فى أصل المسألة الكردية .. ومستقبلها رد على "رجائى فايد"*

شغلتنى منذ فترة ليست بالقصيرة ، المسألة الكردية فى كل تجلياتها ومراحلها المختلفة، ففيها نموذج نادرا ما يتكرر من حالات الالتباس والغموض، أفخاخ الصيادين من كل حدب وصوب.
وكان لإجتهادات الصديق الكاتب الصحفى والباحث المجتهد "رجائى فايد" وتخصصه فى هذا المجال عونا كبيرا فى سبر أغوار بعض طلاسم هذه المأساة الإنسانية والدراما "القومية" .
وقد أصدر "رجائى فايد" عدة كتب حول المسألة الكردية ، أهدانى أحدثها وهو كتاب بعنوان " أكراد العراق .. الطموح بين الممكن والمستحيل " الصادر منذ عدة شهور قليلة عن دار الحرية.
وفى نفس الوقت نظم الصديق د. رفعت سيد أحمد ندوة حوارية ضيقة بمركز يافا للدراسات، دعا إليها عدد محدود من الخبراء والباحثين لمناقشة أفكار "رجائى فاي " فى ضوء دراسته الميدانية التى أجراها بين عدد من الطلبة الجامعيين بمنطقة كردستان العراق للتعرف على اتجاهاتهم ور}يتهم لمستقبل هذا الإقليم الذى يشكل دون أدنى مبالغة "لغم هائل" فى بنية التركيبة الجيو – إستراتيجية للإقليم العربى كله، بل فى الجوار الجيو – سياسى للشرق الأوسط ، بع لغم " إسرائيل ".
أذن نحن إزاء جهد علمى منظم يقوم به الزميل " رجائى فايد " لعرض وتحليل المشكلة الكردية على القراء العرب لكسب تعاطفهم تجاة المسألة الكردية تارة ، أو توسيع مداركهم بأبعاد تلك المسألة تارة أخرى ، وهو ما يتطلب التفاعل مع هذا الجهد المحمود من ناحية والتعاطى مع هذه المسألة بما تستحقه من خطورة على المستقبل العربى من ناحية أخرى .
فإذا تأملنا هذه القضية التى أصبحت تمس صميم وجودنا القومى ، لأننا ينبغى التعامل معها من منظور متعدد المستويات وفقا لمستويات تحليلية تاريخية وسياسية وإنسانية .. الخ ، وهنا نجدنا إزاء أوضاع وحقائق متناقضة ومحيرة نعرضها على النحو التالى :
المستوى الأول: فى حقيقة القومية الكردية .. وحلم الدولة الكردية
نعم .. نحن إزاء حالة كردية متميزة عن القومية العربية، ولكننا بالمطلق لسنا أمام قومية كردية مكتملة، عبرت عن نفسها فى وحدة الجماعات والقبائل الكردية، وتاريخ المسألة الكردية حافل بصرا عات القبائل الكردية ضد بعضها البعض بأكثر من صراعها مع الحركة القومية البعثية فى سوريا أو العراق، أو ضد القومية التركية أو الفارسية ، وبرغم المزاعم الكردية حول الاضطهاد القومى الذى تعرضوا له على يد قادة الدول القومية المجاورة ، فان التاريخ الوسيط والحديث حافل بمرارات الدم والثأر المتبادل بين القبائل والجماعات الكردية وبعضها البعض ، ليس أخرها استنجاد "مسعود برزانى" وقبيلته "الحزب الديموقراطى الكردستانى" بدبابات البعث وصدام حسين أواخر عام 1992 ضد قبيلة "جلال طالبانى" وحزبه – الاتحاد الوطنى الكردستانى المتعاون مع إيران – وكليهما قد استنجدا بعد ذلك بالمخابرات الأمريكية و ال C.I.A من أجل "عملية توفير الراحة" وتقاضيهم أموال فى عين الشمس لقلب نظام الحكم فى بغداد تحت ما سمى أمريكيا " قانون تحرير العراق".
كما يشير التاريخ القريب، إلى الاتفاق الذى أجراه كل من مسعود برزانى وجلال طالبانى مع الجيش التركى فى منتصف التسعينات ضد القبيلة الكردية الأخرى المسماة "حزب العمال الكردستانى" فى تركيا، فشاركا بقواتهما الجيش التركى فى تصفية وقتل المئات من أنصار رفيقيهما الكردى فى تركيا، والرابض فى جبال شمال العراق، حفاظا على مصالحهما ، ولم يقيما أى اعتبار للقضية " القومية " الكردية وعذابات أشقائهم أكراد تركيا ..!!
وفى التاريخ القريب هناك عشرات الوقائع والأحداث التى تثبت الخيانات المتبادلة بين هذه الجماعات الكردية فى مناطق الحدود المتاخمة للدول الخمس ، ومنها تأمر كثير من هذه القبائل الكردية الإيرانية ضد ما يسمى "جمهورية مهاباد" عام 1946 التى كان يتزعمها "القاضى محمد"، وهو ما جرى مرة أخرى ضد حركة "الشيخ رشيد كولان "الكردية المدعومة من إيران ، والتى قمعتها قوا " مصطفى البرزانى "عام 1959، بل وإقدام مصطفى البرزانى على إعدام زعيم عشيرة "الزيبارى" المنافسة له عام 1959 وعام 1960.
وهنا نكتشف درجة من الازدواجية فى تناول الكاتب "رجائى فايد" فهو عندما يشير إلى تأمر بعض هذه القبائل الكردية وانضمامها إلى الجيش الإيرانى أو الجيش التركى، أو حتى الجيش العراقى ضد القبائل الكردية الانفصالية يصفها "بالخيانة"، أما عندما تقدم القبائل الكردية واجب الضيافة والكرم "لمصطفى البرزانى" وجماعته أثناء هروبه العظيم – كما يسميه الكاتب – فى اتجاه الاتحاد السوفيتى بعد أنهيار جمهورية "مهاباد" الانفصالية فى إيران يصفها بأنها " واجب قومى " ؟!
أذن نحن إزاء رؤية كاتب منحاز بالمطلق لجماعة معينة ، هى جماعة " مسعود برزانى " يتبنى مقولاتها ومغالطتها التاريخية .
المستوى الثانى : فى جوهر التحالفات الكردية .. ومخاطرها
تاريخ الحركات الانفصالية الكردية، هو تاريخ التحالفات المتقلبة والمتناقضة، التى تحكمه فقط حسابات المصالح النفعية المجردة، والبعيدة تماما عن أية مبادىء فى السياسة أو العقائد، فبعضهم يتحالف مع شاة إيران العميل تاريخيا للأستعمار الأمريكى، ضد نظام الحكم فى العراق، وبعضهم الأخر يتحالف مع العراق ضد إيران وتركيا، وبعضهم الثالث يتحالف مع الأحزاب المتصارعة على الساحة العراقية ضد بعضهم البعض – س
واء كان مع البعث أو حكم عبد الكريم قاسم أو مع الحزب الشيوعى العراقى، وبعضهم حتى تحالف مع نظام صدام حسين ضد فريق أو قبيلة كردية أخرى، أو مع سوريا ضد هؤلاء وأولئك.
والخطير منذ مطلع التسعينات هو تحالف هذه القبائل الكردية مع أجهزة الاستخبارات الأمريكية عيانا بيانا وعلى مرأى ومسمع من كاميرات التلفاز وأجهزة الإعلام العالمية ، فنحن فى عصر تحولت فيها الخيانة الوطنية والعمالة المباشرة لأجهزة الاستخبارات المعادية إلى وجهة نظر .. هل تتصوروا مجرد وجهة نظر …!!
أنه تاريخ حافل من الانتهازية السياسية التى دفعت بالورقة الكردية فى النهاية إلى أيدى ألد أعداء العرب والمسلمين ، إلا وهم بريطانيا والولايات المتحدة وأخيرا إسرائيل.
ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة الشاذة فى التاريخ الاجتماعى للأمم والجماعات العرقية ، إلا فى إطار ما تقدمه مدارس التحليل السياسى والاجتماعى للظواهر السياسية، والتى يمكننا أن نرجعها إلى الأسباب والجذور التالية:
الأول: عدم تبلور الحركة القومية الكردية، بعيدا عن الأطر القبائلية التى تحكم المجتمعات والجماعات ما قبل القومية ، فنحن أمام ظاهرة لم تتبلور قوميا بعد ، ولسنا بالتالى بصدد حالة قومية.
الثانى: وداخل هذا الإطار الاجتماعى يمكن تفسير تقلب التحالفات السياسية للقوى والجماعات الكردية العراقية ، فى ضوء فهم وضع العراق الجيو- استراتيجى فى صراعات الإقليم ككل وتوازناته القلقة (تركيا – إيران – إسرائيل)، ثم أضيف إلى ذلك صراعات أجنحة حزب البعث فى سوريا والعراق ، والتى زادت من الأبعاد الإقليمية والحزبية ، وساهمت فى إضعاف العراق ومهدت التربة لما نراه ونشهده حاليا من انقسام وتفتيت.
الثالث: أن الحركة القومية العربية بدورها – بجناحيها الناصرى والبعثى – قد أدارت علاقاتها ببقية المكونات العرقية والأثنية فى الإقليم العربى بصورة استبدادية، فدفعت ببعض التيارات والجماعات العرقية والأثنية إلى التحالف مع الشيطان هنا وهناك من أجل بعض حقوقها المشروعة.
والخطير فى الأمر الآن ، أن الحركات الكردية فى شمال العراق قد أصبحت – بعد سقوط النظام فى بغداد فى التاسع من إبريل عام 2003 والإضعاف الممنهج للسلطة المركزية فى العاصمة العراقية – بمثابة اللاعب الرئيسى فى صياغة مستقبل العراق "الكونفيدرالى" وليس الفيدرالى، وبالتالى فنحن إزاء كارثة تقسيم وتفتيت ربما تزيد عن كارثة احتلال فلسطين عام 1948.
ويزيد من بشاعة الصورة، أن هذه الحركات الكردية الانفصالية ذات الطبيعة القبائلية والعشائرية ، تتحرك فى أحضان تحالف مع أكبر حملة استعمارية تشهدها المنطقة العربية منذ أكثر من مائتى عام ، ومن ثم فإن غرس بذور التناحر القومى بين العرب والأكراد ، قد يؤدى إلى كوارث مستقبلية ، سوف يتضرر منها العرب بقدر ما سيعانى من ويلاتها الأكراد إن عاجلا أو آجلا .
والسؤال .. كيف نتجاوز هذا المأزق الراهن ، وإنقاذ العراق من شبح التقسيم والتفتيت الذى تحركه جماعات كردية غير مسئوله فى شمال العراق ، وتدفع به أسرائي والولايات المتحدة والسياسات الإيرانية والأحزاب الشيعية الطائفية المتحالفة معها فى جنوب العراق ؟
هذا ما سنحاول الإجابة عليه فى الأسبوع القادم .

لا تعليقات على “فى أصل المسألة الكردية .. ومستقبلها رد على "رجائى فايد"*”

شاركنا بتعليقك الهادف

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create