كيف نحل أزمة النظام التعليمى ؟

لا شك أن الحال الذى وصل إليه النظام التعليمى المصرى، قد بات خطرا حقيقيا على مستقبل هذه الأمة، ولا نبالغ إذا قلنا أنه خطر يهدد الأمن القومى المصرى بمضمونه الحضارى الشامل، وليس بمنظوره الأمنى المجرد، الذى جرى النظر من خلال ثقبه الضيق خلال فترة تولى الوزير الأسبق د. حسين كامل بهاء الدين.
فما هى ملامح تشخيص أزمة النظام التعليمى المصرى الراهن؟ ولماذا فشلت – وسوف تفشل – الجهود الحكومية الجارية حتى الآن فى حلها؟

أولا : التشخيص الصحيح .. وخطأ أساليب العلاج
سوف أتناول فى هذا المقال، التعليم قبل الجامعى فقط، على أن أعالج فى مقال تال أزمة النظام التعليمى الجامعى. وهنا تواجهنا عدة حقائق ومعطيات بشأن نظام التعليم قبل الجامعى، يمكن إبرازها فى العناصر الآتية:
1-أن أعداد الملتحقين بالتعليم قبل الجامعى فى مصر فى تزايد مستمر عاما بعد أخر، لأسباب عديدة بعضها اقتصادي وبعضها اجتماعى، كما أن التطورات التى حدثت فى المجتمع المصرى منذ ثورة يوليو عام 1952، قد أدت عمليا إلى زيادة الإقبال على التعليم حتى لدى الفتيات بالريف والمدينة، وهكذا زاد عدد الملتحقين بالتعليم قبل الجامعى من 3 مليون تلميذ وتلميذه عام 1957 إلى أن بلغ حوالى 17 مليون طالب وطالبة عام 2004/2005.
2-ويتوزع هذا العدد الكبير على عدد من المدارس يقل كثيرا عن الاحتياجات المطلوبة، حيث لا تزيد هذه المدارس على 41981 مدرسة ومعهد أزهرى، وبعدد فصول لا تزيد على 428.5 ألف فصل.
3-وقد أدى تواضع الاستثمارات فى مجال إنشاء المدارس الحكومية منذ عام 1967، وحتى زلزال أكتوبر عام 1992، إلى تآكل البنية التحتية للنظام التعليمى المصرى، وفتح ثغرة واسعة لنشأة المدارس الخاصة والاستثمارية ، التى زاد عددها من أقل من 500 مدرسة عام 1966 إلى ما يزيد حاليا عن 7 آلاف مدرسة خاصة واستثمارية، وبعضها يعتبر إمتداد لمدارس أجنبية، وقد أصبحت هذه المدارس الاستثمارية تستوعب ما يزيد قليلا على 1.3 مليون تلميذ وتلميذة.
4-وقد أدى هذا الواقع إلى بروز ظاهرة شديدة الخطورة ، إلا وهى حالة التكدس بالفصول حيث تصل هذه الكثافة فى المتوسط إلى 50 تلميذ / فصل ، وبلغت فى مدارس الضواحى والأحياء الفقيرة بالمدن المصرية – بما فيها القاهرة – حوالى 80 تلميذ لكل فصل، وفى المدارس الريفية تجاوز هذا المعدل فى كثير من الأحيان 100 تلميذ لكل فصل، مما أستحال معه إدارة عملية تعليمية صحيحة فى الفصول والمدارس الحكومية.
5-ومع تواضع أجور ومرتبات المدرسين، وتزامنها مع تنامى ظواهر ونتائج سفر الآباء وأولياء الأمور إلى دول الخليج والعمل فيها، تخلقت تيارات ضغط شديدة القسوة على الأطراف جميعا، وهو ما يمكن أن نطلق عليه "نظرية الأواني المستطرقة" فى مجال التعليم ، فتعرض الأبناء وأولياء أمورهم إلى عملية ابتزاز واسعة النطاق ، سواء من جانب المدرسين – وعددهم يزيد حاليا على مليون مدرس – أو الإدارات التعليمية من أجل " تعاطى الدروس الخصوصية " أو " مجموعات التقوية " ، مما ترتب عليها نتيجتان خطيرتان:
الأولى: أن قيمة القدوة والأستاذية قد سقطت إلى الأبد ، ومعها سقطت حصون الدفاع الأولى لقيم الأجيال الجديدة.
الثانية: نشأة نظام تعليمى موازى وغير رسمى، أو ما نطلق عليه "السوق السوداء التعليمية"، ويقوم النظام الرسمى كمجرد خيال مآته، من أجل خدمة النظام "غيرالرسمى" وغير القانونى.
6-وبتداعى الأحداث، وبقوة الأمر الواقع ، وبدلا من البحث عن حلول حقيقية لتلك المأساة المتزايدة، انصاعت الدولة ومسئوليها لحقائق القوة الجديدة، فصمتت عن المخالفات، ثم وبعد فترة دخلت الدولة وسياساتها فى مزاد "الابتزاز" المتبادل للطلبة وأولياء أمورهم من خلال أربعة إجراءات هى:
الأول: إتباع نظام التبرعات الإجبارية وإلزام أولياء الأمور على ذلك .
الثانى: الإقرار بنظام "مجموعات التقوية" والتوسع فيه داخل المدارس الحكومية ذاتها.
الثالث: الصمت عن مراكز الدروس الخصوصية وإعلاناتها فى الشوارع وفى كل المدن المصرية، بل ومشاركة الحزب الحاكم وأعضاء مجلس الشعب منه فى افتتاح مثل هذه المراكز، ومن بعدها نزول الدولة لإجراء محاسبة ضريبية عن تلك الأنشطة.
الرابع: ثم أخيرا الإقرار بفكرة بناء ما يسمى "المدارس المتميزة " أسوة بالرغيف المحسن أو الرغيف " الطباقى " ، أو الأتوبيس السياحى ، والأتوبيس المميز .. الخ تلك التعبيرات الهجينة ، وقد تبنت الدولة ورئيس وزرائها السابق د. عاطف عبيد تلك السياسة تحت عنوان خادع وهو " المدارس التعاونية " لتعلن بذلك الدولة عن إفلاسها السياسى والاجتماعى فى إدارة شئون المجتمع .
1-وبرغم الدفعة الجديدة التى حصلت عليها الاستثمارات فى مجال التعليم بعد كارثة زلزال أكتوبر عام 1992 ، وما أدى إليه من انكشاف قدم وتهالك المدارس الحكومية (حيث تبين أن 35% من المدارس لم تكن صالحة للاستخدام أصلا)، وبناء حوالى 11 ألف مدرسة جديدة خلال الفترة ( 1992- 2004) فقد ظل التفاوت كبيرا بين معدلات نمو الالتحاق بالمدارس، ومعدلات نمو عدد المدارس والفصول ، مما أبقى عمليا على الوضع دون تغيير جوهرى.
2-وزاد الأمر سوءا عناد الوزير الأسبق وإصراره غير المبرر على إتباع نظام "اليوم الكامل" فى ظل عجز فاضح فى عدد المدارس والفصول المتاحة.

ثانيا: الفجوة التمويلية .. وفقة الأولويات
زاد عدد العاملين فى وزارة التربية والتعليم والمديريات التابعة لها بالمحافظات
طوال الثلاثين عاما الماضية زيادة كبيرة، من أجل الموائمة مع الزيادة الكبيرة فى أعداد الملتحقين بسلك التعليم، فبلغ عدد العاملين فى ذلك القطاع بحلول عام 2004 حوالى 1.7 مليون موظف، منهم حوالى مليون مدرس والإدارة المدرسية ، والباقى عبارة عن عمالة إدارية فى مختلف الوظائف الإدارية بديوان عام الوزارة والمديريات التعليمية بالمحافظات، ومن بين هؤلاء جميعا يوجد حوالى 400 ألف عامل خدمات معاونة (سعاة).
وبالمقابل زادت المخصصات المالية الواردة فى موازنة الدولة لوزارة التربية والتعليم من حوالى 2296 مليون جنية عام 90/1991 إلى أن تجاوزت 10668 مليون جنية عام 99/2000 ثم بحلول عام 2005/2006 كان المبلغ قد وصل إلى حوالى 16 مليار جنية.
وبرغم هذه الزيادة الملحوظة فى مخصصات وزارة التربية والتعليم ، فقد ظل مستوى الأداء التعليمى بالمدارس الحكومية دون المستوى المأمول، والأخطر هو بقاء نفس الظواهر والأمراض التى تعانى منها النظم التعليمية المصرية وأبرزها التكدس فى الفصول وانتشار سرطان الدروس الخصوصية . إذن أين موطن الداء ؟ وكيف يمكن تجاوز هذا الواقع المر ؟
الحقيقة أن تحليل هذا المخصص المالى سوف يكشف عن جوهر الاختلالات الهيكلية التى يعانى منها النظام التعليمى الحكومى الراهن والذى يمكن تحديده على مستويين هما:
-المستوى الأول: مدى فاعلية النفقات العامة فى تحقيق الأهداف المرجوة .
-المستوى الثانى: نمط أوليات توزيع هذه المخصصات.
فإذا تأملنا فى شكل وأساليب توزيع هذه المخصصات المالية الممنوحة لوزارة التربية والتعليم ومديريات التعليم بالمحافظات، وبقية الهيئات التابعة للوزارة – مثل هيئة الأبنية التعليمية – فسوف نكتشف عدم كفاءة هذه النفقات، وليس عدم كفايتها، وكذا تشوه نطاق استخدامها، حيث تواجهنا الحقائق العنيدة التالية:
1- أن حوالى 82% إلى 85% فى المتوسط من هذه الاعتمادات المالية تذهب إلى بند " الأجور والمرتبات والمكافآت "، ويظل الجزء اليسير مخصص للاستثمارات الجديدة، سواء فى بناء مدارس جديدة أو صيانة المدارس القائمة منذ عقود، كما لا يوجه لنفقات العملية الجارية سوى أقل القليل، خاصة إذا علمنا أن طباعة الكتاب المدرسى تتكلف حوالى 1.2 مليار جنية سنويا، بما يؤدى عمليا إلى غياب عناصر هامة فى العملية التعليمية، مثا الإنفاق على الأنشطة والمهارات وغيرها.
2- وبرغم التحسن الظاهرى فى مخصصات الباب الأول (الأجور والمرتبات ومكافآت نهاية العام) من عام إلى أخر، حيث زادت اعتمادات "مكافآت الامتحانات " من أقل من 450 مليون جنية عام 91/1992 إلى أكثر من 5.7 مليار جنية فى موازنة العام المالى 2005/2006 ، فان هذا الوضع لم ينعكس إيجابا على أداء المدرسين ويخفف من غلواء نزوعهم نحو تعاطى جريمة الدروس الخصوصية ، ذلك أن متوسط ما يتقاضاه المدرس شهريا ظل عند مستواه المتدنى – من 250 إلى 500 جنيها – وهو مبلغ من المستحيل تصور العيش به طوال الشهر ، وبرغم زيادة مكافآت الامتحانات التى يتقاضاها المدرسون فى نهاية العام الدراسى من أجر 140 يوما عام 90/1991 إلى أن بلغت حوالى 220 يوما فى العام 2005/2006 ، أى بمعدل ألفين إلى ثلاثة آلاف جنية سنويا ، فان المدرس المصرى لا يستطيع أن يؤجل نفقاته اليومية لحين تقاضى هذا المبلغ المجمع فى نهاية العام ، لذا فأن الصحيح هو توزيع هذا المتوسط السنوى على شهور العام ، وهو ما سيؤدى إلى رفع متوسط ما يتقاضاه المدرس شهريا من 250 جنيها أو 500 جنيها فى الوقت الحالى إلى 450 جنيها إلى 750 جنيها .وهذه خطوة فى الاتجاه الصحيح مع خطوات أخرى سنذكرها بعد قليل .
3- كما أن توزيع " مكافآت الامتحانات " دون تمييز بين أعمال التدريس – التى هى مناط عمل الوزارة – وبقية الأعمال الإدارية بالوزارة ومديرياتها ، يؤدى إلى ظلم بين للمدرسين ، وهو ما يتطلب وضع " كادر وظيفى " خاص بالمدرسين أسوة بكادر الشرطة والمخابرات العام وضباط القوات المسلحة ، فهؤلاء أكثر حيوية للأمن القومى لوجود الدولة من غيرهم .
4- ومع استمرار تواضع المخصصات المالية للباب الثالث ( الاستثمارات ) فى قطاع التعليم قبل الجامعى ، واللجوء إلى بدعة " المدارس التعاونية " لأبناء القادرين ، وانتشار المدارس الاستثمارية والمدارس الأجنبية ، فان حال التكدس وكثافة الفصول بالمدارس الحكومية سوف تستمر ، مما يؤدى قطعا إلى تدهور الأداء التعليمى الرسمى وانتعاش سوق الدروس الخصوصية ، حتى لو دفعنا للمدرس عدة آلاف مـن الجنيهات شهريا ، فإصلاح البنية التحتية لعملية التعليم أساس كل أصلاح.
5- لدينا مصدر إضافى لتمويل العملية التعليمية فى مصر – هذا إذا خلصت النوايا وجرت سياسات جادة لوقف نزيف الفساد – والمتمثل فى المخصصات المالية لبنود " الدعاية والإعلان والنشر " ، والتى بلغت كما ذكرنا فى مقال سابق حوالى 256 مليون جنية فى عام 2005/2006 وحده ، ويتجاوز مجموعها منذ تولى السيد حسنى مبارك حكم هذا البلد عام 1981 حوالى 2550 مليون جنية، بددت فى شراء صمت بعض الصحف والصحفيين المرتبطين بالدولة، وكذا فى إعلانات التعازى أو التهنئة للسادة المسئولين ، ويمكن وقف هذا المخصص المالى نهائيا وتوجيهه إلى دعم الاستثمارات فى التعليم وبناء مدارس وفصول جديدة، مما سينعكس فورا فى خفض معـدل الكثافة بالفصول الذى هو أساس كل بلاء فى النظام التعليمى الحكومى والخاص .
6- نعود إلى "أم المشاكل" فى النظام التعليمى الحكومى وهو أجور ومرتبات المدرسين، وفى هذا الصدد لدينا تصور ينسجم مع بقية رؤيتنا ل

لا تعليقات على “كيف نحل أزمة النظام التعليمى ؟”

شاركنا بتعليقك الهادف

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create