاز بالمطلق لجماعة معينة ، هى جماعة " مسعود برزانى " يتبنى مقولاتها ومغالطتها التاريخية .
المستوى الثانى : فى جوهر التحالفات الكردية .. ومخاطرها
تاريخ الحركات الانفصالية الكردية، هو تاريخ التحالفات المتقلبة والمتناقضة، التى تحكمه فقط حسابات المصالح النفعية المجردة، والبعيدة تماما عن أية مبادىء فى السياسة أو العقائد، فبعضهم يتحالف مع شاة إيران العميل تاريخيا للأستعمار الأمريكى، ضد نظام الحكم فى العراق، وبعضهم الأخر يتحالف مع العراق ضد إيران وتركيا، وبعضهم الثالث يتحالف مع الأحزاب المتصارعة على الساحة العراقية ضد بعضهم البعض – س
واء كان مع البعث أو حكم عبد الكريم قاسم أو مع الحزب الشيوعى العراقى، وبعضهم حتى تحالف مع نظام صدام حسين ضد فريق أو قبيلة كردية أخرى، أو مع سوريا ضد هؤلاء وأولئك.
والخطير منذ مطلع التسعينات هو تحالف هذه القبائل الكردية مع أجهزة الاستخبارات الأمريكية عيانا بيانا وعلى مرأى ومسمع من كاميرات التلفاز وأجهزة الإعلام العالمية ، فنحن فى عصر تحولت فيها الخيانة الوطنية والعمالة المباشرة لأجهزة الاستخبارات المعادية إلى وجهة نظر .. هل تتصوروا مجرد وجهة نظر …!!
أنه تاريخ حافل من الانتهازية السياسية التى دفعت بالورقة الكردية فى النهاية إلى أيدى ألد أعداء العرب والمسلمين ، إلا وهم بريطانيا والولايات المتحدة وأخيرا إسرائيل.
ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة الشاذة فى التاريخ الاجتماعى للأمم والجماعات العرقية ، إلا فى إطار ما تقدمه مدارس التحليل السياسى والاجتماعى للظواهر السياسية، والتى يمكننا أن نرجعها إلى الأسباب والجذور التالية:
الأول: عدم تبلور الحركة القومية الكردية، بعيدا عن الأطر القبائلية التى تحكم المجتمعات والجماعات ما قبل القومية ، فنحن أمام ظاهرة لم تتبلور قوميا بعد ، ولسنا بالتالى بصدد حالة قومية.
الثانى: وداخل هذا الإطار الاجتماعى يمكن تفسير تقلب التحالفات السياسية للقوى والجماعات الكردية العراقية ، فى ضوء فهم وضع العراق الجيو- استراتيجى فى صراعات الإقليم ككل وتوازناته القلقة (تركيا – إيران – إسرائيل)، ثم أضيف إلى ذلك صراعات أجنحة حزب البعث فى سوريا والعراق ، والتى زادت من الأبعاد الإقليمية والحزبية ، وساهمت فى إضعاف العراق ومهدت التربة لما نراه ونشهده حاليا من انقسام وتفتيت.
الثالث: أن الحركة القومية العربية بدورها – بجناحيها الناصرى والبعثى – قد أدارت علاقاتها ببقية المكونات العرقية والأثنية فى الإقليم العربى بصورة استبدادية، فدفعت ببعض التيارات والجماعات العرقية والأثنية إلى التحالف مع الشيطان هنا وهناك من أجل بعض حقوقها المشروعة.
والخطير فى الأمر الآن ، أن الحركات الكردية فى شمال العراق قد أصبحت – بعد سقوط النظام فى بغداد فى التاسع من إبريل عام 2003 والإضعاف الممنهج للسلطة المركزية فى العاصمة العراقية – بمثابة اللاعب الرئيسى فى صياغة مستقبل العراق "الكونفيدرالى" وليس الفيدرالى، وبالتالى فنحن إزاء كارثة تقسيم وتفتيت ربما تزيد عن كارثة احتلال فلسطين عام 1948.
ويزيد من بشاعة الصورة، أن هذه الحركات الكردية الانفصالية ذات الطبيعة القبائلية والعشائرية ، تتحرك فى أحضان تحالف مع أكبر حملة استعمارية تشهدها المنطقة العربية منذ أكثر من مائتى عام ، ومن ثم فإن غرس بذور التناحر القومى بين العرب والأكراد ، قد يؤدى إلى كوارث مستقبلية ، سوف يتضرر منها العرب بقدر ما سيعانى من ويلاتها الأكراد إن عاجلا أو آجلا .
والسؤال .. كيف نتجاوز هذا المأزق الراهن ، وإنقاذ العراق من شبح التقسيم والتفتيت الذى تحركه جماعات كردية غير مسئوله فى شمال العراق ، وتدفع به أسرائي والولايات المتحدة والسياسات الإيرانية والأحزاب الشيعية الطائفية المتحالفة معها فى جنوب العراق ؟
هذا ما سنحاول الإجابة عليه فى الأسبوع القادم .

الأبعاد الاستراتيجية للحشود الإيرانية على كردستان العراق*

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

فجأة فى الأسبوع الأول من شهر (أيار/مايو) 2006 ..أشتعل لهيب النار فى شمال منطقة كردستان العراق على الحدود الإيرانية – العراقية ، ونقلت وكالات الأنباء أخبار الحشود العسكرية الإيرانية – والتركية – فى منطقة المثلث الحدودى بين الدول الثلاث. والسؤال الذى يشغل الفكر والعقل الاستراتيجى المتابع عن كثب للتطورات الجارية فى الملف العراقى هو :
ما هى الأبعاد الحقيقية لهذه التطورات الجديدة ؟ وما هى علاقتها بواقع الصراع الضارى الجارى داخل العراق وحوله ؟ وما هو تأثيره على كامل النسق الاقليمى الذى يتصارع على إعادة صياغة وبناء العراق قوى دولية مؤثرة – كالولايات المتحدة وبريطانيا – وأخرى إقليمية فاعلة أبرزها إيران وإسرائيل وتركيا ؟
والحقيقة، فإن محاولة الإجابة على هذه التساؤلات ، من أجل التعرف على حقائق الوضع الجيو – سياسى فى المنطقة يتطلب كذلك ، إعادة فك وتركيب دوافع وتحركات تلك الأطراف الدولية والإقليمية فى هذه اللحظة بالذات ، ثم رصد مواقف وأهداف الأطراف الكردية الانفصالية فى شمال العراق ، سواء باعتبارها طرف " لاعب " – بما يفوق قدراته وإمكانياته – أو بصفته كالعادة مجرد " مارولت " على مسرح عرائس القوى الإقليمية والدولية 1- الأكراد .. والفرصة المستحيلة
منذ أن فرض نظام الحظر الجوى على شمال العراق عام 1991 ، من قبل قوات التحالف الغربى والولايات المتحدة ، تحولت كردستان العراق إلى "محمية أمريكية"، تعززت فيها قدرات الأحزاب الكردية الانفصالية وفى الصدارة منها الحزب الديموقراطى الكردستانى (بزعامة مسعود برزانى)، وحزب الإتحاد الوطنى الكردستانى ( بقيادة جلال طالبانى ) ، وخلال أكثر من ثلاثة عشر عاما من الحصار الخانق على الشعب والنظام العراقى السابق ، تأسست بنية تحتية لدولتين كرديتين فى شمال العراق ، أحداهما بعاصمتة ( آربيل ) والأخرى فى ( السليمانية ) ، لكل منها برلمانها وجيشها وشرطتها وجماركها وحكومتها .. الخ .
بيد أن الغزو والاحتلال الأنجلو – أمريكى للعراق الذى بدأ فى العشرين من مارس عام 2003 ، وانهيار الحكومة المركزية فى ( بغداد ) وتفكك جيشها ، قد منح القوى الانفصالية الكردية ، ما اعتبرته فرصة العمر التاريخية ، وقدرت أنه إذا ما أفلتت هذه الفرصة من أيديهم فربما لن تتكرر أبدا .
وهكذا بدأت عجلة الانفصال الكردية فى الدوران ، وبرغم الرفض الإقليمي سواء من جانب سوريا أو تركيا ، أو حتى صمت إيران المشوب بالحذر ، فقد استمرت إجراءات الانفصال الكردية متمثلة فى الآتى :
1- الدفع بقوة من أجل تمرير القانون / الجريمة المسمى (قانون إدارة الدولة العراقية ) الذى صاغه المحامى الصهيوني الأمريكى "نوح جولدمان" وأصدره الحاكم الأمريكى "بول بريمر"، وضمن فيه للأكراد الانفصاليون وضعا استثنائيا فى حكم العراق أو الانفصال، وقتما يرون أن البيئة الدولية والإقليمية مهيأة لذلك، وساعدهم على ذلك تواطأ إيرانى بالصمت وقبول أعوان إيران فى العراق من أمثال الحكيم وإبراهيم الجعفرى وأحمد الجلبى وغيرهم .
2- العمل على إقامة حكومة موحدة بين الطرفين الكرديين المتنازعين على كردستان العراق ( طالبانى وبرزانى ) وكذا إقامة برلمان موحد .
3- انتخاب رئيس لإقليم كردستان العراق ( البرزانى) له من الصلاحيات والسلطات ما يزيد على ما يملكه رئيس جمهورية العراق ذاته ، مع إزاحة " الطالبانى " إلى موقع رئاسة الجمهورية العراقية وضمان وزير خارجية للدولة العراقية الجديدة من قيادات الأكراد الانفصاليين " هوشيار زيبارى " لضمان تمرير البنية الجديدة وكسب الوقت .
4- استمرار الضغط – إلى حد التهديد بالسلاح والانفصال – من أجل ضم " كركوك " الغنية بالنفط ، إلى إقليم كردستان العراق من أجل ضمان وتأمين الأساس الاقتصادى للدولة الانفصالية ، مع إجراء عمليات تطهير عرقى فى كركوك لصالح الأكراد .
5- ثم أنه ومع وجود القوات الأمريكية وبعض حلفائها فى كردستان العراق ، تأمن إلى حد كبير الإقليم من مخاطر الاختراق العسكرى التركى للحدود العراقية ، ومهاجمة أوكار حزب العمال الكردستانى التركى ، وبالتبعية منع قيام دولة كردية انفصالية فى شمال العراق .
وإزاء رفض سوريا وتركيا لهذا الواقع الجيو – سياسى الجديد فى شمال العراق ، قام الانفصاليون الأكراد – خاصة جماعة مسعود برزانى – بالضغط على الدولتين من خلال تعزيز وتوفير الملاذ الآمن لجماعات حزب العمال التركى الذى نشط بعملياته داخل تركيا ، كما قام بتنشيط عناصر التمرد الانفصالى الكردية فى سوريا التى ظهرت فى أحداث " القامشلى " عام 2004 ، ولم يتردد " هوشيار زيبارى " و " مسعود برزانى " فى التلويح علنا بتهديد الدولتين ، إذا ما استمروا فى الممانعة ودعمهم لعناصر المقاومة الوطنية العراقية من الحدود السورية .
ولم يحل دون إعلان انفصال كردى فى شمال العراق فعلا سوى ثلاث حقائق عنيدة على الأرض:
الأولى: تردد الولايات المتحدة فى القبول بدولة كردية انفصالية فى هذه المرحلة ، لما يمثله ذلك من احتمال تفجير كامل الوضع داخل العراق وفى الجوار الاقليمى المباشر ، خاصة مع تزايد مخاوف حلفاءها الأتراك وبعض الدول العربية الأقل شأنا مثل مصر والسعودية .. الخ .
الثانية: أن قضية هضم " كركوك " لم تحسم بعد ، وتزايدت ممانعة بعض القوى السياسية العراقية التى كان يظن أن غنيمة الجنوب العراقى سوف تدفعهم للتغاضي عن ما ي

ثانيا : إيران وإحتلال العراق .. والدور المصرى

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

الأداء السياسى للأطراف المختلفة أثناء العدوان الإسرائيلى على لبنان فى يوليو 2006 *

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

(3) الاتحاد الأوربى .. العاجز عن الفعل
سيظل الاتحاد الأوربى يعانى من مشكلتين مزمنتين ، سواء فى إدارته ومواجهته للأزمات الدولية ، أو فى طريقة إدارته لشئونه الداخلية وعلاقاته الدولية ، فمن جهة بقدر تطور القدرات الاقتصادية والنقدية والتجارية لهذا الكيان الجيو – سياسى ، بقدر ضعف وانقسام إرادته السياسية بين تيارين أساسيين داخل بنية الاتحاد :
الأول: تيار أوربي تقوده بإصرار فرنسا ، ويضم مجموعة دوارة من الدول تتغير مكوناتها مع كل دورة انتخابية فى هذه الدولة أو تلك ( ألمانيا – إيطاليا – أسبانيا .. الخ ) وهذا التيار أميل إلى الاستقلال النسبى عن السياسات الأمريكية الموغلة فى التطرف والأنانية خاصة بعد انتهاء حقبة الحرب الباردة .
الثانى: تيار أنجلو – سكسونى تلعب فيه بريطانيا دور رأس الرمح الدائم لصالح تحالف – يصل أحيانا كثيرة إلى حد التبعية المطلقة – للسياسات التى ترسمها واشنطن، وهذا التيار يضم دول معظمها من دول المنظومة الاشتراكية السابقة مثل التشيك والسوفاك ورومانيا وبولندا والمجر .. الخ .
والحقيقة أنه مع كل توسيع جديد للنطاق الجيو – سياسى لبنيان الاتحاد (حاليا 25 دولة) ستزداد حدة الانقسامات، فيما يتعلق بالشئون الدولية والعلاقات مع واشنطن، بما يؤدى فعليا إلى شلل الإرادة السياسية للإتحاد وقدرته على اتخاذ قرارات مؤثرة فى النزاعات والأزمات الدولية.
ومن جهة أخرى، فإن مستقبل التطور الإقتصادى فى بلدان الاتحاد الأوربى يعتمد فى جزء كبير منه على التطورات والأحداث السياسية والاقتصادية التى تجرى فى المحيط الخلفى لأوربا ، ونعنى به الشرق العربى – الشريك التجارى الأكبر لأوربا – سواء فيما يتعلق بمصادر النفط والغاز أو فيما يختص بتسويق الإنتاج الأوربى. وهذه العلاقة المركبة والحيوية تخرج فى بعض جوانبها عن قدرات الاتحاد الأوربى بسبب إنفراد الولايات المتحدة – وإسرائيل – بأهم تلك الأحداث والتطورات الجارية.
هذا الواقع يؤدى إلى إرباك المواقف الأوربية عموما، والاتحاد ككيان سياسى على وجه الخصوص، وهو ما بدا واضحا فى أزمة العدوان الإسرائيلى الأخيرة على لبنان وفلسطين فى الفترة الماضية.
فالتيار الأول حاول فى اجتماع بر وكسل (31/7) الدفع فى طريق تضمين البيان الختامى دعوة لوقف فورى لإطلاق النار مع معالجة جزئية لمشكلات مثل وضع مزارع شبعا وتبادل الأسرى وغيرها، بيد أن التيار الثانى قد نجح فى وأد هذه الفكرة وصدر البيان الختامى للاجتماع أشبه بالمتواطىء بالصمت على ما يجرى فى لبنان، وكأنه ينصاع لمطلب الإدارة الأمريكية وبريطانيا، لمنح إسرائيل مزيدا من الوقت لتحقيق بعض النجاحات العسكرية والميدانية.
والحقيقة أنه من غير المقدر أن يخرج البنيان الإتحادى الأوربى عن هذا الواقع السياسى لفترة قد تطول من الزمن، بما يجعلنا نؤكد أن هذا الاتحاد سيظل مجرد بنك للتسويات المالية والاقتصادية للمصالح الأمريكية فى المنطقة لسنوات طويلة قادمة دون أن يكون صاحب قرار سياسى مستقل.

(4) روسيا .. المتحرك على مهل
اكتوت روسيا –أو الاتحاد السوفيتى السابق– من جراء السياسات العربية المتناقضة خلال الثلاثين عاما الماضية، فاختزنت الذاكرة السياسية الروسية ذكريات غير إيجابية تجاه سياسات ومواقف الدول والحكومات العربية – بل وحتى الفلسطينية – ومن ناحية أخرى فإن الانقلاب السياسى والاجتماعى الضخم الذى حدث فى روسيا منذ أغسطس من عام 1991 ، قد خلق قوى اجتماعية وسياسية جديدة هى أقرب فى تحالفاتها ورؤيتها لمستقبل روسيا للغرب عموما والولايات المتحدة على وجه الخصوص.
والحقيقة أن كل ما نجح فيه الرئيس الجديد "فلاديمير بوتين" طوال السنوات الستة الماضية هو وقف حالة الانهيار الإقتصادى والتدهور السياسى والانحطاط الاجتماعى والأخلاقى الذى صاحب فترة تولى "بوريس يلتسين" وجماعته الصهيونية الميل والهوى.
كما تمكن "بوتين" من خلق ما يمكن تسميته "كتلة الوسط السياسى" فى روسيا بين نفوذ اليسار الشيوعى التقليدى الذى حكم البلاد طوال سبعين عاما ماضية، وقوى الخصخصة والليبرالية الجديدة التى كانت أقرب فى سلوكها السياسى والاقتصادي لجماعات "المافيا" وعصابات النهب والتهريب، فأوقف حالة الانهيار تلك دون أن يقدم رؤية استراتيجية بديلة تضمن لروسيا مكانا مستقلا ومقدرا فى السياسات العالمية.
وقد أنعكست هذه المحددات الروسية فى الأزمة الأخيرة ، فأعلن الرئيس الروسى "بوتين" على هامش اجتماعات مجموعة الثمانية (G8 ) المنعقدة فى ضيافة المدينة الروسية التاريخية "بطروسبورغ" عن تفهمه للموقف الإسرائيلى بعد أسر حزب الله للجنديين الإسرائيليين، وزاد على ذلك الاعتراف بحق إسرائيل فى الدفاع عن نفسها، وهو نفس الموقف الذى أعلنه الرئيس الأمريكى منذ اللحظة الأولى للأزمة والعدوان الإسرائيلى.
ونت هنا جاء البيان الختامى لقمة الثمانية محملا "حزب الله" مسئولية الأزمة دون أن يتطرق للتصرفات والتدمير الممنهج الذى تقوم به إسرائيل ضد البنية التحتية للبنان، و ذلك على عكس الموقف الروسى المدعم نسبيا لإيران فى موضوع "الملف النووى" والرافض بالمطلق لفرض عقوبات اقتصادية أو سياسية أو عسكرية على ذلك البلد، بسبب من الاعتبارات الاقتصادية المحضة لروسيا، لذا فان الصمت الروسى، والقبول بالإدارة الأمريكية للأزمة ومشاركتها لفرنسا فى ذلك هو موقف روسيا من بداية الأ

الأداء السياسى للأطراف المختلفة أثناء العدوان الإسرائيلى على لبنان فى يوليو 2006 *

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

إذا كانت هذه الأهداف السياسية للأطراف المباشرة فى الحرب قد عرضناها قبل قليل، فما هى الأهداف السياسية والاستراتيجية للأطراف المتوارية خلف مسرح العمليات العسكرية، بعيدا عن الحديد والنار، سواء كانت هذه الأطراف دولية أو إقليمية أو داخل لبنان ذاته ؟
الحقيقة أن تعقيد المشهد اللبنانى / الإسرائيلي الراهن ، يعكس كونه "بؤرة بلورية" تتجمع فيها مصالح دولية وإقليمية عديدة ، لذا فإن تحليل الأداء وتقييم النتائج فى هذا الصراع المعقد يحتاج إلى عملية "فك" و "إعادة تركيب" لتفاعلات المصالح بين كافة هذه الأطراف ، ومن هنا فإننا سوف نتوقف عند أربعة مستويات للتحليل:
الأول: مستوى مصالح وأدوار القوى الدولية المؤثرة ( الولايات المتحدة – فرنسا – الإتحاد الأوربى – روسيا ) .
الثانى: أدوار القوى الإقليمية ومصالحها (أطراف عربية – إيران وسوريا).
الثالث: تفاعلات القوى الداخلية اللبنانية وارتباطاتها.
الرابع: دور الرأى العام العالمى والعربى وتأثيره.
فإذا بدأنا بالمستوى الأول ، ينبغى التوقف مليا عند الولايات المتحدة الأمريكية بكل أبعاد مواقفها ورؤيتها الاستراتيجية تجاه المنطقة والعالم .

(1)الولايات المتحدة .. تدير المعركة السياسية لإسرائيل
بقدر ما أن هذا العدوان هو إسرائيلى من حيث الأداة والأهداف، فإنه أمريكى من حيث البناء والتصميم والرؤية، وفى هذه الحالة امتزجت الأداة بصاحبها، وتلاقت المصالح بالأهداف، بما يعكس طبيعة التحالف بينهما . وقد كان حجر الزاوية فى هذا التحالف الغربى تجاه لبنان هو ما يسمى "القرار 1559" وضرورة تنفيذ ما تبقى فيه من بنود والذى ينحصر – بعد خروج القوات السورية من لبنان – فى بندين أساسيين هما:
-نزع سلاح الميليشيات فى لبنان، والمقصود هنا بالطبع سرح "حزب الله" والفصائل الفلسطينية سواء داخل المخيمات الفلسطينية أو خارجها.
-وبسط ما يسمى سلطة وسيادة الدولة على حدودها مع إسرائيل، وذلك بنشر وحدات الجيش اللبنانى على تلك الحدود بديلا عن وجود مقاتلى "حزب الله".
هذا من حيث الغطاء والشكل القانونى، أما الإطار السياسى الأوسع والأشمل، فهو يتمثل فى العملية الجيو – سياسية geo- politic التى تجريها الولايات المتحدة منذ الحادى عشر من سبتمبر عام 2001، والتى أطلقت عليها "الشرق الأوسط الكبير" والممتدة من حدود الباكستان شرقا وحتى جبال طوروس وموريتانيا غربا، والتى أطلقها الرئيس الأمريكى "جورج بوش الأب " منذ يونيو من عام 2004، اقتباسا من أفكار وأطروحات "شيمون بيريز" التى عرضها فى كتابه المنشور عام 1994 بعنوان "الشرق الأوسط الجديد" وبشر فيها بعلاقات جديدة فى هذه المنطقة تتولى فيه إسرائيل دور القيادة والتوجيه، والذى عادت واستخدمته وزيرة الخارجية الأمريكية "كوندليزا رايس" أثناء الأزمة الأخيرة، ووسط ركام الحطام ورائحة البارود، واحتراق اللحم الحى للأطفال والنساء فى لبنان وفلسطين بفجاجة غير معهودة فى التاريخ الحديث، وجوهر هذه الرؤية الاستراتيجية الأمريكية يقوم على ثلاثة مرتكزات هى:
الأول: السيطرة المطلقة على مصادر النفط والغاز فى هذه المنطقة التى تحتوى وحدها على حوالى 65% إلى 70% من الاحتياطيات العالمية المؤكدة ، وكذا السيطرة على وسائل نقله وإمداداته والأنانيب ، وهيكل الأسعار ومستوى الانتاج ، أنها التطبيق العملى لمقولة وزير الخزانة الأمريكى الشهير " وليم سيمون " عام 1974 حينما قال " these peoples do not own oil , they only sit on it “ " وترجمتها الحرفية " أن هذه الشعوب – يقصد العرب – لا يملكون النفط ، أنهم مجرد جالسون فوقه " .
الثانية: أن هذه السيطرة المطلقة، وتحولهم من مجرد زبون ممتاز customer إلى شريك فى الإنتاج والتسعير والتسويق، هو الذى سيمكنهم مستقبلا من السيطرة أو "خنق" hanging المنافسين المحتملين وتحديدا الصين والهند واليابان والإتحاد الأوربى وربما روسيا.
الثالثة: ولأن إسرائيل هى أحد ركائز استراتيجية الأمن القومى الأمريكى ، فإن الحفاظ على أمنها وقوتها ضرورة حيوية للأمن والمصالح الأمريكية، وقد بدأت مرحلة الانتقال من "الردع" الإسرائيلى، إلى "الهيمنة" المطلقة الإسرائيلية، عبر إدخالها – قسرا – فى هذا النظام الشرق أوسطى، الذى بدأ فعليا منذ تخلى الرئيس المصرى السابق "أنورالسادات" عن القضايا العربية والقومية، وقام بزيارة إلى إسرائيل وتوقيع اتفاقية "تسوية " منفردة معها عام 1978، وبعدها انزلقت المنطقة كلها وحكوماتها واحدة بعد الأخرى، فى ذات المسار الإستسلامى وجرى تفكيك حقيقى للإطار الإقليمى العربى برمته.
وبانهيار وتفكك "الأتحاد السوفيتى" وكتلته فى أوربا الشرقية منذ السابع من نوفمبر عام 1989، أندفعت الرؤية اليمينية الأمريكية المحافظة – أو الإمبراطورية كما توصف حاليا – إلى بعيد دون رادع أو حواجز، وأضافت أحداث الهجوم الانتحارى على الأراضى الأمريكية فى الحادى عشر من سبتمبر عام 2001 ، حالة من التهور والرغبة فى الانتقام من كل ما هو عربى أو إسلامى فيما يشبه "حرب صليبية" على كافة المستويات، واعتمدت فيها على مفاهيم غير مسبوقة فى العلاقات الدولية وفى القانون الدولى مثل "الحرب الإستباقية"primitive war و"الفوضى الخلاقة" creative anarchy كأساس فلسفى وسياسى لعملية تفكيك وإعادة تركيب جيو – سياسية فى المنطقة برمتها، استنادا إلى المعطيات الديموج
رافية والتقسيمات العرقية والمذهبية والطائفية، وهو ما يكاد يتماثل مع النموذج الصهيونى فى فلسطين (إسرائيل)، وباعتبارها دولة "يهودية" كما أقر وأعلن لأول مرة الرئيس الأمريكى المحافظ "جورج بوش الابن" فى إبريل من عام 2004.
ولأن ولادة هذا النظام، وتحقق هذا السيناريو "التفتيتى" فى العراق ما زال متعثرا – برغم بوادر الحرب الأهلية الطائفية المنحى والمحتوى بفعل السياسات الأنجلو –أمريكية منذ الاحتلال – فإن الاندفاع إلى الأمام هو دائما سياسة الفاشلين الحائزين على القوة الغاشمة، ومن هنا كان إعداد وتهيئة المسرح اللبنانى – الجاهز أكثر من غيره – لتكرار سيناريو التقسيم الطائفى من أجل تحقيق عدة أهداف فى وقت واحد:
1- حصار سياسى "لحزب الله" وقوى المقاومة الوطنية اللبنانية، باعتباره أحد الامتدادات الإقليمية لسوريا وإيران من ناحية، وباعتباره يمثل خطرا مباشرا على استقرار وأمن إسرائيل من ناحية أخرى.
2- من شأن تحقيق هذا الهدف، فصل المسارين السورى واللبنانى فى إطار عملية التسوية السياسية للصراع العربى –الصهيونى، ومن ثم إضعاف الموقف التفاوضى السورى تمهيدا لعملية داخلية تستهدف تغيير النظام البعثى فى دمشق.
3- يمثل إضعاف "حزب الله" سياسيا وعسكريا فى لبنان، سحب أحد أوراق القوة السياسية الإقليمية لإيران، وبالتالى التجهيز لمرحلة ما بعد موضوع الملف النووى الإيرانى.
4- ولأن لبنان بطبيعته يمثل النموذج النقيض لإسرائيل من زاوية التعايش التاريخى بين كافة مكوناته الطائفية والعرقية، فإن تفجير هذا الوضع، وإعادة تركيبه بما يتناسب مع الرؤية الأمريكية الجديدة القائمة على التقسيمات العرقية والطائفية والمذهبية هو المدخل الجديد للشرق الأوسط المختلف والجديد الذى ترغبه الإدارة الأمريكية اليمينية المحافظة ذات التوجه الصهيونى بامتياز، ويسهل على الإدارة الأمريكية مهمتها طبيعة التركيبة الثقافية للنخب السياسية التقليدية فى ذلك البلد ، من حيث اعتياد بيع الو لاءات السياسية للقادر على دفع الفواتير ، سواء كان ذلك على المستوى الإقليمى (السعودية مثلا) أو دوليا (الولايات المتحدة – فرنسا – بريطانيا .. الخ).
وقد بدأت الولايات المتحدة مبكرا تجهيز المسرح اللبنانى، مستفيدة من أخطاء القيادة السورية فى لبنان طوال العشرين عاما الماضية، خاصة بعد الإصرار السورى بالتجديد الرئاسى للرئيس "أميل لحود"، ومن أجواء التوتر الذى خلقته عمليات تفجير ومحاولات اغتيال غامضة لشخصيات سياسية محسوبة فى معظمها على التيارات المناوئة للوجود السورى فى لبنان (مروان حمادة – جورج حاوى – مى شدياق – سمير قصير – .. الخ )ثم أغتيال رئيس الوزراء اللبنانى السابق صاحب الصلات والعلاقات الواسعة والغامضة فى بعض جوانبها (السعودية – فرنسا – الولايات المتحدة) فهيأت المناخ السياسى لما سمى تحركات " 14 آذار " عام 2005، وشكل القرار (1559) حجر الزاوية وخميرة التحول، دافعة القيادة السورية إلى سحب قواتها العسكرية من لبنان، وفى ظل مناخ معادى لسوريا، فحققت بذلك فصلا فعليا للمسارين السورى واللبنانى فى إطار عملية التسوية التى تديرها الولايات المتحدة منذ عام 1973.
ولم يبق من تنفيذ القرار سوى تصفية النفوذ السياسى والعسكرى "لحزب الله"، الذى لم تفلح فيه قدرات ومناورات الأطراف اللبنانية الداخلية المتعاونة مع المشروع الأمريكى / الصهيونى، والمدعوم بالمال السعودى والتواطؤ المصرى والأردنى، فكان التدخل بالعمل العسكرى الإسرائيلى هو أداة تحقيق هذا الهدف السياسى ، فكيف أدارت الدبلوماسية الأمريكية الأزمة؟
لقد إنتهجت الإدارة الأمريكية مجموعة من الوسائل والأساليب والإجراءات عشية وأثناء الأزمة تمثلت فى الآتى:
1- كشف الغطاء الإقليمى عن "حزب الله" والمقاومة اللبنانية، على أثر عملية أسر الجنديين الإسرائيليين فى الأسبوع الأول من شهر تموز (يولية)، وذلك بتبرأ رئيس الوزراء اللبنانى (فؤاد السنيورة) أولا من العملية دون أن يقدم أى أفق سياسى لأسباب العملية أو الإشارة إلى الأسرى اللبنانيين أو مزارع شبعا المحتلة أو استيلاء إسرائيل على مصادر المياة اللبنانية، وكانت هذه الحكومة بأغلبيتها المصنوعة تمثل فى الجوهر التيارات والقوى المتحالفة مع المشروع الأمريكى / الفرنسى فى لبنان من أمثال (سعد الحريرى – سمير جعجع – أمين الجميل ووليد جنبلاط)، وبعدها بساعات جاء بيان المصدر الرسمى السعودى الذى وصف المقاومة اللبنانية وحزب الله بأنهم "مغامرون" وقام بتحميلهم المسئولية، بما مثل ضوءا أخضر – لا شك فيه مطلقا لإسرائيل للقيام بعملياتها الواسعة تحت حجة الدفاع الشرعى عن النفس -، وفى اليوم الثانى مباشرة للتصريح السعودى، قام عبد الله الثانى – ملك الأردن – فيما يكاد يعرف عسكريا "بمعركة التثبيت على الأرض" بزيارة القاهرة وانتزاع موقف مصرى مماثل ومطابق للموقف السعودى، حيث صدر البيان المصرى / الأردنى الثنائى حاملا نفس العبارات تقريبا، وزاد عليها الإضافات – الخرفة للرئيس المصرى – حيث الحديث حول "البتاع ده" قاصدا التهوين من قيمة ومصداقية وبسالة "حزب الله" من ناحية والتخويف من قدرات إسرائيل العسكرية فيما يشبه دور تحطيم الروح المعنوية لأنصار المقاومة فى لبنان وغير لبنان، وبهذا منح الموقف المصرى والأردنى – وقبله السعودى – شرعية العدوان الإسرائيلى على لبنان، تماما كما فعلوا بعد فوز "حم
اس" فى الانتخابات الفلسطينية فى يناير من عام 2006 وبداية تشكيلها الحكومة الفلسطينية الجديدة، فقامت نفس هذه الأنظمة بحصارها السياسى وغير السياسى، والحقيقة أن هذا الموقف الثلاثى، لا يمكن فهمه وتحليله إلا فى سياق النظر إلى عملية الاختراق الواسعة النطاق الذى قامت به الولايات المتحدة – لصالح وحساب إسرائيل – للنظام الإقليمي العربى كله منذ ورطت السادات فى عملية الزيارة لإسرائيل عام 1977، وما تبعها من توقيع معاهدات "سلام منفرد" معها، وفقا للرؤية الأمريكية حول المسارات المنفصلة والمفاوضات المباشرة التى حكمت هذه السياسة الأمريكية طوال الخمسين عاما من الصراع العربى / الصهيونى.
2- وبعد تهيئة الأجواء الإقليمية والعالمية (قمة مجموعة الثمانية وغيرها) لرفض عملية آسر الجنديين الإسرائيليين، بدأت عمليات الهجوم الجوى الإسرائيلى على لبنان ، من أجل تحطيم بنيته التحتية فى محاولة لخلق مناخ وبيئة نفسية وسياسية داخل لبنان معادية لحزب الله والمقاومة عموما.
3- وفى نفس الوقت عطلت الولايات المتحدة أية محاولة لعقد اجتماع طارىء لمجلس الأمن طبقا لنص وروح الميثاق الذى يتطلب عقد مثل هذا الاجتماع فى الأوقات والأحداث التى تمثل تهديدا للسلم والأمن الدوليين، وجاء الرفض الأمريكى على لسان الرئيس الأمريكى ووزيرة خارجيته، ووصل الأمر إلى حد إعلان وزيرة الخارجية بأننا بصدد "مخاض ولادة شرق أوسط جديد" ..!!
4- وأثناء عمليات القصف والعدوان الوحشى الإسرائيلى، كان اجتماع مجموعة الثمانية G.8 فى بطرسبورغ الروسية قد أخذ بدوره الموقف الأمريكى المنحاز لإسرائيل تحت زعم "حق إسرائيل فى الدفاع الشرعى على النفس" وجاءت تصريحات الرئيس المضيف "بوتين" معززة لهذا المعنى وهو ما جاء بالحرف فى البيان الختامى الصادر عن الاجتماع فى 14/7 ).
5- وبعد مرور عشرة أيام على العدوان والتدمير الممنهج للبنية التحتية والعقارية والجسور وكل شيء فى لبنان، ومع انكشاف بوادر عجز عسكرى إسرائيلى عن تحقيق الأهداف العسكرية من العدوان خلال المدة المتفق عليها (من أسبوع إلى أسبوعين)، تحركت وزيرة الخارجية الأمريكية "كونداليزا رايس" إلى المنطقة وسط مطالبات وتوسلات عربية من الحكومات والنظم الحاكمة، محاولة فرض وتسويق المطالب الإسرائيلية والأمريكية المشتركة، التى فى مقدمتها نزع سلاح "حزب الله"، ونزول القوات الدولية المتعددة الجنسيات بمهمات الردع فى المنطقة الحدودية اللبنانية وبعمق حتى نهر الليطانى، وفى ظل ما أسمته "حل دائم" للصراع بين البلدين، بكل ما يحمله هذا المصطلح من معنى إقامة علاقات دبلوماسية وطبيعية بين لبنان وإسرائيل.
بيد أن نجاح "حزب الله" ومقاتليه فى صد الزحف البرى الإسرائيلى على الجنوب وتكبيد إسرائيل خسائر بشرية وتكتيكية غير مسبوقة فى تاريخ الصراع على المستوى الميدانى، وقصف الثلث الشمالى كله "لفلسطين المحتلة" قد عطل المشروع الأمريكى كله فى لبنان ، فقد توارت العناصر والقوى السياسية اللبنانية التى تناهض "حزب الله" – ولو إلى حين – كما حدث اصطفاف وطنى جديد ليس فى لبنان وحده ، وإنما فى طول الجغرافيا العربية والإسلامية ، وفشلت المحاولة السعودية المشبوهة فى زرع بذور الفتنة الطائفية – سنة وشيعة وفتوى جبريل – ونجح هذا الاصطفاف الداخلى فى ضم التيار العونى (العماد ميشيل عون) وسليمان فرنجيه وكريم بقرادونى وغيرهم من التيارات الوطنية المسيحية والإسلامية والقومية واليسارية.
6- وبتعثر القوات الإسرائيلية وتكبدها خسائر فادحة كل يوم، وفى كل قرية أو منطقة حدودية لبنانية حاولت الدخول إليها، كان عنصر الزمن قد خرج من الملعب الأمريكى / الإسرائيلى، وأنتقل دوره لصالح الموقف المقاوم، حيث زاد حرج الأنظمة العربية المتواطئة من ناحية، وكذا الحكومتين الإسرائيلية والأمريكية أمام حلفاهما الغربيين – ومن أهمهم فرنسا وروسيا – نظرا لزيادة المجازر الوحشية التى ترتكبها الطائرات الإسرائيلية من ناحية (مراوحين – قانا – صرفيا – القاع – الشياح – عيناتا – غازية ..وغيرهم)، كما دخل الرأى العام العربى والعالمى بزخم جديد، مدفوعا بمناظر القتل البشعة التى ترتكبها إسرائيل يوميا فى لبنان، وهنا بدأت الدبلوماسية الأمريكية محاولة جديدة من أجل إحتواء حجم الغضب العالمى وتأثيراته السياسية، فحدث تحرك بطيء ثان من وزيرة الخارجية – التى رفض استقبالها لأول مرة فى بيروت – وبدأ مسلسل الزيارات المكوكية لمساعدها "ديفيد والش" بين بيروت وتل أبيب، فى محاولة لفرض الشروط من جديد ولكن مع مساحة من المرونة أحدثتها المبادرة الفرنسية بتقديم مشروع قرار إلى المجلس، سواء بالتنسيق مع الولايات المتحدة – وهو ما تفضله فرنسا بالطبع فى ظل مفهوم تقسيم مناطق النفوذ أو المصالح – أو بدونها حتى لو كان مصيره الفشل أو الفيتو الأمريكى، وهو ما كان يحاول الطرفين الأمريكى والفرنسى تجنبه لعدم تكرار الصدام الذى حدث بينهما عشية الغزو الأمريكى للعراق فى مارس من عام 2003.
7- ومع حرج موقف الأنظمة العربية بسبب طول الحرب، وبداية ظهور ملامح هزيمة عسكرية وعملياتية حقيقية لإسرائيل فى الجنوب اللبنانى، بدا أن الموقف الأمريكى قد بات مكشوفا دوليا بصورة غير مقبولة لدى كافة الأطراف، فقبلت التعاون مع الأفكار الفرنسية المطروحة بشأن استصدار قرارا دوليا من مجلس الأمن يقضى بوقف إطلاق النار فورا، وتشكيل قوة دولية متعددة الجنس

الفصل الثالث صراعات الإقليم .. وتدهور مركز مصر فيه

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

أولا :العدوان الإسرائيلى على لبنان .. والمواقف المشبوهه

حدود النصر أو الهزيمة فى معركة لبنان الراهنة*

منذ أن بدأ العدوان العسكرى الاسرائيلى على لبنان فى الثانى عشر من يوليو الماضى، وهناك تصريحات وأحاديث متكررة حول "النصر" أو "الهزيمة" بين جماهير العالم العربى والإسلامى.
وقد تحدث قائد المقاومة العربية واللبنانية التاريخى "السيد حسن نصر الله" حول أبعاد ونتائج وتداعيات هذه المعركة التاريخية، على مصير ومستقبل المنطقة العربية وشعوبها، انطلاقا من مقولات النصر أو الهزيمة.
كما تبارى عدد من الكتاب والمفكرين العرب، فى الفضائيات الناطقة بالعربية فى تحليل أبعاد ونتائج هذه الجولة المصيرية من الصراع العربى / الصهيونى. ولكن اللافت للنظر أن أيا من هؤلاء الكتاب والمحللين لم يتوقف بالشرح والتحليل عند مفهوم "النصر" أو حدود "الهزيمة" بالتطبيق على الأهداف السياسية لتلك الحرب العدوانية الجديدة .
فمتى يمكن القول أن المقاومة اللبنانية وحزب الله ، قد حقق نصرا كاملا ، أو نصرا جزئيا ؟ ومتى يمكن القول أننا بصدد هزيمة – لا قدر الله – لهذه المقاومة الباسلة؟

الأهداف السياسية للحرب
لأن الحرب هى ممارسة للسياسة بوسائل أخرى – كما أستقر الفكر العسكرى والاستراتيجي – فان تحقيق إنجاز ميدانى، كبر شأنه أو صغر، يتوقف عليه مدى استثماره فى تحقيق هدف سياسى معين، فعلى سبيل المثال، برغم الإنجاز العسكرى المصرى فى الأسبوع الأول من حرب أكتوبر عام 1973، فان الأهداف السياسية للحرب لم تتحقق بصورة تتناسب مع الأداء العسكرى المصرى والسورى، والذى لا ينتقص منه كثيرا الاختراق العسكرى الذى قامت به إسرائيل فى الأسبوع الثانى من الحرب، سواء على الجبهة المصرية (ثغرة الدفراسوار) أو على الجبهة السورية والوصول إلى قرية (سعسع) على بعد ثلاثين ميلا من العاصمة "دمشق"، لقد كانت الأهداف السياسية لحرب أكتوبر تتمثل فى:
1- كسر نظرية الأمن الاسرائيلى القائمة على فكرة الحدود الآمنة.
2- تحريك الموقف السياسى الساكن ، وإنهاء حالة اللا حرب واللا سلم والوصول إلى أعتاب تسوية سياسية عادلة للصراع العربى / الصهيونى.
فإذا بنا بعد نهاية الحرب ندخل إلى سراديب "هنرى كيسنجر"، وينتهى الأمر بعزل مصر عن محيطها العربى، وبداية تفكيك التحالف العربى الذى بدا أثناء الحرب وبلوغ ذروته فى دعم دول النفط العربية لجبهات القتال ، وذلك بخفض نسبة من تصدير النفط ورفع أسعاره وهو ما كان له نتائج وتداعيات كبيرة .
المهم .. أن تحقيق الأهداف السياسية للقتال هو الذى يحدد حالة "النصر" أو حالة "الهزيمة"، وفى الجولة الجديدة للصراع على الساحة اللبنانية الإسرائيلية والفلسطينية، فان الهدف السياسى للعدوان الإسرائيلي يتحدد فى الآتي:
1- تدمير البنية العسكرية "لحزب الله"، وهو ما من شأنه إحداث تداعيات فى التركيبه السياسية الداخلية للبنان، تسمح بدفع الأطراف اللبنانية المتعاونة مع إسرائيل والولايات المتحدة والسعودية فى التجرؤ على "حزب الله" وتقليم أظافره ودوره السياسى فى المعادلة اللبنانية.
2- تأمين الحدود الشمالية الإسرائيلية، سواء بوجود عناصر الجيش اللبنانى على الحدود، أو بوجود قوات دولية بما يعنى توريط المجتمع الدولى كله و"الناتو" خصوصا فى تأمين تلك الحدود الإسرائيلية.
3- إذا لم يكن الحد الأقصى للأهداف الإسرائيلية متاحا، فيمكن القبول بهدف الحد الأدنى وهو تراجع مقاتلى "حزب الله" إلى ما وراء نهر الليطانى، مع نشر قوات دولية ، وهو ما يعنى تحقيق هزيمة سياسية للحزب، تؤدى أيضا إلى تشجيع بقية الأطراف اللبنانية المناوئة للحزب على محاولة استكمال مهمة تقليم أظافر الحزب السياسية والعسكرية، وبمعاونة أطراف إقليمية متواطئة مثل النظام السعودى والمصرى والأردنى.
4- ومن شأن ذلك –فى حده الأقصى أو الأدنى– استكمال حصار سوريا وعزلها إقليميا، وإضعاف الدول الإيرانى فى الإقليم، تمهيدا لعمليات مباشرة تتم مستقبلا ضد هاتين الدولتين.
5- كما أن تحقيق هذه الأهداف الإسرائيلية ضد "حزب الله" سيؤدى لا محالة إلى كسر شوكة المقاومة البطولية الفلسطينية فى غزة والضفة الغربية، وكذا شوكة عرب 1948.
6- ثم أخيرا وبتداعيات النتائج فإن استعادة الجنديين الإسرائيليين الأسيرين تؤدى إلى رد الاعتبار المعنوى لجيش الدفاع الإسرائيلي.
أما الأهداف السياسية للحرب، التى توقعتها قيادات المقاومة اللبنانية وحزب الله بعد عملية أسر الجنديين فهى كالتالى:
أولا: كسر أنف وغطرسة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بإجبارها على إجراء عملية تبادل واسعة للأسرى، ودفعها إلى إتباع نمط للعمليات الحربية تناسب نمط قتال قوات المقاومة اللبنانية.
ثانيا: كسر أحد ركائز نظرية الأمن الإسرائيلى المستندة على فكرة نقل مسرح العمليات إلى أراضى الخصم، وذلك من خلال قيام حزب الله بعمليات قصف صاروخية تطال معظم المدن والمستعمرات الإسرائيلية فى شمال فلسطين المحتلة، وإجبارهم على اللجوء إلى الملاجىء فى حرب استنزاف لا يستطيع العدو الصهيونى احتمالها اقتصاديا أو سياسيا أو حتى نفسيا.
ثالثا: تخفيف الضغوط عن كاهل المقاومة الفلسطينية الباسلة التى استفردت بها إسرائيل منذ 28 سبتمبر من عام 2000، وزاد من وطأتها فى الشهور
القليلة الماضية بعد نجاح "حماس" فى تشكيل الحكومة ورفضها لأسس التسوية التى قادتها حركة "فتح" ووصلت بالقضية الفلسطينية إلى طريق مسدود .
رابعا: ستؤدى المواجهة العسكرية الراهنة بين إسرائيل والمقاومة اللبنانية، إلى إحداث حالة اصطفاف وطنى لبنانى جديد ، خاصة بعد أن وصل "الحوار الوطنى" الداخلى إلى تبلور قوى لبنانية معادية للمقاومة ولسلاح "حزب الله " بسفور مدعومة من قوى دولية وإقليمية متعددة، وبرغم عدم التقدير الدقيق لحجم الهجمة الوحشية الإسرائيلية للبنية التحتيه اللبنانية، واستهدافهم للمدنيين فى بيروت وبقية المدن والقرى اللبنانية ، فإن هدف الاصطفاف الوطنى وعزل الأصوات العميلة لإسرائيل والولايات المتحدة داخل الساحة اللبنانية من أمثال (أمين الجميل وسمير جعجع وسعد الحريرى ..الخ ) قد حدث إلى حد كبير.
أذن .. وبعد مرور أكثر من أسبوعين على العدوان الإسرائيلى، والمقاومة البطولية الباسلة لمقاتلى "حزب الله" كيف يمكن تقييم الموقف الاستراتيجي والتكتيكى على المستويين السياسى والعسكرى؟ وكيف يمكن تصور احتمالات (أو سيناريوهات) المستقبل ؟

انتصارات تكتيكية للمقاومة

ما بين الأهداف الاستراتيجية فى الحرب لكل طرف من الأطراف، وأداءه التكتيكى تقع المسافة بين احتمالات النصر أو الهزيمة، وحتى اليوم (27/7) نستطع أن نقول بأن "حزب الله" ومقاتليه قد نجح فى تحقيق أكثر من انتصار تكتيكى بامتياز:
فهو أولا: قد نجح فى إجبار العدو الإسرائيلى على تغيير أساليب قتاله المعروفة، ونزل إلى مستوى الأداء الكلاسيكى النمطى، فمن المعروف أن التكتيك العسكرى الإسرائيلى يعتمد أساليب قتال المدرسة العسكرية الألمانية القائمة على عمليات التمهيد النيرانى المكثف (الجوى والبرى والبحرى)، ثم إجراء عمليات الاختراق بالعمق باستخدام سلاح المدرعات، وبالتالى أحداث حالة من الارتباك فى صفوف القوات المعادية، وفى الأثناء تجرى عمليات الالتفاف والتطويق، يتم على أثرها تدمير القوات العربية المعادية ومحاصرة مراكز قياداته وتدميرها، وقد تلجأ القوات الإسرائيلية لتحقيق ذلك إلى عمليات الإبرار الجوى أو البحرى الواسعة لعزل القوات المعادية لها، هذا هو تاريخ الأداء التكيكى للعسكرية الإسرائيلية منذ عام 1948 وحتى الأمس القريب، بيد أن سير العمليات الراهن يشير إلى انقلاب إجبارى قد حدث فى ذلك التراث العسكرى الإسرائيلى ، حيث الاعتماد الآن على إستراتيجية القضمات المتتابعة أو ما يسمى "الخرشوفة" التى صاغها أحد خبراء الاستراتيجية العسكرية البريطانيين (ليدل هارت)، وقد أثبت الأسبوعين الماضيين فشلا إسرائيليا ذريعا فى إنجازها، خاصة فى المثلث الحدودى اللبنانى (مارون الراس – عيترون – بنت جبيل) وتكبد خلالها لواء النخبة الإسرائيلى (لواء الجولانى) خسائر فادحة، وفقا لخط سير العمليات هذا ، فإن قدرة إسرائيل العسكرية المجردة – ناهيك عن الأبعاد المتعلقة بتأثير ضرب مدن ومستعمرات شمال فلسطين وحتى حيفا – فى تحقيق إنجاز عسكرى تصبح محل شك كبير.
ثانيا: وإذا كان نجاح حزب الله فى استمرار قصفاته الصاروخية على ثلث شمال فلسطين المحتلة هو بحد ذاته نجاحا تكتيكيا ، برغم كل الطلعات الجوية الإسرائيلية وسيادتها المطلقة على الأجواء اللبنانية، فأن نجاحه التكتيكى الأكبر هو فى قدرته على الحفاظ على تماسك مراكز قيادته ووسائل اتصاله وسيطرته الميدانية على وحداته برغم التقطيع الإجرامى الذى حدث من جراء القصف الجوى الإسرائيلى لكافة الجسور والطرق وشبكات الاتصالات الهاتفية وغير الهاتفية، واستمرار وحداته المقاتلة فى الحرب بصورة غير مسبوقة فى تاريخ الصراع العربى – الصهيونى، ناهيك عن مفاجأته للعدو بتدمير البارجة (ساهر 5)، أو إسقاط عدة طائرات مروحية من طراز أباتشى.
ثالثا: أنعكس النجاح العملياتى لحزب الله على مستوى تعبئة الرأى العام العربى والعالمى، فأستمر التراكم الشعبى فى خلق وعى معادى لإسرائيل ككيان عنصرى وحشى وإجرامى، وهو تراكم أدى فعليا خلال الخمس عشرة عاما الماضية، ومنذ انتفاضة الحجارة عام 1987 إلى نزع الغطاء "الأخلاقى" عن الدولة العبرية لدى قطاعات واسعة من الرأى العام الأوربى والأمريكى وفى العالم الثالث، ناهيك عن تأثيره فى إعادة الاعتبار لوعى وذاكرة الشعوب العربية فى دول استسلمت فيها أنظمتها الحاكمة لإسرائيل منذ سنوات بعيدة (مصر – الأردن – موريتانيا ودول الخليج) باعتبار إسرائيل عدو تاريخى لا يجوز التصالح أو إقامة علاقات من أى نوع معه.
رابعا: أنعكس أيضا النجاح العملياتى لحزب الله فى تعديل الخطاب العربى الرسمى المهادن ، خاصة لدى الأنظمة الحاكمة فى السعودية ومصر وغيرهما، حيث بدأت السياسة السعودية تتحدث عن أفكار جديدة تؤجل بمقتضاها الحديث حول نزع سلاح حزب الله واعتماد مطلبى الحزب والمقاومة اللبنانية فى (وقف إطلاق نار فورى وتبادل الأسرى) فى صلب خطابهم السياسى، مع تضمين هذا الخطاب المراوغ بعض المطالب الأمريكية والإسرائيلية تحت شعار "بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها" أو القبول بفكرة وجود قوات دولية على الحدود مع تحفظ بعضها – مثل مصر – على وجود قوات من "الناتو" ..!!
والآن .. فى ضوء تلك المعطيات الجديدة ما هى احتمالات وسيناريوهات المستقبل؟

السيناريوهات الخطرة:

برغم هذه النجاحات التكتيكية البا
لغة الأهمية التى حققها مقاتلو حزب الله فى الأسبوعين الماضيين، فإن حالة الحصار الإقليمى والتآمر الدولى من الضخامة بحيث ينبغى الاحتراس من أن تنجح السياسة والدبلوماسية فى تحقيق ما لم تحققه القوة العسكرية الغاشمة لإسرائيل، تماما كما حدث فى أعقاب حرب أكتوبر عام 1973 مع الرئيس السابق "أنور السادات"، وبالتالى فنحن إزاء ثلاثة إحتمالات (سيناريوهات) يتوقف حدوث أيا منها على مجريات الصراع العسكرى والميدانى على الأرض من جهة، وعلى تحركات بعض الأطراف الدولية (الولايات المتحدة وفرنسا تحديدا) واستخدامهما لبعض الأنظمة العربية التى احترفت السمسرة السياسية منذ فترة طويلة مثلما الحال فى مصر والمملكة السعودية.

السيناريو الأول:
إذا ما استمر النهج العسكرى الإسرائيلى الراهن – القائم على تكتيك القضمات المتتابعة أو الخرشوفة – فان الصراع العسكرى مرشح للاستمرار لفترة طويلة نسبيا، وهو ما يحمل احتمالات متناقضة وأفق سياسى غير مضمون:
فمن ناحية يسمح ذلك لإسرائيل وعبر القصف والتدمير الهمجى لكل المدن والقرى اللبنانية بزيادة أصوات النظم العربية والإقليمية التى تطالب بضرورة "إيجاد حل" على شاكلة الحل السعودى الذى يتقنع بدموع التماسيح وادعاء الحرص على لبنان وشعبه، ومضمون هذا الحل الإقليمى – المدعوم أمريكيا وإسرائيليا – هو وقف إطلاق النار مع الموافقة على وجود قوات دولية على الحدود، وتراجع قوات حزب الله، ودون أن يتجرءوا على المطالبة بنزع سلاح الحزب.
ولكن هذا السيناريو أيضا له تأثيرات سلبية داخلية على إسرائيل والائتلاف الحاكم فيها، ذلك أن استمرار "حرب استنزاف" من هذا النوع سيؤثر أيضا على سكان شمال فلسطين المحتلة، كما أنه سيطرح درجة من الشكوك فى قدرات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على إنجاز المهمة التى حددتها لنفسها أمام المواطنين، أو أمام الولايات المتحدة، إلا وهى تدمير البنية العسكرية لحزب الله، تمهيدا للاستثمار السياسى داخل لبنان يسمح بتقليم أظافره فى التركيبه السياسية اللبنانية.
ومن ناحية أخرى، فإن معدل الخسائر المرتفعة بين صفوف القوات الإسرائيلية غير مسبوق، بحيث سيؤثر سلبا وبصورة خطيرة على تآكل الروح المعنوية لهذا الجيش الذى هو عماد الدولة العبرية وركيزة وجودها، وهو أيضا فوق طاقة احتمالها. وبالتالى فإن استمرار العمل العسكرى بهذا النهج، الذى فرضته تكتيكات المقاومة اللبنانية، لا يحمل احتمالا حقيقيا بأى مكسب سياسى جوهرى، خاصة إذا صمد الداخل اللبنانى ورفض حزب الله أى اقتراح أو خطة "عربية" مدعومة أمريكيا وإسرائيليا من أجل إنزال قوات دولية على الحدود اللبنانية، حتى لو قبلت بهذا حكومة مشكوك فى شرفها كحكومة فؤاد السنيورة وحلفائه.
هذا الاحتمال (أو السيناريو) برغم خسائره البشرية والمادية على الشعب اللبنانى، إلا أنـه يمثل خسارة استراتيجية لإسرائيل، وانتصارا لنهج المقاومة ووجودها ومستقبلها.
السيناريو الثانى:
وبناء على نتائج الأسبوعين الماضيين ونمط العمليات الجارى، فإنه من المتصور أن تغير إسرائيل نهجها العملياتى وتعود إلى أسس عقيدتها العسكرية التكتيكية بكل ما يتضمنه من مخاطر بعيدة المدى، أى القيام بعمليات اجتياح واسعة فى الجنوب اللبنانى وبعمق 20 إلى 40 كيلو متر، مصحوبة بعمليات إنزال بحرى على تخوم مدينة "صور" أو "جنوب صيدا" من أجل المراهنة على مقايضة سياسية بالانسحاب من هذه الأراضى اللبنانية المحتلة مقابل وجود قوات دولية رادعة أو قوات من "الناتو" على الحدود بين البلدين، ومن الجانب اللبنانى طبعا، مع المطالبة – اللفظية – بنزع سلاح حزب الله كمحاولة إسرائيلية لإخفاء الفشل العسكرى فى تحقيق هذا الهدف.
ونظرا إلى أن هذا التغيير فى التكتيك العسكرى الإسرائيلى، لا يضمن تدمير خلايا حزب الله فى الجنوب اللبنانى والبقاع، فإن محاولة تجنب الخسائر الإسرائيلية التى ستحدث بسبب حرب العصابات البارعة التى سيقوم بها مقاتلى حزب الله ضد هذه القوات الإسرائيلية ، يمكن أن تدفع إسرائيل إلى قبول الخروج من الجنوب سريعا مقابل تقديم بعض التنازلات لحكومة لبنان قد تشمل:
-عملية تبادل محدودة للأسرى.
-خروج من مزارع شبعا المحتلة، أو بعض قطاعاته.
وذلك كمحاولة لتعزيز فرص الوجود السياسى لأطراف لبنانية داخلية على استعداد لقبول هكذا صفقة من أجل تقليم أظافر حزب الله سياسيا، مع إمكانية نشر وحدات من الجيش اللبنانى على الحدود بالتعاون أو بالتجاور مع القوات الدولية.

السيناريو الثالث :
توسيع نطاق الحرب .. والهروب إلى الأمام
وفى ظل عدم نجاح السيناريوهان السابقان فى تحقيق نتائج سياسية تقترب بإسرائيل وأمريكا من الأهداف الاستراتيجية لتلك الحرب، فإن إندفاع إسرائيل –كعادتها– بالهروب إلى الأمام عبر توسيع نطاق عملياتها الجوية لتطال بعض المواقع السورية على الحدود اللبنانية السورية، أو حتى داخل العاصمة "دمشق" بهدف دفع العالم كله إلى حافة الهاوية، ومن أجل الإسراع فى تدخل دولى ينقذ إسرائيل من ورطتها فى الجنوب اللبنانى ومن قبضة مقاتلى حزب الله، وكذلك دفع أطراف عربية مثل السعودية ومصر والأردن إلى أداء دورهم كسماسرة إقليميين لصالح الولايات المتحدة، وذلك بتوفير غطاء "عربى" لإبعاد حزب الله عن الحدود الشمالية لإسرائيل، وتشكيل قوة دولية قد تساهم فيها بعض تلك الأطراف العربية، وبهذا يتحقق لإسرائي
ل بعض أهدافها من العدوان على لبنان.
وفى كل الأحوال فإن قبول الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض العملاء الإقليمين واللبنانيين بانتصار حزب الله هو من أكثر الأمور استحالة فى الصراع الجارى، وهذا الانتصار لحزب الله، يعنى استمرار تواجده على الحدود مع إسرائيل، وإجراء عملية تبادل واسعة للأسرى، وكذا الانسحاب من مزارع شبعا.
والأقرب إلى التصور هو محاولة القيام بعملية مساومة compromise بين الطرفين فى اللحظة الأخيرة، يحقق لإسرائيل بعض مطالبها – خاصة إبعاد حزب الله عن حدودها – دون التطرق فى هذه المرحلة إلى مسألة نزع سلاح حزب الله، مع وجود قوات سواء لبنانية أو دولية على الحدود، وإعطاء حزب الله ورقة لقبول تسوية من هذا النوع تتمثل فى عملية تبادل واسعة نسبيا للأسرى، وهذا هو مضمون الأفكار السعودية التى طرحها وزير الخارجية السعودى بعد "حجة" البيت الأبيض وتوقيع الرئيس "بوش" على مضمونها.
أن سلاح حزب الله قد أوقف مؤامرة دولية وإقليمية كبرى، لكنه بالقطع لا يستطيع وحده أن يغير الخرائط الإقليمية، فالشعوب العربية فى مصر والأردن والسعودية مطالبة الآن أكثر من أى وقت بتغيير هذه الأنظمة المشبوهة.. فهل تقدر؟

مستقبل الديموقراطية والإصلاح السياسى والدستورى فى مصر*

الثلاثاء, يوليو 8th, 2008

لم تعد مسألة الإصلاح السياسى والدستورى فى مصر، مجرد خلافات أو صراعات بين جماعات النخب السياسية والفكرية فى البلاد، بقدر ما أصبحت نقطة تلاقى بين كافة القوى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من جهة، وبالمثل نقطة تقاطع بين مصالح القوى الدولية والإقليمية من جهة أخرى.
ذلك أن عملية الإصلاح السياسى والدستورى لم تعد مجرد مطالب تلح عليها وتصر قوى المعارضة السياسية فى مصر فحسب، بل أنها قد تعدت ذلك لتكون أحد أوراق "اللعب" على الساحة الدولية وفى يد قوى كالولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوربى ، خاصة بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر عام 2001.
وبرغم اختلاف وتيرة المطالبة وجدية وإصرار الفرقاء جميعا الراغبون فى الإصلاح والرافعين لشعاراته، فإن أحد منهم – بما فيهم قيادات حزب النظام والحكم فى مصر وهو الحزب "الوطنى الديموقراطى" – لا يستطيع أن يتجنب الحديث عنه، وعن ضروراته لمستقبل مصر والعالم العربى برمته.
صحيح أن كثيرون ممن يرفعون شعارات "الإصلاح" هو من أكثر المناوئين له، والمدركين لخطورة إجراءاته على مصالحهم ومستقبلهم ، ولكنهم على أية حال لا يجرأ ون بالجهر صراحة برفض الإصلاح فى البلاد، أو تحدى رغبة القوى الدولية الدافعة إليه والراغبة فيه ، حتى لو كان بمقاييس مصالحها المباشرة بصرف النظر عن طموحات شعوب المنطقة وآمالها.
ضرورات التمييز بين الإصلاح السياسى والإصلاح الدستورى
عادة ما يستخدم الناس تعبير الإصلاح السياسى والدستورى، كحزمة واحدة تعكس حالة من الشعور بدرجة التلازم بين المفهومين، بيد أن الخبراء من علماء السياسة والفقه الدستورى، عادة ما يميزون بين المفهومين، وإن كانوا لا ينكرون درجة الارتباط بينهما:
فالإصلاح الدستورى: يرمى إلى إحداث تغييرات ملموسة فى بعض – أو كل – الإطار الدستورى المنظم لعلاقات سلطات الدولة الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) بحيث تؤدى إلى إحداث توازن أفضل بين هذه السلطات، بما يضمن فاعلية أكبر لدورها ، ووقف تغول وتوغل السلطة التنفيذية على بقية سلطات الدولة، ويشمل الاصلاح الدستورى – بالضرورة – الوثيقة الدستورية الأساسية أو ما يطلق عليه "الدستور" وبعض القوانين المكملة للدستور، مثل قوانين مباشرة الحقوق السياسية، والانتخابات، والسلطة القضائية، ومجلس الشعب وغيرها.
ويؤدى إجراء إصلاح من هذا النوع، إلى إتاحة مجال أوسع من الحريات العامة والمشاركة السياسية من جانب القطاع الأكبر من المواطنين، خاصة إذا كانت نسب المشاركة فى الانتخابات العامة فى البلاد – وفقا للبيانات الرسمية – لا تتجاوز فى أحسن الأحوال 23%، بينما تؤكد المصادر المحايدة من جانب المراقبين والشواهد بأنها لا تزيد عن 7% إلى 10 % ممن لهم حق التصويت والانتخاب.
وتتركز عناصر الإصلاح الدستورى الأساسية للمطالبين به فى الآتى:
1- فتح مجال الترشح لشغل المناصب العامة بدءا من رئيس الجمهورية، مرورا بالمحافظين، وانتهاء برؤساء الأحياء والقرى والبلديات، للكافة إعمالا لمبدأ المساواة (م 40 من الدستور)، ووفقا لتكافؤ الفرص، وهنا تثار قضية المادتين الحاكمتين فى الدستور المصرى الراهن (دستور 1971) إلا وهما المادة (76 ) والمادة (77 ).
2- استقلال حقيقى للسلطتين التشريعية والقضائية، حتى يتحقق توازن حقيقى بين السلطات، بما يؤدى إلى وقف تغول وتوغل السلطة التنفيذية على بقية سلطات الدولة، وبما يؤدى فعليا وسياسيا إلى خلق حالة "الاستبداد السياسى" وصنع الفرعون أو الديكتاتور.
3- إصلاح القوانين المنظمة لممارسة الحقوق السياسية وفى مقدمتها النظام الانتخابى، بما يضمن شفافية ونزاهة حقيقية من خلال نظام مراقب عليه قضائيا – فى ظل استقلال حقيقى للقضاء – بدءا من نظم قيد الناخبين، مرورا بنظم التصويت وفرز الأصوات، انتهاء بإعلان النتائج، وكلها بعيدا عن سطوة وزارة الداخلية والشرطة.

أما الإصلاح السياسى:
فهى عملية أوسع نطاقا وأشمل مجالا، بحيث تصبح الإصلاحات الدستورية بمثابة روافع أو أحد آليات وأدوات عملية الإصلاح السياسى، والذى يشمل:
1- إطلاق حق تكوين الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية بمجرد توافر شروطها وإخطار الجهة الإدارية.
2- حق إصدار الصحف والمطبوعات.
3- حق تكوين النقابات أو الانسحاب منها دون تدخل الجهات الأمنية.
4- حق الإضراب والاعتصام والتظاهر السلمى.
5- غيرها من الحقوق الجماعية الخاصة بالحريات العامة والفردية.

تأثير عنصر الزمن فى عملية الإصلاح السياسى والدستورى
يكلف إبقاء أوضاع الاستبداد السياسى الراهن، وعدم الإسراع فى أجراء عملية الإصلاح المطلوبة المجتمع والدولة فى مصر نفقات باهظة، وتهدر فرص حقيقية للنمو الاقتصادى والاجتماعى.
فعلى سبيل المثال، يؤدى فرض حالة الطوارىء طوال الربع قرن الماضى (1981-2006 ) إلى نفقات مالية باهظة، حيث زادت مخصصات وتكاليف جهاز الأمن والدفاع من أقل من 8 مليارات جنيه عام 1981 إلى أكثر من 35 مليار جنيه فى العام المالى 2005/2006 – وذلك بخلاف المعونة العسكرية السنوية الأمريكية التى تتجاوز فى المتوسط 1.2 مليار دولار إلى 900 مليون دولار تعتبر من الديون الخارجية لمصر – ويرجع السبب فى هذه الزيادة فى تضاعف بند الأجور والمرتبات للعاملين فى أجهزة وزارتى الداخلية والدفاع بسبب ما يسمى (علاوة الطوارىء)، من ناحية، وزيادة أعداد العاملين فى وزارة الداخلي

Featuring WPMU Bloglist Widget by YD WordPress Developer