الفصل الثالث صراعات الإقليم .. وتدهور مركز مصر فيه

أولا :العدوان الإسرائيلى على لبنان .. والمواقف المشبوهه

حدود النصر أو الهزيمة فى معركة لبنان الراهنة*

منذ أن بدأ العدوان العسكرى الاسرائيلى على لبنان فى الثانى عشر من يوليو الماضى، وهناك تصريحات وأحاديث متكررة حول "النصر" أو "الهزيمة" بين جماهير العالم العربى والإسلامى.
وقد تحدث قائد المقاومة العربية واللبنانية التاريخى "السيد حسن نصر الله" حول أبعاد ونتائج وتداعيات هذه المعركة التاريخية، على مصير ومستقبل المنطقة العربية وشعوبها، انطلاقا من مقولات النصر أو الهزيمة.
كما تبارى عدد من الكتاب والمفكرين العرب، فى الفضائيات الناطقة بالعربية فى تحليل أبعاد ونتائج هذه الجولة المصيرية من الصراع العربى / الصهيونى. ولكن اللافت للنظر أن أيا من هؤلاء الكتاب والمحللين لم يتوقف بالشرح والتحليل عند مفهوم "النصر" أو حدود "الهزيمة" بالتطبيق على الأهداف السياسية لتلك الحرب العدوانية الجديدة .
فمتى يمكن القول أن المقاومة اللبنانية وحزب الله ، قد حقق نصرا كاملا ، أو نصرا جزئيا ؟ ومتى يمكن القول أننا بصدد هزيمة – لا قدر الله – لهذه المقاومة الباسلة؟

الأهداف السياسية للحرب
لأن الحرب هى ممارسة للسياسة بوسائل أخرى – كما أستقر الفكر العسكرى والاستراتيجي – فان تحقيق إنجاز ميدانى، كبر شأنه أو صغر، يتوقف عليه مدى استثماره فى تحقيق هدف سياسى معين، فعلى سبيل المثال، برغم الإنجاز العسكرى المصرى فى الأسبوع الأول من حرب أكتوبر عام 1973، فان الأهداف السياسية للحرب لم تتحقق بصورة تتناسب مع الأداء العسكرى المصرى والسورى، والذى لا ينتقص منه كثيرا الاختراق العسكرى الذى قامت به إسرائيل فى الأسبوع الثانى من الحرب، سواء على الجبهة المصرية (ثغرة الدفراسوار) أو على الجبهة السورية والوصول إلى قرية (سعسع) على بعد ثلاثين ميلا من العاصمة "دمشق"، لقد كانت الأهداف السياسية لحرب أكتوبر تتمثل فى:
1- كسر نظرية الأمن الاسرائيلى القائمة على فكرة الحدود الآمنة.
2- تحريك الموقف السياسى الساكن ، وإنهاء حالة اللا حرب واللا سلم والوصول إلى أعتاب تسوية سياسية عادلة للصراع العربى / الصهيونى.
فإذا بنا بعد نهاية الحرب ندخل إلى سراديب "هنرى كيسنجر"، وينتهى الأمر بعزل مصر عن محيطها العربى، وبداية تفكيك التحالف العربى الذى بدا أثناء الحرب وبلوغ ذروته فى دعم دول النفط العربية لجبهات القتال ، وذلك بخفض نسبة من تصدير النفط ورفع أسعاره وهو ما كان له نتائج وتداعيات كبيرة .
المهم .. أن تحقيق الأهداف السياسية للقتال هو الذى يحدد حالة "النصر" أو حالة "الهزيمة"، وفى الجولة الجديدة للصراع على الساحة اللبنانية الإسرائيلية والفلسطينية، فان الهدف السياسى للعدوان الإسرائيلي يتحدد فى الآتي:
1- تدمير البنية العسكرية "لحزب الله"، وهو ما من شأنه إحداث تداعيات فى التركيبه السياسية الداخلية للبنان، تسمح بدفع الأطراف اللبنانية المتعاونة مع إسرائيل والولايات المتحدة والسعودية فى التجرؤ على "حزب الله" وتقليم أظافره ودوره السياسى فى المعادلة اللبنانية.
2- تأمين الحدود الشمالية الإسرائيلية، سواء بوجود عناصر الجيش اللبنانى على الحدود، أو بوجود قوات دولية بما يعنى توريط المجتمع الدولى كله و"الناتو" خصوصا فى تأمين تلك الحدود الإسرائيلية.
3- إذا لم يكن الحد الأقصى للأهداف الإسرائيلية متاحا، فيمكن القبول بهدف الحد الأدنى وهو تراجع مقاتلى "حزب الله" إلى ما وراء نهر الليطانى، مع نشر قوات دولية ، وهو ما يعنى تحقيق هزيمة سياسية للحزب، تؤدى أيضا إلى تشجيع بقية الأطراف اللبنانية المناوئة للحزب على محاولة استكمال مهمة تقليم أظافر الحزب السياسية والعسكرية، وبمعاونة أطراف إقليمية متواطئة مثل النظام السعودى والمصرى والأردنى.
4- ومن شأن ذلك –فى حده الأقصى أو الأدنى– استكمال حصار سوريا وعزلها إقليميا، وإضعاف الدول الإيرانى فى الإقليم، تمهيدا لعمليات مباشرة تتم مستقبلا ضد هاتين الدولتين.
5- كما أن تحقيق هذه الأهداف الإسرائيلية ضد "حزب الله" سيؤدى لا محالة إلى كسر شوكة المقاومة البطولية الفلسطينية فى غزة والضفة الغربية، وكذا شوكة عرب 1948.
6- ثم أخيرا وبتداعيات النتائج فإن استعادة الجنديين الإسرائيليين الأسيرين تؤدى إلى رد الاعتبار المعنوى لجيش الدفاع الإسرائيلي.
أما الأهداف السياسية للحرب، التى توقعتها قيادات المقاومة اللبنانية وحزب الله بعد عملية أسر الجنديين فهى كالتالى:
أولا: كسر أنف وغطرسة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بإجبارها على إجراء عملية تبادل واسعة للأسرى، ودفعها إلى إتباع نمط للعمليات الحربية تناسب نمط قتال قوات المقاومة اللبنانية.
ثانيا: كسر أحد ركائز نظرية الأمن الإسرائيلى المستندة على فكرة نقل مسرح العمليات إلى أراضى الخصم، وذلك من خلال قيام حزب الله بعمليات قصف صاروخية تطال معظم المدن والمستعمرات الإسرائيلية فى شمال فلسطين المحتلة، وإجبارهم على اللجوء إلى الملاجىء فى حرب استنزاف لا يستطيع العدو الصهيونى احتمالها اقتصاديا أو سياسيا أو حتى نفسيا.
ثالثا: تخفيف الضغوط عن كاهل المقاومة الفلسطينية الباسلة التى استفردت بها إسرائيل منذ 28 سبتمبر من عام 2000، وزاد من وطأتها فى الشهور
القليلة الماضية بعد نجاح "حماس" فى تشكيل الحكومة ورفضها لأسس التسوية التى قادتها حركة "فتح" ووصلت بالقضية الفلسطينية إلى طريق مسدود .
رابعا: ستؤدى المواجهة العسكرية الراهنة بين إسرائيل والمقاومة اللبنانية، إلى إحداث حالة اصطفاف وطنى لبنانى جديد ، خاصة بعد أن وصل "الحوار الوطنى" الداخلى إلى تبلور قوى لبنانية معادية للمقاومة ولسلاح "حزب الله " بسفور مدعومة من قوى دولية وإقليمية متعددة، وبرغم عدم التقدير الدقيق لحجم الهجمة الوحشية الإسرائيلية للبنية التحتيه اللبنانية، واستهدافهم للمدنيين فى بيروت وبقية المدن والقرى اللبنانية ، فإن هدف الاصطفاف الوطنى وعزل الأصوات العميلة لإسرائيل والولايات المتحدة داخل الساحة اللبنانية من أمثال (أمين الجميل وسمير جعجع وسعد الحريرى ..الخ ) قد حدث إلى حد كبير.
أذن .. وبعد مرور أكثر من أسبوعين على العدوان الإسرائيلى، والمقاومة البطولية الباسلة لمقاتلى "حزب الله" كيف يمكن تقييم الموقف الاستراتيجي والتكتيكى على المستويين السياسى والعسكرى؟ وكيف يمكن تصور احتمالات (أو سيناريوهات) المستقبل ؟

انتصارات تكتيكية للمقاومة

ما بين الأهداف الاستراتيجية فى الحرب لكل طرف من الأطراف، وأداءه التكتيكى تقع المسافة بين احتمالات النصر أو الهزيمة، وحتى اليوم (27/7) نستطع أن نقول بأن "حزب الله" ومقاتليه قد نجح فى تحقيق أكثر من انتصار تكتيكى بامتياز:
فهو أولا: قد نجح فى إجبار العدو الإسرائيلى على تغيير أساليب قتاله المعروفة، ونزل إلى مستوى الأداء الكلاسيكى النمطى، فمن المعروف أن التكتيك العسكرى الإسرائيلى يعتمد أساليب قتال المدرسة العسكرية الألمانية القائمة على عمليات التمهيد النيرانى المكثف (الجوى والبرى والبحرى)، ثم إجراء عمليات الاختراق بالعمق باستخدام سلاح المدرعات، وبالتالى أحداث حالة من الارتباك فى صفوف القوات المعادية، وفى الأثناء تجرى عمليات الالتفاف والتطويق، يتم على أثرها تدمير القوات العربية المعادية ومحاصرة مراكز قياداته وتدميرها، وقد تلجأ القوات الإسرائيلية لتحقيق ذلك إلى عمليات الإبرار الجوى أو البحرى الواسعة لعزل القوات المعادية لها، هذا هو تاريخ الأداء التكيكى للعسكرية الإسرائيلية منذ عام 1948 وحتى الأمس القريب، بيد أن سير العمليات الراهن يشير إلى انقلاب إجبارى قد حدث فى ذلك التراث العسكرى الإسرائيلى ، حيث الاعتماد الآن على إستراتيجية القضمات المتتابعة أو ما يسمى "الخرشوفة" التى صاغها أحد خبراء الاستراتيجية العسكرية البريطانيين (ليدل هارت)، وقد أثبت الأسبوعين الماضيين فشلا إسرائيليا ذريعا فى إنجازها، خاصة فى المثلث الحدودى اللبنانى (مارون الراس – عيترون – بنت جبيل) وتكبد خلالها لواء النخبة الإسرائيلى (لواء الجولانى) خسائر فادحة، وفقا لخط سير العمليات هذا ، فإن قدرة إسرائيل العسكرية المجردة – ناهيك عن الأبعاد المتعلقة بتأثير ضرب مدن ومستعمرات شمال فلسطين وحتى حيفا – فى تحقيق إنجاز عسكرى تصبح محل شك كبير.
ثانيا: وإذا كان نجاح حزب الله فى استمرار قصفاته الصاروخية على ثلث شمال فلسطين المحتلة هو بحد ذاته نجاحا تكتيكيا ، برغم كل الطلعات الجوية الإسرائيلية وسيادتها المطلقة على الأجواء اللبنانية، فأن نجاحه التكتيكى الأكبر هو فى قدرته على الحفاظ على تماسك مراكز قيادته ووسائل اتصاله وسيطرته الميدانية على وحداته برغم التقطيع الإجرامى الذى حدث من جراء القصف الجوى الإسرائيلى لكافة الجسور والطرق وشبكات الاتصالات الهاتفية وغير الهاتفية، واستمرار وحداته المقاتلة فى الحرب بصورة غير مسبوقة فى تاريخ الصراع العربى – الصهيونى، ناهيك عن مفاجأته للعدو بتدمير البارجة (ساهر 5)، أو إسقاط عدة طائرات مروحية من طراز أباتشى.
ثالثا: أنعكس النجاح العملياتى لحزب الله على مستوى تعبئة الرأى العام العربى والعالمى، فأستمر التراكم الشعبى فى خلق وعى معادى لإسرائيل ككيان عنصرى وحشى وإجرامى، وهو تراكم أدى فعليا خلال الخمس عشرة عاما الماضية، ومنذ انتفاضة الحجارة عام 1987 إلى نزع الغطاء "الأخلاقى" عن الدولة العبرية لدى قطاعات واسعة من الرأى العام الأوربى والأمريكى وفى العالم الثالث، ناهيك عن تأثيره فى إعادة الاعتبار لوعى وذاكرة الشعوب العربية فى دول استسلمت فيها أنظمتها الحاكمة لإسرائيل منذ سنوات بعيدة (مصر – الأردن – موريتانيا ودول الخليج) باعتبار إسرائيل عدو تاريخى لا يجوز التصالح أو إقامة علاقات من أى نوع معه.
رابعا: أنعكس أيضا النجاح العملياتى لحزب الله فى تعديل الخطاب العربى الرسمى المهادن ، خاصة لدى الأنظمة الحاكمة فى السعودية ومصر وغيرهما، حيث بدأت السياسة السعودية تتحدث عن أفكار جديدة تؤجل بمقتضاها الحديث حول نزع سلاح حزب الله واعتماد مطلبى الحزب والمقاومة اللبنانية فى (وقف إطلاق نار فورى وتبادل الأسرى) فى صلب خطابهم السياسى، مع تضمين هذا الخطاب المراوغ بعض المطالب الأمريكية والإسرائيلية تحت شعار "بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها" أو القبول بفكرة وجود قوات دولية على الحدود مع تحفظ بعضها – مثل مصر – على وجود قوات من "الناتو" ..!!
والآن .. فى ضوء تلك المعطيات الجديدة ما هى احتمالات وسيناريوهات المستقبل؟

السيناريوهات الخطرة:

برغم هذه النجاحات التكتيكية البا
لغة الأهمية التى حققها مقاتلو حزب الله فى الأسبوعين الماضيين، فإن حالة الحصار الإقليمى والتآمر الدولى من الضخامة بحيث ينبغى الاحتراس من أن تنجح السياسة والدبلوماسية فى تحقيق ما لم تحققه القوة العسكرية الغاشمة لإسرائيل، تماما كما حدث فى أعقاب حرب أكتوبر عام 1973 مع الرئيس السابق "أنور السادات"، وبالتالى فنحن إزاء ثلاثة إحتمالات (سيناريوهات) يتوقف حدوث أيا منها على مجريات الصراع العسكرى والميدانى على الأرض من جهة، وعلى تحركات بعض الأطراف الدولية (الولايات المتحدة وفرنسا تحديدا) واستخدامهما لبعض الأنظمة العربية التى احترفت السمسرة السياسية منذ فترة طويلة مثلما الحال فى مصر والمملكة السعودية.

السيناريو الأول:
إذا ما استمر النهج العسكرى الإسرائيلى الراهن – القائم على تكتيك القضمات المتتابعة أو الخرشوفة – فان الصراع العسكرى مرشح للاستمرار لفترة طويلة نسبيا، وهو ما يحمل احتمالات متناقضة وأفق سياسى غير مضمون:
فمن ناحية يسمح ذلك لإسرائيل وعبر القصف والتدمير الهمجى لكل المدن والقرى اللبنانية بزيادة أصوات النظم العربية والإقليمية التى تطالب بضرورة "إيجاد حل" على شاكلة الحل السعودى الذى يتقنع بدموع التماسيح وادعاء الحرص على لبنان وشعبه، ومضمون هذا الحل الإقليمى – المدعوم أمريكيا وإسرائيليا – هو وقف إطلاق النار مع الموافقة على وجود قوات دولية على الحدود، وتراجع قوات حزب الله، ودون أن يتجرءوا على المطالبة بنزع سلاح الحزب.
ولكن هذا السيناريو أيضا له تأثيرات سلبية داخلية على إسرائيل والائتلاف الحاكم فيها، ذلك أن استمرار "حرب استنزاف" من هذا النوع سيؤثر أيضا على سكان شمال فلسطين المحتلة، كما أنه سيطرح درجة من الشكوك فى قدرات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على إنجاز المهمة التى حددتها لنفسها أمام المواطنين، أو أمام الولايات المتحدة، إلا وهى تدمير البنية العسكرية لحزب الله، تمهيدا للاستثمار السياسى داخل لبنان يسمح بتقليم أظافره فى التركيبه السياسية اللبنانية.
ومن ناحية أخرى، فإن معدل الخسائر المرتفعة بين صفوف القوات الإسرائيلية غير مسبوق، بحيث سيؤثر سلبا وبصورة خطيرة على تآكل الروح المعنوية لهذا الجيش الذى هو عماد الدولة العبرية وركيزة وجودها، وهو أيضا فوق طاقة احتمالها. وبالتالى فإن استمرار العمل العسكرى بهذا النهج، الذى فرضته تكتيكات المقاومة اللبنانية، لا يحمل احتمالا حقيقيا بأى مكسب سياسى جوهرى، خاصة إذا صمد الداخل اللبنانى ورفض حزب الله أى اقتراح أو خطة "عربية" مدعومة أمريكيا وإسرائيليا من أجل إنزال قوات دولية على الحدود اللبنانية، حتى لو قبلت بهذا حكومة مشكوك فى شرفها كحكومة فؤاد السنيورة وحلفائه.
هذا الاحتمال (أو السيناريو) برغم خسائره البشرية والمادية على الشعب اللبنانى، إلا أنـه يمثل خسارة استراتيجية لإسرائيل، وانتصارا لنهج المقاومة ووجودها ومستقبلها.
السيناريو الثانى:
وبناء على نتائج الأسبوعين الماضيين ونمط العمليات الجارى، فإنه من المتصور أن تغير إسرائيل نهجها العملياتى وتعود إلى أسس عقيدتها العسكرية التكتيكية بكل ما يتضمنه من مخاطر بعيدة المدى، أى القيام بعمليات اجتياح واسعة فى الجنوب اللبنانى وبعمق 20 إلى 40 كيلو متر، مصحوبة بعمليات إنزال بحرى على تخوم مدينة "صور" أو "جنوب صيدا" من أجل المراهنة على مقايضة سياسية بالانسحاب من هذه الأراضى اللبنانية المحتلة مقابل وجود قوات دولية رادعة أو قوات من "الناتو" على الحدود بين البلدين، ومن الجانب اللبنانى طبعا، مع المطالبة – اللفظية – بنزع سلاح حزب الله كمحاولة إسرائيلية لإخفاء الفشل العسكرى فى تحقيق هذا الهدف.
ونظرا إلى أن هذا التغيير فى التكتيك العسكرى الإسرائيلى، لا يضمن تدمير خلايا حزب الله فى الجنوب اللبنانى والبقاع، فإن محاولة تجنب الخسائر الإسرائيلية التى ستحدث بسبب حرب العصابات البارعة التى سيقوم بها مقاتلى حزب الله ضد هذه القوات الإسرائيلية ، يمكن أن تدفع إسرائيل إلى قبول الخروج من الجنوب سريعا مقابل تقديم بعض التنازلات لحكومة لبنان قد تشمل:
-عملية تبادل محدودة للأسرى.
-خروج من مزارع شبعا المحتلة، أو بعض قطاعاته.
وذلك كمحاولة لتعزيز فرص الوجود السياسى لأطراف لبنانية داخلية على استعداد لقبول هكذا صفقة من أجل تقليم أظافر حزب الله سياسيا، مع إمكانية نشر وحدات من الجيش اللبنانى على الحدود بالتعاون أو بالتجاور مع القوات الدولية.

السيناريو الثالث :
توسيع نطاق الحرب .. والهروب إلى الأمام
وفى ظل عدم نجاح السيناريوهان السابقان فى تحقيق نتائج سياسية تقترب بإسرائيل وأمريكا من الأهداف الاستراتيجية لتلك الحرب، فإن إندفاع إسرائيل –كعادتها– بالهروب إلى الأمام عبر توسيع نطاق عملياتها الجوية لتطال بعض المواقع السورية على الحدود اللبنانية السورية، أو حتى داخل العاصمة "دمشق" بهدف دفع العالم كله إلى حافة الهاوية، ومن أجل الإسراع فى تدخل دولى ينقذ إسرائيل من ورطتها فى الجنوب اللبنانى ومن قبضة مقاتلى حزب الله، وكذلك دفع أطراف عربية مثل السعودية ومصر والأردن إلى أداء دورهم كسماسرة إقليميين لصالح الولايات المتحدة، وذلك بتوفير غطاء "عربى" لإبعاد حزب الله عن الحدود الشمالية لإسرائيل، وتشكيل قوة دولية قد تساهم فيها بعض تلك الأطراف العربية، وبهذا يتحقق لإسرائي
ل بعض أهدافها من العدوان على لبنان.
وفى كل الأحوال فإن قبول الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض العملاء الإقليمين واللبنانيين بانتصار حزب الله هو من أكثر الأمور استحالة فى الصراع الجارى، وهذا الانتصار لحزب الله، يعنى استمرار تواجده على الحدود مع إسرائيل، وإجراء عملية تبادل واسعة للأسرى، وكذا الانسحاب من مزارع شبعا.
والأقرب إلى التصور هو محاولة القيام بعملية مساومة compromise بين الطرفين فى اللحظة الأخيرة، يحقق لإسرائيل بعض مطالبها – خاصة إبعاد حزب الله عن حدودها – دون التطرق فى هذه المرحلة إلى مسألة نزع سلاح حزب الله، مع وجود قوات سواء لبنانية أو دولية على الحدود، وإعطاء حزب الله ورقة لقبول تسوية من هذا النوع تتمثل فى عملية تبادل واسعة نسبيا للأسرى، وهذا هو مضمون الأفكار السعودية التى طرحها وزير الخارجية السعودى بعد "حجة" البيت الأبيض وتوقيع الرئيس "بوش" على مضمونها.
أن سلاح حزب الله قد أوقف مؤامرة دولية وإقليمية كبرى، لكنه بالقطع لا يستطيع وحده أن يغير الخرائط الإقليمية، فالشعوب العربية فى مصر والأردن والسعودية مطالبة الآن أكثر من أى وقت بتغيير هذه الأنظمة المشبوهة.. فهل تقدر؟

لا تعليقات على “الفصل الثالث صراعات الإقليم .. وتدهور مركز مصر فيه”

شاركنا بتعليقك الهادف

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create