مشكلات صناعة الإعلام المصرى*

ثلاث ركائز أساسية يقوم عليها بناء المجتمع الحديث، بصرف النظر عن هيكل الملكية فى هذا المجتمع ، أو نمط علاقات الإنتاج السائدة فيه، أو الأيديولوجيا الحاكمة لأفراده وجماعاته ونظام حكمه، وبصرف النظر كذلك عن مستوى تقدمه أو تخلفه الاقتصادي والاجتماعى، هذه الركائز هى:
الأولى: هيكل اقتصادى وانتاجى ينمو أو فى طريقه للنمو.
الثانية: جيش وقوات أمن واستخبارات تحفظ الكيان والنظام السياسى والدولة.
الثالثة: جهاز إعلامي قادر على التأثير بالصوت والصورة على خلق انطباعات، وصياغة وجدان ورسم خطوط سواء كانت حقيقية أو وهمية.
وتلعب ركائز "أرشميدس" الثلاث هذه أدوارها المتكاملة أو المتنافرة وسط سياق اجتماعى وسياسى وثقافى محدد، ووظائفها وأهدافها بصورة عامة هى ضمان استقرار المجتمع وتحقيق أمن النظام السياسى الحاكم.
بيد أن التجارب الاجتماعية والسياسية الحديثة، قدمت إلينا نماذج متعددة ، بعضها قدر له النجاح فى تكامل الوظائف والأدوار الثلاثة ومن ثم توفير شروط أفضل للحياة وديمومة الاستقرار والتوازن، وبعضها الآخر تناقضت فيه الأدوار والوظائف، واصطدمت فى الكثير من الأحيان،فأدخلت المجتمع كله بطبقاته وقواه المختلفة فى حالة من "التيه" الوطنى والقومى.
ويكمن جوهر التناقض عندما يصبح هيكل الانتاج والاقتصاد فى دولة ما، عاجزاً عن النمو، وقاصراً عن تلبية الحاجات الأساسية والطموحات المعيشية للفئات والطبقات الاجتماعية الفقيرة والتى تمثل الغالبية العظمى فى المجتمع، بينما على العكس، ينمو جهاز الأمن وقوى العنف المنظم للدولة، ويضطر الى استخدام أدوات قهره وسطوته فى مواجهة الاحتجاجات والتمردات الاجتماعية والسياسية المتزايدة من جانب المحرومين فى المجتمع، كل ذلك يجرى وسط خطاب إعلامى وأداء إعلامى بعيد عن الواقع ، مستخدماً ما يسمى أسلوب ومنهج "ملء الفراغ " أو "شغل الفضاءات المفتوحة" والتمويه بالتالى عن الحقائق، بل والذهاب الى حد "اختراع حقائق" أو زرع أوهام، فى محاولة يائسة لتجميل واقع معيشى ، يراه أبناء المجتمع سيئاً، ويتجه كل يوم الى الأسوأ.
وهنا يسقط جهاز الإعلام كله فى دائرة شريرة وحلقة جهنمية من "عدم المصداقية" سواء فى الداخل بين أبناء المجتمع ذاته أو فى الخارج بين شعوب العالم ونظمه الديمقراطية المفتوح. والحقيقة أن جهاز الإعلام الرسمى أو "الحكومى" بقدر ما يصبح ضحية لحالة الفشل فى الأداء الاقتصادي والسياسي العام للنظام والحكم ، بقدر ما يمارس بدوره دور الجلاد للحقيقة وللمستقبل فى آن معاً.
هذه الحالة المعقدة والمركبة والملتبسة، تتوه فى زحمة الأداء الوظيفى التقليدى أو الحكومى، وتزداد صعوبة الموقف عندما يصطدم هذا الأداء المتواضع للجهاز الاعلامى الرسمى أو الحكومى ، بواقع عالمى جديد فرضته التطورات العلمية والتكنولوجية فى عالم الاتصالات والمعلومات ، فحولت الكوكب كله الى ما يشبه "القرية الصغيرة"، حيث الحقائق نبضات طيف سابحة فى الفضاء ، يلتقطها كل من يستطيع حيازة أطباق لاقطة ووسط عالم إعلامى جديد ، يزدحم بالفضائيات ونظم البث والإرسال .
والحالة المصرية لم تكن فريدة أو خارج هذا السياق التاريخى بكل ظروفه وملابساته ، ولكن مع توارى أهداف التعبئة الوطنية الى خلفية المشهد ، وبداية عصر تبدل التحالفات الدولية، والانخراط المتزايد فى التعاون والتبعية للولايات المتحدة الأمريكية بكل ما تمثله من تعارض مصالح مع طموحات شعوب هذه المنطقة العربية فى الوحدة والاستقلال وتحرير فلسطين، والانغماس فى مسيرة التسوية السياسية للصراع العربى – الصهيونى على أسس غير عادلة، تغيرت الوظائف المنوطة بجهاز الإعلام المصرى بصورة جذرية ، ورويدا رويدا زحف مفهوم "ملء الفراغ " وشغل مساحة الفضاء المفتوح "حماية " للمجتمع من موجات بث قد تأتى بما هو غير مرغوب رسمياً وغير مطلوب سياسياً للقائمين على إدارة شئون الدولة وأمنها.
ومع تعقد الواقع الاعلامى والاتصال العالمى، ودخولنا فعلاً عصر "السماوات المفتوحة" ازدادت صعوبة المهمة على صناعة الإعلام المصرى والعربى، التى لم تستطع مواجهة خصائص وتحديات الأوضاع الجديدة، وباستثناء عدة قنوات عربية فضائية – مستقلة نسبياً- عن الحكومات التى مولتها، رسبت كل صناعة الإعلام المصرى والعربى فى مواجهة أكبر اختبار وتحد حينما قرعت الولايات المتحدة طبول الحرب بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر، ثم عندما اقتحمت أبواب المنطقة بعنف فكسرت أبواب العراق ، ولوحت للآخرين باقتراب الأجل ولحظة الرحيل.
والآن .. علينا أن نتساءل: أين مكمن الداء؟ وأين جوهر الخلل فى الأداء الاعلامى المصرى؟ هل هو نقص التمويل والموارد ؟ هل هو ضعف الرؤية وقصور السياسات؟ ولكن دعونا قبل الخوض فى الأطر النظرية، أو المعطيات العالمية الجديدة ، نتوقف عند المفهوم ا ذاته، أى مفهوم "الإعلام" فى عصرنا الراهن:

أولاً: مفهوم الإعلام .. ومكوناته:
منذ تلك اللحظة التى حاول فيها الإنسان أن يقيم جسور اتصال وتفاهم داخل جماعته أو بين تلك الجماعة والجماعات الأخرى، أصبحنا بصدد حالة "إعلامية" بالمعنى البسيط والواضح للكلمة، وبصرف النظر عن تواضع هذه الوسائل (بالخطابة المباشرة أو كتابة الرسائل أو إصدار نشرات أو صح.. إلخ) أو تعقدها وتطورها (مثل الفضائيات الراهنة) يظل الجوهر واحدا ألا وهو " نقل رسالة ما محملة بمضمون معين، سواء كان
هذا المضمون سياسياً أو ثقافياً أو فكرياً.. إلخ من فرد أو جماعة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر ، ومن نظام سياسى واجتماعى إلى آخر بهدف التأثير فى قيمه ووعيه وسلوكه وأفكاره ومن ثم تحقيق مصالح هذا الطرف المرسل أو تحقيق بعض أهدافه.
وبرغم أن الرسالة الاعلامية المحملة "بخطاب ما" قد أصبحت أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث لم تعد فى اتجاه واحد ، بل باتت أقرب الى شبكة تفاعلات متبادلة Feedback Network بين أطراف المجتمع العالمى كله، فإن الحقيقة المؤكدة، أن رواد هذه التكنولوجيا الإعلامية والاتصالية الحديثة، ظلوا محتفظين بقدرتهم الأعلى فى التأثير على الآخرين سواء كان هذا التأثير متخذا طابعا قيمياً أو ثقافياً أو سياسياً أو غيره، بفعل ضخامة حجم الرسائل وسرعة تدفقها المستمرين من ناحية، أو بفعل أثر الحنكة والمهارة فى صياغتها وعرضها من ناحية أخرى.
واللافت للنظر أن الخمسين عاماً الماضية قد شهدت تطورين أساسيين فى عالم الإعلام والاتصال هما:
الأول: التطورات التكنولوجية الهائلة التى أدت عملياً الى ما يمكن أن نسميه "إزاحة الوسائل الإعلامية لبعضها البعض" فلم تعد هناك درجة من التوازن أو التناسب أو التكامل فى الأدوار الإعلامية المختلفة، حيث أزاحت الجريدة الصحفية دور الوسائل الفردية والخطب الجماهيرية، ثم جاءت الإذاعة المسموعة لتزيح قليلاً ما قبلها من وسائل إعلامية وصحفية وغيرها، وإن لم تأت عليها تماماً، ثم جاء جهاز الإرسال التليفزيونى منذ منتصف ثلاثينيات القرن العشرين ليؤثر بالصوت والصورة ويطغى على ما عداه، وها نحن الآن أمام تأثير طاغ للصورة التليفزيونية كوسيلة لنقل الخطاب الاعلامى والثقافى والسياسى بحيث جاز للبعض القول بأننا فى عصر "التليفزيون".
الثاني: كسر احتكار الدولة لوسائل الإعلام، وبصفة خاصة وسائل الإعلام المرئية "التليفزيون" خاصة خلال العقود الثلاثة الأخيرة ، فقد دخل القطاع الرأسمالي الخاص الى هذه السوق الضخمة، لينقل دون وسطاء (الدولة) رسالته وخطابه المباشر إلى الجماهير العريضة، وإذا كانت الصحف منذ بداياتها بنتاً شرعية للمشروعات الخاصة والأفراد سواء فى العالم الصناعى المتقدم (انجلترا – فرنسا – أمريكا .. إلخ) أو فى الدول المتخلفة (مصر – العراق .. إلخ) فإن التليفزيون تحديداً كان ابناً وحيداً للدولة،خاصة فى دول العالم النامى أو الدول الاشتراكية وفى مصر كذلك.
هذان التطوران، سرى مفعولهما على الحالة المصرية، كما فى غيرها من دول العالم ، ورويدا رويدا احتكرت الدولة لسنوات طويلة، أدوات التأثير على الرأى العام بالصورة (التليفزيون) وكذلك عبر الصحف المقروءة، فأثرت أيما تأثير على توجهات الناس وقيم الجمهور، وخلقت بالتالى بنية فكرية وثقافية تحتاج الى مزيد من الجهد لحلحلة مفاهيمها المحافظة والرجعية.
وعندما دخلت مصر عصر القطاع الخاص الإعلامى ، فى مجال الصحافة والبث التليفزيونى، كان الزمن قد تغير والبنية قد تشكلت والوجدان قد تصلب عند قيم الفردية وتفشى الأنانية وغيرها من القيم السلبية.
ثانياً: الحالة المصرية من إعلام التعبئة والشمولية.. إلى إعلام السوبرمان الأمريكى:
تميزت السياسة التى تحكم جهاز الإعلام المصرى المسموع منه أو المقروء أو المرئى ، منذ ثورة 23 يوليو عام 1952 وحتى عام 1974 بسمات معينة يمكن تقديم أبرز ملامحها على النحو التالى:
1 – أنها سياسة إعلامية تعبوية، تقوم على فكرة حشد الجماهير ككتل اجتماعية – لا حزبية- خلف المشروع القومى الناصرى بكل خصائصه الوطنية والقومية المعادية لإسرائيل والاستعمار الغربى، والدعوة الى وحدة الوطن العربى وتحرير بلدانه التى مازالت ترزح تحت نير الاستعمار مثل الجزائر والجنوب اليمنى وفلسطين وغيرها.
2 – إنها سياسة تركز على دور الرئيس / الزعيم التى تتجسد فيه روح الأمة وحكمتها، فتتحرك السياسة الإعلامية وفقاً لتصوراته ورؤيته، وتهتم بحركاته ومقابلاته، وهى بهذا المعنى تجسد فكرة " الإعلام الموجه "الخادم للرئيس / الزعيم.
3 – إنها سياسة إعلامية غير معنية بفكرة ومفهوم الرأي والرأى الآخر ، أى أنها غير معنية بمسألة الديمقراطية وحرية الرأى المعارض.
4 – إنها سياسة تتعامل مع جهاز الدولة ومع نفسها باعتبارها جزءا لا يتجزأ من جهاز الدولة الرسمى، والمعبرة عن سياسة الرئيس وحكومته، وليس عن الرأى العام واحتياجاته، تحت زعم وظن أن هناك تطابقاً بين سياسات الرئيس والزعيم وحكومته ومتطلبات الجماهير وأمانيهم.
جاءت رياح السبعينات مختلفة وعاتية، وظللت السياسات العامة فى مصر ثلاثة حقائق ومعطيات جديدة عكست نفسها مباشرة على السياسة الإعلامية وسقفها المفترض وهى:
- سياسة الانفتاح الاقتصادي الرأسمالي.
- سياسة الصلح مع إسرائيل وترك المنطقة العربية لافتراس اسرائيلى أمريكى مشترك.
- سياسة التحالف والتبعية المطلقة للولايات المتحدة ودول الخليج العربى والسعودية، باعتبارهم المملون الجدد للنظام والحكم فى مصر.
وباستثناء عدة شهور من تجربة الحوار السياسى بين أطراف التعدد الحزبى الجدد على شاشات التليفزيون المصرى وبقية وسائل الإعلام طوال شهور عام 1976 وحتى اندلاع أحداث يومى 18و19 يناير عام 1977، فقد ارتد الجهاز الاعلامى المصرى كله والخطاب السياسى إلى حالة الشمولية – دون تعبئة هذه المرة – فلم تعد هناك قضية وطنية أو قومية تشغل الخطاب السياسى الرسمي والحكومى المصرى، ولا خطابه الإعلامى بالتالى، وانخرط الإعلام المصرى فى الت

لا تعليقات على “مشكلات صناعة الإعلام المصرى*”

شاركنا بتعليقك الهادف

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create