جدل الداخل والخارج فى النضال الديموقراطى فى مصر*

تثير مسألة علاقة الخارج بالداخل فى النضال الديموقراطى عموما، مشكلات عديدة، سواء على الصعيد النظرى والسياسى، أو على الصعيد الأخلاقى. وتزداد صعوبة وتعقيدات الموضوع، حينما يكون هذا الخارج مجروحا فى شرفه السياسى، ومشكوكا فى أغراضه وأهدافه ونواياه. كما يؤدى غياب وانقطاع التراث النضالى والخبرة العملية والسياسية للكثيرين من الشباب حديثى العمل بقضايا التغيير السلمى فى المجتمعات، إلى صعوبات يطغى فيها البعد الأخلاقى المجرد على المعطيات السياسية ومتطلباتها.
وتواجه المناضلين المصريين – من كافة التيارات والفصائل المعارضة – هذه المعضلة فى نضالهم القاسى وغير المتوازن فى القوى بينهم وبين النظام، من أجل التغيير السلمى لهذا النظام الذى أوصل البلاد إلى حافة الانهيار على كافة الأصعدة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل وحتى الأخلاقية.
وقد انقسم الشارع السياسى المصرى والرأى العام المتابع – أو المتفرج بالمعنى الأدق – بتياراته المختلفة بين ثلاثة تيارات هى:
الأول: وهو الأكثر أتساعا، حيث يرفض تماما فكرة التحالف مع الخارج أو التعاون معه من أجل ممارسة الضغوط على النظام السياسى الراهن من أجل إجراء إصلاحات حقيقية وذات معنى، أو حتى تغيير بعض قواعد اللعبة السياسية الاستبدادية القائمة منذ يوليو عام 1952، ويستند هذا التيار فى موقفه هذا، إلى بعدين، أحداهما يرتبط "بميراث عرفى" للحركة الوطنية المصرية القديمة التى نظرت دائما إلى الأجنبى باعتباره مستعمرا وله أجندته الخاصة، ويجد هذا الميراث العرفى خبرته فى ذلك الشرخ الذى حدث فى الحركة الوطنية المصرية بعد حادث 4 فبراير عام 1942، حينما قبل "النحاس باشا" وحزب الوفد تشكيل الوزارة بطلب من السفير البريطانى وتحت حراب القوات البريطانية التى أهانت الملك – رمز السيادة فى الدولة فى ذلك الحين – وحاصرت قصره وهددت بإزاحته عن العرش. أما البعد الثانى فهو يستمد تأثيره من تجربة العراق "الجديد" الذى دمرته القوات الأمريكية والبريطانية بدعوى تغيير النظام الاستبدادى وجاءت فى صحبتها بمجموعات من السياسيين العراقيين الموجودين فى المنافى والمرتبط معظمهم بأجهزة الاستخبارات الأجنبية من كل نوع وصنف ، فأغرقوا العراق فى حمامات دم استمرت طوال ثلاث سنوات من "التحرير" ومازالت والمؤكد أنها ستستمر لسنوات طويلة قادمة.
الثانى: تيار أقل اتساعا، يرى أنه وإن كان لا يجوز التحالف مع الشيطان (الخارج) ضد إبليس (النظام المصرى والأنظمة العربية عموما)، فإنه ينبغى الاستفادة من التناقضات القائمة بين الطرفين، سواء كان بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربى من جهة، والنظام العسكرى الحاكم فى مصر من جهة أخرى، أو بين منظمات المجتمع المدنى فى العالم والنظام الحاكم فى مصر من أجل التخلص من هذا النظام وتقديم رموزه وقياداته إلى المحاكمات المحلية أو الدولية.
الثالث: تيار من الأقلية، يرى أنه لا غضاضة فى التعاون مع كافة دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربى من أجل التخلص من هذا النظام العسكرى الاستبدادى الذى ينزلق بسرعة كبيرة فى السنوات القليلة الماضية إلى نظام "بلطجة" بالمعنى الحرفى للكلمة بعيدا عن مفاهيم السياسة وعلومها، وينطلق هؤلاء من حقيقة أن هذا النظام قد أستسلم منذ سنوات بعيدة للولايات المتحدة وإسرائيل، بحيث يستحيل عليه المزايدة على غيره عند التعاون بين قوى المعارضة والولايات المتحدة أو غيرها من الدول الأوربية للتخلص منه، ومن ثم فان التعاون مع الخارج لا يندرج فى خانة "الخيانة العظمى" لأن هذا النظام تحديدا مجروح فى وطنيته ومشكوك فى ذمته المالية والأخلاقية، وبالتالى فإنه لم يعد يعبر بأى حال عن المطالب والأمانى الوطنية. وتحت هذا قبل هؤلاء مقابلة "كوندليزا رايس" أثناء زياراتها المتكررة إلى المنطقة ومصر ومن قبلها وزير الخارجية الأمريكى السابق "كولن باول".
والآن .. ما هو الموقف الصحيح وسط هذا التيه السياسى؟
إذا استعنا بالسوابق التاريخية، وفى مواقف مشابهه، تحمل من الالتباس والغموض ما يستدعى إعادة فك وتركيب الصورة، فان من أشهر وأبرز تلك السوابق التاريخية حالة "فلاديمير إليتش لينين" قائد الثورة البلشفية فى روسيا عام 1917، حينما أعتلى الرجل قطارا عسكريا ألمانيا، وهى فى حالة حرب ضد بلاده روسيا، من أجل الوصول إلى العاصمة "بطروسبرغ" مركز التمرد والثورة البلشفية، والغريب فى الأمر أنه – بمقاييس ومعايير الوطنية المجردة – فان الرجل قد ارتكب فعل "الخيانة العظمى" بكل حذافيره .. !!
والأدهى والأمر أن "لينين" كان يعتلى هذا القطار الألمانى من أجل الذهاب إلى روسيا لقيادة ثورة اجتماعية فى بلد فى حالة حرب ن ويكاد يعلن هزيمته فى تلك الحرب، وهكذا يبدو بالمعايير البسيطة والمجردة فان "لينين" ذلك القائد والمفكر التاريخى للثورات الاشتراكية فى العالم كان مجرد " خائن " ..!!
والسؤال .. هل يجوز هذا الحكم على هذا القائد البارز؟
الإجابة بالقطع كلا.
إذن ما هى المعايير الصحيحة فى الحكم على مثل هذا الموقف ؟
وما هى الأسس الفكرية لتعاملنا مع جدل الخارج والداخل فى كفاحنا الديموقراطى الراهن ؟
الحقيقة أن المعايير السياسية والفكرية التى ننطلق منها فى وضع جدل الخارج والداخل تنبع من القيم التالية:
1-

لا تعليقات على “جدل الداخل والخارج فى النضال الديموقراطى فى مصر*”

شاركنا بتعليقك الهادف

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create