مستقبل الديموقراطية والإصلاح السياسى والدستورى فى مصر*

لم تعد مسألة الإصلاح السياسى والدستورى فى مصر، مجرد خلافات أو صراعات بين جماعات النخب السياسية والفكرية فى البلاد، بقدر ما أصبحت نقطة تلاقى بين كافة القوى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من جهة، وبالمثل نقطة تقاطع بين مصالح القوى الدولية والإقليمية من جهة أخرى.
ذلك أن عملية الإصلاح السياسى والدستورى لم تعد مجرد مطالب تلح عليها وتصر قوى المعارضة السياسية فى مصر فحسب، بل أنها قد تعدت ذلك لتكون أحد أوراق "اللعب" على الساحة الدولية وفى يد قوى كالولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوربى ، خاصة بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر عام 2001.
وبرغم اختلاف وتيرة المطالبة وجدية وإصرار الفرقاء جميعا الراغبون فى الإصلاح والرافعين لشعاراته، فإن أحد منهم – بما فيهم قيادات حزب النظام والحكم فى مصر وهو الحزب "الوطنى الديموقراطى" – لا يستطيع أن يتجنب الحديث عنه، وعن ضروراته لمستقبل مصر والعالم العربى برمته.
صحيح أن كثيرون ممن يرفعون شعارات "الإصلاح" هو من أكثر المناوئين له، والمدركين لخطورة إجراءاته على مصالحهم ومستقبلهم ، ولكنهم على أية حال لا يجرأ ون بالجهر صراحة برفض الإصلاح فى البلاد، أو تحدى رغبة القوى الدولية الدافعة إليه والراغبة فيه ، حتى لو كان بمقاييس مصالحها المباشرة بصرف النظر عن طموحات شعوب المنطقة وآمالها.
ضرورات التمييز بين الإصلاح السياسى والإصلاح الدستورى
عادة ما يستخدم الناس تعبير الإصلاح السياسى والدستورى، كحزمة واحدة تعكس حالة من الشعور بدرجة التلازم بين المفهومين، بيد أن الخبراء من علماء السياسة والفقه الدستورى، عادة ما يميزون بين المفهومين، وإن كانوا لا ينكرون درجة الارتباط بينهما:
فالإصلاح الدستورى: يرمى إلى إحداث تغييرات ملموسة فى بعض – أو كل – الإطار الدستورى المنظم لعلاقات سلطات الدولة الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) بحيث تؤدى إلى إحداث توازن أفضل بين هذه السلطات، بما يضمن فاعلية أكبر لدورها ، ووقف تغول وتوغل السلطة التنفيذية على بقية سلطات الدولة، ويشمل الاصلاح الدستورى – بالضرورة – الوثيقة الدستورية الأساسية أو ما يطلق عليه "الدستور" وبعض القوانين المكملة للدستور، مثل قوانين مباشرة الحقوق السياسية، والانتخابات، والسلطة القضائية، ومجلس الشعب وغيرها.
ويؤدى إجراء إصلاح من هذا النوع، إلى إتاحة مجال أوسع من الحريات العامة والمشاركة السياسية من جانب القطاع الأكبر من المواطنين، خاصة إذا كانت نسب المشاركة فى الانتخابات العامة فى البلاد – وفقا للبيانات الرسمية – لا تتجاوز فى أحسن الأحوال 23%، بينما تؤكد المصادر المحايدة من جانب المراقبين والشواهد بأنها لا تزيد عن 7% إلى 10 % ممن لهم حق التصويت والانتخاب.
وتتركز عناصر الإصلاح الدستورى الأساسية للمطالبين به فى الآتى:
1- فتح مجال الترشح لشغل المناصب العامة بدءا من رئيس الجمهورية، مرورا بالمحافظين، وانتهاء برؤساء الأحياء والقرى والبلديات، للكافة إعمالا لمبدأ المساواة (م 40 من الدستور)، ووفقا لتكافؤ الفرص، وهنا تثار قضية المادتين الحاكمتين فى الدستور المصرى الراهن (دستور 1971) إلا وهما المادة (76 ) والمادة (77 ).
2- استقلال حقيقى للسلطتين التشريعية والقضائية، حتى يتحقق توازن حقيقى بين السلطات، بما يؤدى إلى وقف تغول وتوغل السلطة التنفيذية على بقية سلطات الدولة، وبما يؤدى فعليا وسياسيا إلى خلق حالة "الاستبداد السياسى" وصنع الفرعون أو الديكتاتور.
3- إصلاح القوانين المنظمة لممارسة الحقوق السياسية وفى مقدمتها النظام الانتخابى، بما يضمن شفافية ونزاهة حقيقية من خلال نظام مراقب عليه قضائيا – فى ظل استقلال حقيقى للقضاء – بدءا من نظم قيد الناخبين، مرورا بنظم التصويت وفرز الأصوات، انتهاء بإعلان النتائج، وكلها بعيدا عن سطوة وزارة الداخلية والشرطة.

أما الإصلاح السياسى:
فهى عملية أوسع نطاقا وأشمل مجالا، بحيث تصبح الإصلاحات الدستورية بمثابة روافع أو أحد آليات وأدوات عملية الإصلاح السياسى، والذى يشمل:
1- إطلاق حق تكوين الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية بمجرد توافر شروطها وإخطار الجهة الإدارية.
2- حق إصدار الصحف والمطبوعات.
3- حق تكوين النقابات أو الانسحاب منها دون تدخل الجهات الأمنية.
4- حق الإضراب والاعتصام والتظاهر السلمى.
5- غيرها من الحقوق الجماعية الخاصة بالحريات العامة والفردية.

تأثير عنصر الزمن فى عملية الإصلاح السياسى والدستورى
يكلف إبقاء أوضاع الاستبداد السياسى الراهن، وعدم الإسراع فى أجراء عملية الإصلاح المطلوبة المجتمع والدولة فى مصر نفقات باهظة، وتهدر فرص حقيقية للنمو الاقتصادى والاجتماعى.
فعلى سبيل المثال، يؤدى فرض حالة الطوارىء طوال الربع قرن الماضى (1981-2006 ) إلى نفقات مالية باهظة، حيث زادت مخصصات وتكاليف جهاز الأمن والدفاع من أقل من 8 مليارات جنيه عام 1981 إلى أكثر من 35 مليار جنيه فى العام المالى 2005/2006 – وذلك بخلاف المعونة العسكرية السنوية الأمريكية التى تتجاوز فى المتوسط 1.2 مليار دولار إلى 900 مليون دولار تعتبر من الديون الخارجية لمصر – ويرجع السبب فى هذه الزيادة فى تضاعف بند الأجور والمرتبات للعاملين فى أجهزة وزارتى الداخلية والدفاع بسبب ما يسمى (علاوة الطوارىء)، من ناحية، وزيادة أعداد العاملين فى وزارة الداخلي

لا تعليقات على “مستقبل الديموقراطية والإصلاح السياسى والدستورى فى مصر*”

شاركنا بتعليقك الهادف

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create