المحمول .. وسنينه ..وسرداب جديد للفساد*

وسط زفة إعلامية ، وإعلانية خرج علينا رئيس الوزراء الدكتور أحمد نظيف وشلته (طارق كامل ويوسف بطرس غالى ومحمود محيى الدين) يوم الثلاثاء الماضى (4/7/2006 ) يزفون إلى الشعب المصرى خبر الانتصار الساحق الماحق الذى تحقق بإرساء مناقصة ومزايدة " إقامة الشبكة الثالثة للمحمول" على التكتل أو "الكونسرتيوم" الذى تقوده المؤسسة الإماراتية للاتصالات (اتصالات)، ويضم فى عضويته هيئة البريد المصرية ، والبنك الأهلى المصرى، والبنك التجارى الدولى C.I. B ، واستبعاد سيعة أو ثمانى تكتلات أخرى، كان من بينها تكتل أو "كونسرتيوم" تقوده الشركة المصرية للاتصالات Egypt telecom .
وكان منطق الانتصار والتباهى الذى بدا واضحا على ملامح وجوه المسئولين المصريين ورنات صوتهم ينطلق من الإدعاءات التالية:
1- أنهم قد نجحوا فى رفع قيمة المزايدة لتصل إلى 2.9 مليار دولار – أى ما يعادل 16.7 مليار جنية مصرى – ثمنا للرخصة ، وأن هذا المبلغ سوف يدخل إلى خزينة الدولة مما يخفف عن الأعباء الملقاة على عاتقها .
2- وأن الشفافية كانت أساسية وحاكمة فى إدارة عمليات المزايدة على هذه الشبكة.
3- وأنهم أخيرا – ودون أن يصرحوا بهذا علنا – قد تخلصوا من " العار " الذى لحق بهم والشكوك والظنون التى صاحبتهم بعد فضيحة عام 2002 ، حينما وقف نفس الأشخاص تقريبا ليعلنوا على الملأ ويقنعوا رئيس الجمهورية الذى ليس لديه أى خبرة ، أن الشبكة الثالثة للمحمول غير ذات جدوى اقتصادية وأن من شأن إقامتها أن تؤدى إلى استنزاف موارد الشركة المصرية للاتصالات صاحبة الترخيص وقتئذ بمبلغ 1.4 مليار جنية ، وبالتالى فإن السوق المصرى للاتصالات لا يستوعب وجود شبكة ثالثة للمحمول ..!! .
وبصرف النظر عن أن إدعاءتهم كانت كاذبة ووراءها رائحة فساد مالى طال أشخاصهم ومن ورائهم من أبناء أحد كبار المسئولين جدا ، وهو ما كشفته عبر عدة مقالات قمت بنشرها فى جريدتى " العربى الناصرى " و " الكرامة " و " الأهرام العربى " ، وعرضت الأمر ذاته فى عدة ندوات حضرها لفيف من المتخصصين فى عالم الاتصالات والمعلومات ، من خلال " الجمعية العلمية لمهندسى الاتصالات " ، وقدمت خلالها بلاغات إلى " النائم العام " أطالبه فيها بفتح تحقيق معى أو معهم حول هذه الفضيحة وإدعاءتهم الكاذبة وقتئذ ، فإن الغريب والمدهش أن أحدا لم يجرء على أن يرد على وعلى مزاعمي وإتهاماتى لهم بالفساد والتواطوء مع شركتى المحمول العاملتين فى السوق المصرى بشكل إحتكارى.
والآن .. بعد هذه الزفة الكبرى وعلامات الانتصار البادية على ملامح وجوههم التعيسة ما هى الحقيقة فى كل هذا ؟ وما هى أبعاد المصيبة المحدقة فى سوق الاتصالات المصرى ؟ وبالمواطنين ؟ وبالشركة المصرية للاتصالات ذاتها ؟
دعونا نتناول كل واحدة من انتصاراتهم الكاذبة بشىء من التفصيل:
أولا: أكذوبة الخزانة العامة ..!!
صحيح أن رخصة التشغيل للشبكة الثالثة للمحمول قد تجاوزت التوقعات التى كانت سائدة لدى الجمهور ولدى المتخصصين على حد سواء ، حيث بلغت 2.9 مليار جنية (اى حوالى 16.7 مليار جنية مصرى)، وقد حاول رجال السحر والشعوذة الجدد إيهام الرأى العام بأن هذا المبلغ هو بمثابة استثمار جديد سوف يدخل إلى شرايين الاقتصاد المصرى، وأن الشركة الإماراتية قد ضخت أموالا إضافية بسبب الثقة فى مناخ الاستثمار المصرى !!
بيد أن هذا لم يكن حقيقيا على الإطلاق .. كيف؟
الحقيقة أن من سيتولى تمويل ثمن رخصة الشبكة الثالثة هذه وبقية تكاليف التشغيل من إقامة محطات التقوية وغيرها هو مجموعة الشركاء أعضاء هذا التحالف وبنفس نسبة مشاركتهم وهم:
1-المؤسسة الإماراتية للاتصالات (اتصالات ) بنسبة 66%.
2-هيئة البريد المصرية – وهى هيئة حكومية مصرية – بنسبة 20%.
3-البنك الأهلى المصرى – وهو بنك حكومى مصرى – بنسبة 10%.
4-البنـك التجارى الدولى – وهو بنك مملوك إلى البنك الأهلى المصرى – بنسبة 4%.
إذا فأن 34% من حصة التمويل هى من جهات حكومية مصرية وليست استثمارا جديدا وافدا من الخارج ، هذه واحدة، وإذا عرفنا أن هيئة البريد المصرية تمتلك حتى مايو 2005 حوالى 31.6 مليار جنية فى صورة مدخرات للأفراد والعائلات المصريين، وكانت تقوم بإقراض جانب كبير من هذه المدخرات إلى بنك الاستثمار القومى وغيره من الوسطاء الماليين ، وأن البنك الأهلى المصرى – وشقيقه السرى البنك التجارى الدولى – سيقومان بدورهما بتمويل جزء كبير من هذه الصفقة عبر توفير القروض والمشاركة فى رأس المال ، بما يعنى أننا إزاء عملية نقل أصول مالية من اليد اليسرى للحكومة (هيئة البريد والبنكين)، إلى اليد اليمنى للحكومة ، خاصة إذا علمنا أن "مؤسسة الإمارات للاتصالات (اتصالات)" التى أنشئت عام 1976 ، وأتسع نطاق نشاطها بشكل غريب فى دول غرب وشرق أفريقيا والسعودية وبعض دول الخليج بمساعدة هيئات استشارية أمريكية ، لا يتجاوز رأسمالها فى 30/9/2005 حوالى 3630 مليون درهم إماراتى (أى ما يعادل 5685.3 مليون جنية مصرى)، وأن حجم استثماراتها فى ذلك التاريخ لم تزد على 3471.8 مليون درهم (أى ما يعادل 5437.5 مليون جنية مصرى)، بما يؤكد أنها سوف تأتى بحصتها الكبيرة فى هذه الشبكة الثالثة من خلال الحصول على القروض والائتمان المصرفى ، سواء من البنوك العربية أو المصرية، وغالبا سيكون من الأسهل الحصول عليها من البنوك المصرية التى انتشر فيها الفساد والمجاملة وعرف عنها تدخل كبار المسئولين وبعض أبنائهم وأطفالهم للتوصية لمنح ا
لقروض إلى بعض الشخصيات سواء من باب المجاملة أو من مدخل العمولات والرشى، وهو ما أدى لإهدار أكثر من 40 مليار جنية على هذه البنوك وهروب الكثيرين من كبار المقترضين خلال السنوات القليلة الماضية.
هذا هو الوجه الأول للخديعة الكبرى ، أما الوجه الثانى فيتمثل فى المخاطر الحقيقية المحدقة بهذه القروض والمساهمات الخاصة بالبنوك المصرية لعدة أسباب جوهرية هى:
الأول: أن شـركتى المحمول القائمتين فى مصر منذ عام 1998 (موبينيل وفودافون) قد نجحتا فى العام الماضى وحده فى إغراق السوق المصرى لإتصالات المحمول تماما ، بحيث زاد عدد مشتركيهما فجاءة من 6.5 مليون مشترك فى ديسمبر عام 2004 إلى 13.5 مليون مشترك فى ديسمبر من عام 2005 ، وذلك بهدف سد الطريق على الشبكة الثالثة للمحمول المزمع إنشاءها ، وبعد أن نجحت عام 2002 فى رشوة كبار المسئولين فى قطاع الاتصالات والمعلومات ، فتركوا لهما السوق والمواطنين لقمة سائغة دون حسيب أو رقيب مما رفع معدل أرباحهما بصورة هائلة فحققتــا حوالى 6.5 مليار جنية صافى أرباح خلال السنوات الأربعة (2002 -2005) .
الثانى: ولأن الشركة الثالثة للمحمول تواجه أوضاع جديدة فى السوق المصرى ، فأن الفرصة الوحيدة المتاحة لها للتواجد فى هذا السوق تتمثل فى تقديم أسعار أقل من الأسعار الجشعة لشركتى المحمول القائمتين حاليا (50 قرشا للدقيقة فى الخط السحرى و 150 قرشا للدقيقة فى الخط العادى)، علاوة على إضافة خدمات جديدة ، وذلك حتى تضمن قطاع جديد من السكان فى ظل مستوى المعيشة ومستوى التضخم الراهن، وهذا الحجم من الزبائن الجدد لن يزيد عن مليون مشترك جديد سنويا ولمدة ثلاثة إلى خمسة سنوات، أو سحب جزء من مشتركي الشركتين القائمتين بمعدل لن يزيد عن نصف مليون مشترك ، وهذا يعنى أن يظل مستوى إيرادات الشركة الجديدة دون مستوى نفقاتها لمدة لن تقل عن ثلاث سنوات قادمة ، سيكون فيه الوضع المالى للشركة تحقيق خسائر كبيرة، أى خسائر لهيئة البريد المصرية وللبنكين التجاريين المصريين، وباختصار خسائر لأصحاب الودائع المصريين.
الثالث: وبافتراض ثبات مستوى الأسعار الباهظة لشركتى المحمول (موبينيل وفودافون) على حالهما لمدة السنوات الثلاثة القادمة – وهى مسألة مشكوك فيها – فإن الشركة الجديدة لن تستطيع تحقيق التوازن المالى بين تكاليف تشغيلها ومستوى إيراداتها إلا بعد مرور ثلاث سنوات إلى خمسة على الأقل ، أما إذا تحالفت الشركتين من أجل تخفيض أسعار خدماتهما فان خسائر الشركة الجديدة سوف تستمر لسنوات أطول .
الرابع: حالة التشبع الموجودة فى السوق المصرى للاتصالات قد تحققت بعد عملية الإغراق الذى مارسته شركتى المحمول طوال عام 2005 ، كما سبق وأشرنا ، ومن غير المتوقع أن ينمو عدد مشتركى هذا السوق خلال السنوات القادمة سوى بأقل من 10% سنويا ، لقد نجح تحالف الفساد الذى جرى عام 2002 فى حرمان المواطنين المصرين من فرصة التمتع بخدمة المحمول بأسعار معقولة منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا.

ثانيا: مخاطر محدقة بصرح الشركة المصرية للاتصالات
لم يكن ما جرى من إرساء المزايدة على التحالف الذى تقوده الإماراتية للاتصالات، وخسارة التحالف الذى تقوده المصرية للاتصالات، سوى المسمار قبل الأخير فى نعش هذه الشركة الحكومية العملاقة التى يجرى تحطيمها بشكل ممنهج منذ أن جاءوا "ببشير عقيل" من أحدى الدكاكين الخاصة لقيادة هذا الصرح الحكومى العملاق.
فالصفقة بشكلها الحالى سوف تعود بالأضرار على الشركة المصرية وعلى المواطنين الذين أسرعوا فى مارس الماضى بشراء أسهم تلك الشركة فى أول طرح لنسبة 20% من أسهم الشركة ، والتى أدت إلى قفزة فى سعر شراء السهم من أقل من 15 جنيها إلى أن تجاوز فى الساعات الأولى للطرح 35 جنيها ، ثم وبعد أن انجلى غبار الوهم أخذ فى الانخفاض، حتى جاءته الضربة الجديدة ليصل إلى نحو 10 جنيهات للسهم مما يمثل خسارة فادحة لحملة الأسهم، والأخطر فى هذا هو المستقبل المحيط بالشركة خاصة فى ظل قيادة هذا الرجل وإهداره لموارد الشركة وتصرفه فيها وكأنها عزبة خاصة ورثها عن أجداده، حيث المخصصات المالية الهائلة التى يحصل عليها والتى تقدر وفقا لأقرب المقربين لهذه الجماعة الضيقة المحيطة به حوالى 300 ألف جنيها شهريا ، ونفقات بدل الاجتماعات والفنادق الفخمة التى تتولى تقديم الغداء والمشروبات أثناء اجتماعات مجلس الإدارة وكأنهم يديرون جنرال موتورز أو بنك أمريكي وليس شركة حكومية فى دولة معرضة للإفلاس المالى والانهيار الإقتصادى.
فهذه الشركة تتعرض لعملية تحطيم "ممنهجة" من أجل دفعها ودفع الرأى العام المصرى للقبول بفكرة "خصخصتها" وبيعها للأجانب الذين يتربصون بها منذ سنوات طويلة ، ولعل أحد هذه العمليات الممنهجة هو خلق مشاعر من الكراهية من جانب الرأى العام تجاة السلوك الاحتكارى الذى تمارسه إدارة الشركة منذ سنوات والمبالغة فى رفع أسعار خدماتها بصورة مستمرة ودورية حتى أصبح هناك فعلا رفض من جانب الرأى العام والمتعاملين مع هذه الشركة العريقة – وعددهم يزيد عن 20 مليون متعامل ومشترك – لسلوك هذه الشركة ، مما أوقع البعض بحسن نية فى فخاخ الصيادين ، فارتفعت الأصوات وبعضهم وطنيون مخلصون إلى التخلص من الطابع الاحتكارى لهذه الشركة والقبول بفكرة دخول الأجانب على سوق الهاتف الثابت أسوة بما جرى فى سوق الهاتف المحمول ..!!
وإذا ما حدث هذا – لا قدر الله – فأن عقدة الاتصالات الأرضية الضخمة وشبكاتها الهائلة التى بنيت على
مدى 150 عاما ستكون قد وقعت فى أيدى غير معلومة ، فنصبح أشبه بالعراة تماما ، مكشوفين كمجتمع ، وكدولة ، وكأفراد فى حجرات نومنا أمام أجهزة التجسس الإستخبارية العالمية ، فمشروع " أشلون " أو الآذان العالية الأمريكى يتجسس على كل اتصالات العالم وكذلك جهاز الاستخبارات البريطانى M.I.6 ، وكلها تتم عبر وسيلتين أساسيتين هما:
-شبكات الاتصالات الأرضية والمحمول.
-الأقمار الصناعية و من بينها القمر الإماراتى "الثريا".
والمؤكد فى تحليلى أن " الإماراتية للاتصالات " ومن وراءها من كبار أمراء ومشايخ الخليج ، يدركون أن فرص تحقيق أرباح كبيرة من الشبكة الثالثة للمحمول فى مصر، هى فرص متواضعة لسنوات خمس قادمة، لذا فان التصور الأقرب إلى المنطق والعقل هو نظرتهم إلى مستقبل "الشركة المصرية للاتصالات" والوعود التى قد تكون قد قطعت لهم بحصة معتبرة من كعكة المصرية حين يأتى أوان تصفيتها وتمزيقها أربا وبيعها ، وهذا ربما سر إصرار " الإماراتية " على رفع قيمة عروضها فى المزاد من أجل الدخول إلى السوق المصرى.
أما حكاية الخزانة العامة التى ستمتلىء بالأموال القادمة من هذه المزايدة فهى أكذوبة كبرى تنطلي على بعض البسطاء من المواطنين وبعض غير المتخصصين، تماما كما فعلوا فى موضوع مشروعات BOOT شهورا طويلة، فإذا بها تتحول إلى ثقب واسع فى مواردنا المالية وميزان المدفوعات المصرى، مما حدا رئيس الجمهورية علنا فى لقاء صحفى وفى حضور رئيس وزراءه – طباخ السم كله – د.عاطف عبيد إلى التأكيد على ضرورة إعادة النظر فى موضوع BOOT ، وبعدها مات هذا النظام بالسكتة القلبية برغم تحذيرنا منه على صفحات جريدة العالم اليوم منذ عام 1999.
دعونا أيها الناس، أصحاب المصالح غير المشروعة نتوقف عن الأكاذيب وترويج الدعاية السوداء، وتحلوا ولو مرة واحدة بالأمانة والجدية عند مناقشة قضايانا الاقتصادية والوطنية، فمصر على وشك الغرق إن لم تكن قد غرقت فعلا.

لا تعليقات على “المحمول .. وسنينه ..وسرداب جديد للفساد*”

شاركنا بتعليقك الهادف

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create