الأداء السياسى للأطراف المختلفة أثناء العدوان الإسرائيلى على لبنان فى يوليو 2006 *

(3) الاتحاد الأوربى .. العاجز عن الفعل
سيظل الاتحاد الأوربى يعانى من مشكلتين مزمنتين ، سواء فى إدارته ومواجهته للأزمات الدولية ، أو فى طريقة إدارته لشئونه الداخلية وعلاقاته الدولية ، فمن جهة بقدر تطور القدرات الاقتصادية والنقدية والتجارية لهذا الكيان الجيو – سياسى ، بقدر ضعف وانقسام إرادته السياسية بين تيارين أساسيين داخل بنية الاتحاد :
الأول: تيار أوربي تقوده بإصرار فرنسا ، ويضم مجموعة دوارة من الدول تتغير مكوناتها مع كل دورة انتخابية فى هذه الدولة أو تلك ( ألمانيا – إيطاليا – أسبانيا .. الخ ) وهذا التيار أميل إلى الاستقلال النسبى عن السياسات الأمريكية الموغلة فى التطرف والأنانية خاصة بعد انتهاء حقبة الحرب الباردة .
الثانى: تيار أنجلو – سكسونى تلعب فيه بريطانيا دور رأس الرمح الدائم لصالح تحالف – يصل أحيانا كثيرة إلى حد التبعية المطلقة – للسياسات التى ترسمها واشنطن، وهذا التيار يضم دول معظمها من دول المنظومة الاشتراكية السابقة مثل التشيك والسوفاك ورومانيا وبولندا والمجر .. الخ .
والحقيقة أنه مع كل توسيع جديد للنطاق الجيو – سياسى لبنيان الاتحاد (حاليا 25 دولة) ستزداد حدة الانقسامات، فيما يتعلق بالشئون الدولية والعلاقات مع واشنطن، بما يؤدى فعليا إلى شلل الإرادة السياسية للإتحاد وقدرته على اتخاذ قرارات مؤثرة فى النزاعات والأزمات الدولية.
ومن جهة أخرى، فإن مستقبل التطور الإقتصادى فى بلدان الاتحاد الأوربى يعتمد فى جزء كبير منه على التطورات والأحداث السياسية والاقتصادية التى تجرى فى المحيط الخلفى لأوربا ، ونعنى به الشرق العربى – الشريك التجارى الأكبر لأوربا – سواء فيما يتعلق بمصادر النفط والغاز أو فيما يختص بتسويق الإنتاج الأوربى. وهذه العلاقة المركبة والحيوية تخرج فى بعض جوانبها عن قدرات الاتحاد الأوربى بسبب إنفراد الولايات المتحدة – وإسرائيل – بأهم تلك الأحداث والتطورات الجارية.
هذا الواقع يؤدى إلى إرباك المواقف الأوربية عموما، والاتحاد ككيان سياسى على وجه الخصوص، وهو ما بدا واضحا فى أزمة العدوان الإسرائيلى الأخيرة على لبنان وفلسطين فى الفترة الماضية.
فالتيار الأول حاول فى اجتماع بر وكسل (31/7) الدفع فى طريق تضمين البيان الختامى دعوة لوقف فورى لإطلاق النار مع معالجة جزئية لمشكلات مثل وضع مزارع شبعا وتبادل الأسرى وغيرها، بيد أن التيار الثانى قد نجح فى وأد هذه الفكرة وصدر البيان الختامى للاجتماع أشبه بالمتواطىء بالصمت على ما يجرى فى لبنان، وكأنه ينصاع لمطلب الإدارة الأمريكية وبريطانيا، لمنح إسرائيل مزيدا من الوقت لتحقيق بعض النجاحات العسكرية والميدانية.
والحقيقة أنه من غير المقدر أن يخرج البنيان الإتحادى الأوربى عن هذا الواقع السياسى لفترة قد تطول من الزمن، بما يجعلنا نؤكد أن هذا الاتحاد سيظل مجرد بنك للتسويات المالية والاقتصادية للمصالح الأمريكية فى المنطقة لسنوات طويلة قادمة دون أن يكون صاحب قرار سياسى مستقل.

(4) روسيا .. المتحرك على مهل
اكتوت روسيا –أو الاتحاد السوفيتى السابق– من جراء السياسات العربية المتناقضة خلال الثلاثين عاما الماضية، فاختزنت الذاكرة السياسية الروسية ذكريات غير إيجابية تجاه سياسات ومواقف الدول والحكومات العربية – بل وحتى الفلسطينية – ومن ناحية أخرى فإن الانقلاب السياسى والاجتماعى الضخم الذى حدث فى روسيا منذ أغسطس من عام 1991 ، قد خلق قوى اجتماعية وسياسية جديدة هى أقرب فى تحالفاتها ورؤيتها لمستقبل روسيا للغرب عموما والولايات المتحدة على وجه الخصوص.
والحقيقة أن كل ما نجح فيه الرئيس الجديد "فلاديمير بوتين" طوال السنوات الستة الماضية هو وقف حالة الانهيار الإقتصادى والتدهور السياسى والانحطاط الاجتماعى والأخلاقى الذى صاحب فترة تولى "بوريس يلتسين" وجماعته الصهيونية الميل والهوى.
كما تمكن "بوتين" من خلق ما يمكن تسميته "كتلة الوسط السياسى" فى روسيا بين نفوذ اليسار الشيوعى التقليدى الذى حكم البلاد طوال سبعين عاما ماضية، وقوى الخصخصة والليبرالية الجديدة التى كانت أقرب فى سلوكها السياسى والاقتصادي لجماعات "المافيا" وعصابات النهب والتهريب، فأوقف حالة الانهيار تلك دون أن يقدم رؤية استراتيجية بديلة تضمن لروسيا مكانا مستقلا ومقدرا فى السياسات العالمية.
وقد أنعكست هذه المحددات الروسية فى الأزمة الأخيرة ، فأعلن الرئيس الروسى "بوتين" على هامش اجتماعات مجموعة الثمانية (G8 ) المنعقدة فى ضيافة المدينة الروسية التاريخية "بطروسبورغ" عن تفهمه للموقف الإسرائيلى بعد أسر حزب الله للجنديين الإسرائيليين، وزاد على ذلك الاعتراف بحق إسرائيل فى الدفاع عن نفسها، وهو نفس الموقف الذى أعلنه الرئيس الأمريكى منذ اللحظة الأولى للأزمة والعدوان الإسرائيلى.
ونت هنا جاء البيان الختامى لقمة الثمانية محملا "حزب الله" مسئولية الأزمة دون أن يتطرق للتصرفات والتدمير الممنهج الذى تقوم به إسرائيل ضد البنية التحتية للبنان، و ذلك على عكس الموقف الروسى المدعم نسبيا لإيران فى موضوع "الملف النووى" والرافض بالمطلق لفرض عقوبات اقتصادية أو سياسية أو عسكرية على ذلك البلد، بسبب من الاعتبارات الاقتصادية المحضة لروسيا، لذا فان الصمت الروسى، والقبول بالإدارة الأمريكية للأزمة ومشاركتها لفرنسا فى ذلك هو موقف روسيا من بداية الأ

لا تعليقات على “الأداء السياسى للأطراف المختلفة أثناء العدوان الإسرائيلى على لبنان فى يوليو 2006 *”

شاركنا بتعليقك الهادف

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create