الفصل الثاني: مصر و سوء الإدارة السياسية

أبعاد المسئولية السياسية لجريمة
غرق العبارة السلام 98*

تابعت بالكثير من الحزن والأسى، مأساة المصريين الفقراء فى عبارة الموت "السلام 98 " التى غرقت بركابها ، فى فبراير من هذا العام (2006)، فلم ينج منها سوى أربعمائة راكب ، بينما ضاع فى أعماق البحر الأحمر ما يزيد على الألف إنسان، معظمهم من النساء والأطفال الذين لم يجدوا من يقدم لهم يد المساعدة والعون.
صحيح أنها لم تكن المرة الأولى – فقد سبقها أكثر من ثمانى حالات غرق مماثلة تقريبا – وكذلك لن تكون الأخيرة ليس بسبب تفشى حالات الإهمال والتسيب فى أداء العمل فى مصر فحسب، بل من جراء تدخل السياسة فى توفير غطاء ومن حصانة سياسية لبعض ذوى المال والنفوذ.
وقد أدهشنى فى كل المتابعات الإعلامية – الفضائية منها أو الصحفية – وأخرها برنامج تحقيقات صحفية فى أحدى القنوات الفضائية المصرية ، تكرار الحديث حول المسئولية السياسية للحكومة أو وزير النقل المختص لهذه المأساة ، ومن ثم الإصرار على المطالبة بإستقالة الحكومة أو على الأقل الوزير التى تقع فى دائرته عمليات النقل البحرى.
هكذا تكرر الطلب والإصرار طوال المناقشة التى دارت بين ضيوف الصحفى الذى يتولى رئاسة تحرير أحدى الصحف الخاصة، دون أن ينتبه أحد إلى التوقف عند الأبعاد السياسية والقانونية لتلك الجريمة، سواء من حيث المضمون السياسى، أو مناط المسئولية السياسية النظرية أو الفعلية، وتحول المشهد كله إلى نوع من الصراخ الهستيرى ، أو الديماجوجيا السياسية.
ومن هنا وجدت من المناسب أن نتوقف بالشرح والتحليل القانونى للأبعاد السياسية الفعلية – وليس الافتراضية أو النظرية كما يحدث فى بعض الدول الغربية – لهذه الجريمة المتكاملة الأركان ، حتى ينتقل الحوار والنقاش فى المجتمع المصرى وبين النخبة الثقافية والسياسية المصرية ، إلى مستوى من الموضوعية والجدية ، ومحاولة التمييز بين المسئولية الجنائية لحادث غرق العبارة بركابها ، وطبيعة ومناط المسئولية السياسية لها .

نطاق ومناط المسئولية الجنائية لحادث غرق العبارة السلام 98 :

على الأثر – وكما يحدث عادة فى كل مصيبة أو حادثة فى مصر يشوبها الإهمال وتلتبس بشبهة فساد – تشكلت لجان تحقيق جنائية من وكلاء النائب العام المصرى ، علاوة بالطبع على لجان فنية متخصصة فى النقل البحرى ، للتعرف على أسباب الكارثة التى راح ضحيتها ما يزيد عن ألف إنسان مصرى وعربى ، وعادة ما تدور جوانب التحقيق الجنائى والفنى حول موضوعات من قبيل :
1- مدى السلامة الفنية للعبارة ، من حيث القدرات الميكانيكية والملاحية .
2- مدى سلامة الحمولة ومطابقتها للمعايير القياسية للأوزان المقبولة .
3- مدى سلامة إجراءات السلامة المتبعة داخل السفينة وكفايتها لمواجهة الحوادث المتوقعة مثل الحريق والغرق .. الخ .
4- ما هى الجهات التى منحت السفينة ترخيص الإبحار ، والجهات التى تولت التفتيش عليها وسمحت لها بالرحلة .
5- لماذا اندلع الحريق فى باطن السفينة وما مدى صحة تصرفات طاقم السفينة فى مكافحة الحريق والمسئولية الفردية والجماعية لأعضاء الطاقم فى هذا .
6- مدى استكمال أدوات الإنقاذ من قوارب وقمصان وغيرها .
7- مدى سلامة تصرفات ربان السفينة والطاقم أثناء ظهور بوادر للخطر .
8- مدى سلامة إجراءات الإنقاذ أو الترقب والرصد من جانب ميناء الوصول (سفاجا) خاصة بعد تأخر السفينة عدة ساعات عن موعد وصولها المتوقع.
9- مدى سلامة إجراءات وتوقيت خروج فرق الإنقاذ البحرية المدنية أو العسكرية لمواجهة الموقف حينما ظهرت الكارثة .
هذه هى عينة من التساؤلات ومحاور التحقيق والبحث الذى سيدور من لجان التحقيق الجنائية والفنية ، فما هو مناط المسئولية السياسية التى يتحدث عنها المطالبون بإقالة الحكومة كلها ، أو وزير النقل المختص ؟

الإهمال .. والنفوذ السياسي وتعارض المصالح الخاصة مع المصلحة العامة :
لاشك أن الإهمال والتسيب، وتدهور قيم الإجادة فى العمل وغياب الرغبة فى التطوير والتحسين ، قد باتت سمة مميزة للمصريين منذ سنوات طويلة ، خاصة بعد أن أنتهى أعظم إنجازاتهم الحديثة أثناء حرب أكتوبر عام 1973 ، بهزيمة سياسية أتى بها السادات وأسلوبه فى التفاوض كما يعرف الجميع فحقق بها لإسرائيل ما لم تحققه بعد انتصارها العسكرى الساحق فى يونيو عام 1967.
ويرجع خبراء علم الاجتماع وعلوم السياسة أسباب هذه الظاهرة المحزنة فى حياتنا إلى عوامل عدة، منها عدم كفاية الأجور والمرتبات التى يتقاضاها المصريون العاملون فى مصر لتلبية احتياجاتهم المعيشية المتزايدة، وما ترتب عليه من صراع وحشي بينهم على التكسب بأية وسيلة، حتى لو كانت على حساب المصلحة العامة (المدرسون أو أعضاء مجلسى الشعب والشورى مثلا .. الخ)، ومنها كذلك غياب مشروع قومى يجمعهم ويشدهم فى ملحمة تحدى، وقد يكون بسبب غياب القدوة فى القيادة ، وغياب الإحساس بالخطر والتحدى، كل هذا قد يكون صحيحا فى فهم الظاهرة المدمرة التى يعيشها المصريون منذ عام 1974 وحتى يومنا.
بيد أن هذا الإهمال الذى نتحدث عنه هو وليد الإحباط وغياب الأمل فى المستقبل ، بعكس الحال فى الإهمال الذى هو مولود تحقيق المنافع الشخصية ، وتقاضى الثمن عن التغاضى عن تنفيذ شروط السلامة وتطبيق صحيح القانون نصا وروحا ، خاصة إذا تدثر هذا الإهمال بغطاء من الحصانة والنفوذ السياسى الذى تخلعه عليه أعلى سلطة س

لا تعليقات على “الفصل الثاني: مصر و سوء الإدارة السياسية”

شاركنا بتعليقك الهادف

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create