إيران والملف النووى .. وحرب الحصار المتبادل "إذا كان الموقع هو الرصيد .. فإن التوقيت هو فن الحكم"*

بهذه الكلمات البسيطة والعميقة ، عبر وزير الخارجية الأمريكي المحنك "جيمس بيكر" فى مذكراته المنشورة فى منتصف التسعينات عن مفهوم استراتيجي فى إدارة العلاقات الدولية ، وإدارة الصراعات الدولية.
ولا يمكن أن نجد عبارة تصدق على حالة الصراع الدائر حاليا بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها فى أوربا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى بمثل تلك العبارة .
وإذا كان ملف الصراع الممتد بين الطرفين منذ الثورة الدينية الإيرانية عام 1979 وحتى يومنا ، قد تناوله الكثيرون من الكتاب والمحللين من جوانبه السياسية والعلمية والتكنولوجية المختلفة ، بحيث باتت أبعاده معروفة للجميع ، فإن طرح الأبعاد الاقتصادية ، والتلويح باستخدام مظلة مجلس الأمن لفرض حصار اقتصادي على إيران ، بكل ما يشكله ذلك من تداعيات وآثار على مجمل تفاعلات الاقتصاد العالمى ، لم تحظ بعد بدراسة معمقة وتناول تحليلى جاد .
فما هى معطيات الوضع الاقتصادي والاستراتيجي العام لأطراف الصراع الراهن (إيران ، والغرب) بعد إعلان إيران الأسبوع الماضى عن نجاحها فى تخصيب اليورانيوم ؟ وما هى سيناريوهات المستقبل ؟ وكيف تمتلك الأطراف المختلفة أوراق للضغط وأدوات لإدارة هذا الصراع المصيري ؟
دعونا أذن نبدأ بتأمل المشهد الاستراتيجى الراهن .
أخطاء السياسة الأمريكية .. مكاسب إستراتيجية لإيران .
كان لتأثير أحداث الحادى عشرة من سبتمبر عام 2001 ، وتزامنه مع صعود وسيطرة الصقور الجارحة فى الساحة السياسية والفكرية الأمريكية (المحافظون الجدد)، دورا كبيرا فى اندفاع السياسة الخارجية الأمريكية إلى مناطق وبؤر نزاعات وصراعات حادة ودامية، وبصرف النظر عن كون هذه السياسة هى مولود مخططات مسبقة عبرت عن نفسها منذ عام 1997 فيما سمى "السياسة الدفاعية الأمريكية فى القرن الحادى والعشرون"، التى كان قد أعدها وشارك فيها عدد كبير من الخبراء فى الاستراتيجيات الأمريكية، جاء معظمهم من المدارس الفكرية اليمينية، أو لا، فإن المحصلة النهائية للاندفاعات الأمريكية منذ أحداث ذلك اليوم التاريخى، سواء بحربها فى أفغانستان فى نوفمبر من ذلك العام ، أو بعد ذلك فى العراق (مارس 2003)، كان تعزيز المركز الاستراتيجى العام لعدوها اللدود " إيران".
ذلك أن إيران قد وجدت نفسها فجاءه ، ودون كثير تضحيات مستفيدة إستراتيجيا على أكثر من صعيد :
فهى أولا: قد تخلصت من جار شرقي مثير للقلق والاضطراب ، سواء على الصعيد السياسى ، أو حتى من منظور الحساسيات الأيدلوجية والمذهبية – حيث طالبان السنية المتزمتة – وبتخلص إيران من نظام "طالبان" فى نوفمبر عام 2001 فقد أمنت مكامن تهديد وخطر على حدودها الشرقية.
وهى ثانيا: أعطت فرصة العمر لإيران للتخلص من نظام قومى معادى لسياستها على حدودها الغربية – نظام صدام حسين والبعث – والتى لم تنجح طوال حرب الثمانى سنوات فى زحزحنه عن الحكم ، أو تصدير نفوذها فى الكتلة العربية السنية المجاورة ، بالاعتماد والارتكاز على تكتل سكانى شيعى يتوطن فى جنوب العراق ، وعلى التخوم الشمالية الغربية للملكة السعودية والبحرين وغيرهما .
وهى ثالثا: قد آمنت مناطق نفوذ هائلة – اجتماعيا وسياسيا وثقافيا – داخل العراق ذاته، مما خلخل البنية الاجتماعية والسياسية لهذا البلد العربى تاريخيا ، مما حقق هدف استراتيجي، سعت إليه إيران منذ قرون طويلة ماضية، سواء فى ظل حكمها الامبراطورى السابق، أو فى ظل حكمها الاسلامى الريديكالى الحالى.
وهى رابعا: وبفعل استثمار أخطاء وخطايا السياسة الأمريكية فى العراق ، وبذر بذور التقسيم العرقى والمذهبى ، قد أفلحت فى استمرار حالة الفوضى السياسية فى ذلك البلد ، فخرج عمليا من ساحة الإنتاج النفطى المنظم والمؤثر (هبط الإنتاج العراقى من 3 مليون برميل يوميا قبل عام 1990 إلى أقل من 1.5 مليون برميل يوميا فى الوقت الراهن)، ومع استمرار حالة اليسار وقوى المعارضة الريديكالية المناوئة للسياسة الأمريكية فى دول قارة أمريكا اللاتينية منذ عام 1998 ، فإن أوراق الضغط والتأثير على العصب الاقتصادى والمعيشى الحساس للدول الغربية عموما والولايات المتحدة على وجه الخصوص ، قد أصبحت قريبة المنال لإيران ، خاصة إذا ما أحسنت إدارة تحالفاتها فى هذا المجال النفطى ، وهو ما بدت بوادره منذ عامين حينما تكثفت الزيارات الرسمية وعلى أعلى المستويات مع فنزويلا (الرئيس هوجو شافيز) وغيرها من دول القارة وكوبا .
وهى خامسا: ومنذ الغزو الاسرائيلى للبنان فى صيف عام 1982 ، قد نجحت فى تعزيز مواقع أقدام قوية داخل دائرة الصراع العربى – الصهيونى ، ومع نجاح المقاومة اللبنانية و" حزب الله " فى إجبار إسرائيل – لأول مرة فى تاريخ هذا الصراع – على الانسحاب المذعور ليلا من الجنوب اللبنانى فى الخامس والعشرين من مايو عام 2000 ، أصبحت إيران بصورة أو بأخرى شريك فى هذا العرس العربى ، سواء كان ذلك معلنا أو ضمنيا ، مما مكنها من حيازة أحد أوراق الضغط والصراع مع الولايات المتحدة والغرب الأوربى .
أذن .. هذا هو المشهد العام من جانب الأوراق المتاحة لدى إيران فى الصراع المحتدم حاليا والمؤهل بأن ترتفع وتيرته بعد قرار مجلس محافظى الوكالة الدولية للطاقة الذرية فى فبراير الماضى ، بإحالة ملف إيران النووى إلى مجلس الأمن ، الذى يتوارى من خلف كواليسه وستائره الولايات المتحدة الأمريكية دون أدنى شك .
فما هى سينار

لا تعليقات على “إيران والملف النووى .. وحرب الحصار المتبادل "إذا كان الموقع هو الرصيد .. فإن التوقيت هو فن الحكم"*”

شاركنا بتعليقك الهادف

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create