الأبعاد الاستراتيجية للحشود الإيرانية على كردستان العراق*

فجأة فى الأسبوع الأول من شهر (أيار/مايو) 2006 ..أشتعل لهيب النار فى شمال منطقة كردستان العراق على الحدود الإيرانية – العراقية ، ونقلت وكالات الأنباء أخبار الحشود العسكرية الإيرانية – والتركية – فى منطقة المثلث الحدودى بين الدول الثلاث. والسؤال الذى يشغل الفكر والعقل الاستراتيجى المتابع عن كثب للتطورات الجارية فى الملف العراقى هو :
ما هى الأبعاد الحقيقية لهذه التطورات الجديدة ؟ وما هى علاقتها بواقع الصراع الضارى الجارى داخل العراق وحوله ؟ وما هو تأثيره على كامل النسق الاقليمى الذى يتصارع على إعادة صياغة وبناء العراق قوى دولية مؤثرة – كالولايات المتحدة وبريطانيا – وأخرى إقليمية فاعلة أبرزها إيران وإسرائيل وتركيا ؟
والحقيقة، فإن محاولة الإجابة على هذه التساؤلات ، من أجل التعرف على حقائق الوضع الجيو – سياسى فى المنطقة يتطلب كذلك ، إعادة فك وتركيب دوافع وتحركات تلك الأطراف الدولية والإقليمية فى هذه اللحظة بالذات ، ثم رصد مواقف وأهداف الأطراف الكردية الانفصالية فى شمال العراق ، سواء باعتبارها طرف " لاعب " – بما يفوق قدراته وإمكانياته – أو بصفته كالعادة مجرد " مارولت " على مسرح عرائس القوى الإقليمية والدولية 1- الأكراد .. والفرصة المستحيلة
منذ أن فرض نظام الحظر الجوى على شمال العراق عام 1991 ، من قبل قوات التحالف الغربى والولايات المتحدة ، تحولت كردستان العراق إلى "محمية أمريكية"، تعززت فيها قدرات الأحزاب الكردية الانفصالية وفى الصدارة منها الحزب الديموقراطى الكردستانى (بزعامة مسعود برزانى)، وحزب الإتحاد الوطنى الكردستانى ( بقيادة جلال طالبانى ) ، وخلال أكثر من ثلاثة عشر عاما من الحصار الخانق على الشعب والنظام العراقى السابق ، تأسست بنية تحتية لدولتين كرديتين فى شمال العراق ، أحداهما بعاصمتة ( آربيل ) والأخرى فى ( السليمانية ) ، لكل منها برلمانها وجيشها وشرطتها وجماركها وحكومتها .. الخ .
بيد أن الغزو والاحتلال الأنجلو – أمريكى للعراق الذى بدأ فى العشرين من مارس عام 2003 ، وانهيار الحكومة المركزية فى ( بغداد ) وتفكك جيشها ، قد منح القوى الانفصالية الكردية ، ما اعتبرته فرصة العمر التاريخية ، وقدرت أنه إذا ما أفلتت هذه الفرصة من أيديهم فربما لن تتكرر أبدا .
وهكذا بدأت عجلة الانفصال الكردية فى الدوران ، وبرغم الرفض الإقليمي سواء من جانب سوريا أو تركيا ، أو حتى صمت إيران المشوب بالحذر ، فقد استمرت إجراءات الانفصال الكردية متمثلة فى الآتى :
1- الدفع بقوة من أجل تمرير القانون / الجريمة المسمى (قانون إدارة الدولة العراقية ) الذى صاغه المحامى الصهيوني الأمريكى "نوح جولدمان" وأصدره الحاكم الأمريكى "بول بريمر"، وضمن فيه للأكراد الانفصاليون وضعا استثنائيا فى حكم العراق أو الانفصال، وقتما يرون أن البيئة الدولية والإقليمية مهيأة لذلك، وساعدهم على ذلك تواطأ إيرانى بالصمت وقبول أعوان إيران فى العراق من أمثال الحكيم وإبراهيم الجعفرى وأحمد الجلبى وغيرهم .
2- العمل على إقامة حكومة موحدة بين الطرفين الكرديين المتنازعين على كردستان العراق ( طالبانى وبرزانى ) وكذا إقامة برلمان موحد .
3- انتخاب رئيس لإقليم كردستان العراق ( البرزانى) له من الصلاحيات والسلطات ما يزيد على ما يملكه رئيس جمهورية العراق ذاته ، مع إزاحة " الطالبانى " إلى موقع رئاسة الجمهورية العراقية وضمان وزير خارجية للدولة العراقية الجديدة من قيادات الأكراد الانفصاليين " هوشيار زيبارى " لضمان تمرير البنية الجديدة وكسب الوقت .
4- استمرار الضغط – إلى حد التهديد بالسلاح والانفصال – من أجل ضم " كركوك " الغنية بالنفط ، إلى إقليم كردستان العراق من أجل ضمان وتأمين الأساس الاقتصادى للدولة الانفصالية ، مع إجراء عمليات تطهير عرقى فى كركوك لصالح الأكراد .
5- ثم أنه ومع وجود القوات الأمريكية وبعض حلفائها فى كردستان العراق ، تأمن إلى حد كبير الإقليم من مخاطر الاختراق العسكرى التركى للحدود العراقية ، ومهاجمة أوكار حزب العمال الكردستانى التركى ، وبالتبعية منع قيام دولة كردية انفصالية فى شمال العراق .
وإزاء رفض سوريا وتركيا لهذا الواقع الجيو – سياسى الجديد فى شمال العراق ، قام الانفصاليون الأكراد – خاصة جماعة مسعود برزانى – بالضغط على الدولتين من خلال تعزيز وتوفير الملاذ الآمن لجماعات حزب العمال التركى الذى نشط بعملياته داخل تركيا ، كما قام بتنشيط عناصر التمرد الانفصالى الكردية فى سوريا التى ظهرت فى أحداث " القامشلى " عام 2004 ، ولم يتردد " هوشيار زيبارى " و " مسعود برزانى " فى التلويح علنا بتهديد الدولتين ، إذا ما استمروا فى الممانعة ودعمهم لعناصر المقاومة الوطنية العراقية من الحدود السورية .
ولم يحل دون إعلان انفصال كردى فى شمال العراق فعلا سوى ثلاث حقائق عنيدة على الأرض:
الأولى: تردد الولايات المتحدة فى القبول بدولة كردية انفصالية فى هذه المرحلة ، لما يمثله ذلك من احتمال تفجير كامل الوضع داخل العراق وفى الجوار الاقليمى المباشر ، خاصة مع تزايد مخاوف حلفاءها الأتراك وبعض الدول العربية الأقل شأنا مثل مصر والسعودية .. الخ .
الثانية: أن قضية هضم " كركوك " لم تحسم بعد ، وتزايدت ممانعة بعض القوى السياسية العراقية التى كان يظن أن غنيمة الجنوب العراقى سوف تدفعهم للتغاضي عن ما ي

لا تعليقات على “الأبعاد الاستراتيجية للحشود الإيرانية على كردستان العراق*”

شاركنا بتعليقك الهادف

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create