أين تذهب أموال جهاز الإعلام المصرى؟*

إذا كان من المفهوم وجود فلسفة وموقف سياسى للنظام الإعلامي المصرى، مشتق من جملة أفكار واستراتيجيات النظام والحكم السياسى، مثل الحفاظ على علاقة التحالف مع الولايات المتحدة وعدم الإضرار بما يسمى "مسيرة التسوية مع إسرائيل"، وكذا تناول القضايا العربية فى الحدود التى لا تضر مصالح الحكم وأولوياته مع هاتين الدولتين المعتديتين ، وكذلك تقديس مفهوم الملكية الخاصة والقطاع الخاص باعتبارهما قاطرة النمو الاقتصادى – الذى لم يحدث- وعدم المساس بالعلاقات مع العائلة المالكة السعودية أو العائلات المالكة فى الخليج العربى، وكذا عدم المساس بشخص رئيس الجمهورية وعدم توجيه النقد إليه أو إلى سياساته وأفكاره حتى لو مست مستقبلنا ومستقبل أولادنا.
فإن هذه الاعتبارات والقيود قد شكلت عبر الزمن سقفا لحدود " الحرية الإعلامية المصرية " سواء كانت فى وسائل الإعلام الحكومية أو حتى وسائل الاعلام الخاصة أو الحزبية أو ما يسمى خطأ "الصحف المستقلة"، بحيث فرضت بدورها قيوداً على الأداء الاعلامى المسيطر عليه من جانب الحكومة والحكم من حيث:
1– طبيعة الموضوعات محل التناول الإخبارى والإعلامى عموماً.
2– طبيعة انتقاء الشخصيات التى تجرى استضافتها فى التعليقات الإخبارية أو غيرها.
3– طبيعة البرامج الدرامية والمنوعات التى ينبغى أن تراعى تلك الحساسيات سواء كانت متعلقة بالولايات المتحدة أو المملكة السعودية.
4 – الاهتمام بالكم الإعلامى على حساب الكيف الإعلامى والتثقيفى، حيث يزيد عدد ساعات البث التليفزيونى الراهن على 164 ساعة يومياً، خاصة بعد التوسع غير المبرر وغير الاقتصادى وغير الفنى فى القنوات المحلية والإقليمية والمتخصصة.
حتى تلك المحاولات الخجولة والجريئة – نسبياً – التى حاول فيها بعض المسئولين فى قناتى الثقافية والنيل للأخبار توسيع هامش الحرية ، جرى تطويقهما والعودة بهما مرة أخرى الى حظيرة الرسمى والمحدود ، مما أفقد " الشاشة المصرية التليفزيونية " أى طعم مميز ، أو نكهة جادة قادرة على اجتذاب المشاهدين والمتابعين لكل الأحداث الجسام التى تجرى فى فلسطين أو العراق أو السودان أو غيرها ، فلجأ الجميع الى القنوات الفضائية العربية الجديدة مثل الجزيرة والعربية وأبو ظبى ، علاوة بالطبع على CNN , BBC .
فأين أوجه الخلل فى أدائنا الإعلامى الراهن ؟
إذا كان هذا هو الوضع التنافسى المتواضع للأداء الإعلامى المصرى ، خاصة فيما يتعلق بأهم قطاعاته وأكثرها تأثيراً ألا وهو جهاز "التليفزيون" برغم زيادة عدد ساعات بثه الإجمالى الى أكثر من 164 ساعة يومياً بكل قنواته الأساسية (الأولى والثانية والثالثة) والإقليمية أو المتخصصة أو حتى القنوات الخاصة، فإن هذا يطرح سؤالاً حيوياً وهو أين مناط الخلل؟ وهل هو نتيجة نقص فى الموارد المالية أو الكوادر الفنية والبشرية؟
يستطيع المحلل المدقق فى الأداء الإعلامى المصرى، وجهاز التليفزيون تحديداً أن يكتشف مجموعة من الإختلالات الأساسية وهى:
1– لعل أهمها وأكثرها تأثيراً على مجمل الأداء هو تدنى سقف الحرية والسماح الديموقراطى أمام معدى البرامج الإخبارية والحوارية والأفلام التسجيلية والدرامسة وغيرها.
2– ويترتب على ذلك هروب الكوادر الفنية الشابة، خاصة من المخرجين ومعدى البرامج والمذيعين، سواء كان ذلك بسبب تواضع مستوى الحرية وبالتالى القيود المفروضة على إبداعهم، أو بسبب نقص الامكانيات الفنية مثل الاستوديوهات، أو الكاميرات وكذا تدنى الأجور والمكافآت لصغار العاملين والكوادر التنفيذية.
3– سوء توزيع العمل سواء بسبب ضعف المديرين أو بسبب سيادة منطق وروح الشللية والمجاملة داخل القنوات وبين مشرفى البرامج المختلفة .
4– التوسع غير المبرر وغير الاقتصادى فى القنوات التليفزيونية، سواء كانت قنوات إقليمية (من الرابعة وحتى الثامنة) أو القنوات المتخصصة، وتكرار نفس الوظائف والاختصاصات وهو ما أدى إلى تواضع أدائها الفنى والموضوعى.
5– زيادة ساعات البث التليفزيونى بصورة مفزعة ، مما غلب اعتبارات الكم على اعتبارات الجودة وفاعلية الاختيار بدءاً من النصوص وحتى الأداء التمثيلى والإخراج، مما أضعف الشاشة المصرية وأساء إلى سمعتها.
6– انتشار الفساد، أو ما يطلق عليه العاملون فى اتحاد الإذاعة والتليفزيون تعبير "الزيس" وتسمح لوائح الانتاج والإشراف على البرامج بثغرات واسعة تؤدى الى تفشى الفساد وانتشاره، خاصة بين كبار العاملين وقيادات التليفزيون ، ولدينا فى هذا حالات ونماذج قضى فيها القضاء المصرى بأحكام إدانة ، وهى بالقطع ليست الحالات الوحيدة .ويبقى السؤال :
أزمة موارد .. أم خلل فى إدارة الموارد المالية ؟
يدهش المرء من معرفة مقدار النقص الموجود فعلاً فى المعدات الفنية (الكاميرات) أو الاستديوهات، فى هذا المبنى الضخم الذى يضم أكثر من 55 ألف موظف وكادر فنى وهندسى وتحريرى .. إلخ.
خذ مثلاً قناتى النيل للأخبار والثقافية وهما الأكثر جرأة وكفاءة من الناحيتين الاخبارية والثقافية، لا يمتلكان سوى عدد محدود جداً من كاميرات التصوير الخارجى – ربما كاميرتان لكل قناة منهما إن لم تخنى الذاكرة – بما يعجزهما عن ملاحقة الأحداث الهامة سواء كانت سياسية أو ثقافية، وذلك على الرغم من ضخامة الموارد المــالية التى حصل عليها اتحاد الاذاعة والتليفزيون طوال الأحد عشر عاماً الماضية (91/1992 – 2001/2002) والتى زادت على 13.4 مليار جنيه؟ بما
جعل هذه المؤسسة واحدة من أكبر الأجهزة أو الهيئات الاقتصادية التى تحصل على اعتمادات مالية وهى أيضاً من أكبر الهيئات التى تحقق خسائر سنوية فى البلاد. والجدول التالى يبين تطور مخصصات جهاز الإعلام الحكومى المصرى خلال الفترة المشار إليها:
جدول رقم (15)
تطور مخصصات قطاع الإعلام المصرى فى الموازنة العامة للدولة
خلال الفترة 91/1992-2001/2002 " بالمليون جنيه "

السنوات

ديوان وزارة الإعلام

هيئة الاستعلامات

اتحاد الاذاعة والتليفزيون

الإجمالى

91/1992

47.6

45.0

500.1

592.7

92/1993

54.8

48.8

694.2

767.8

93/1994

63.0

63.0

872.1

998.1

94/1995

77.6

62.3

998.1

1138.0

95/1996

96.9

80.7

1429.8

1607.4

96/1997

115.7

135.0

1392.8

1643.5

97/1998

115.4

72.4

1220.7

1408.5

98/1999

115.7

75.6

1427.7

1619.0

99/2000

116.0

79.4

1718.5

1913.9

2000/2001

116.4

84.2

1476.0

1676.6

2001/2002

116.7

84.8

1673.7

1875.2

الإجمالى

1035.8

831.2

13403.7

15270.7

المصدر: مجلدات الحساب الختامى للدولة فى السنوات السته الأولى، ثم بعدها من مجلدات الموازنة العامة للدولة.

إذن فإن هذا الجهاز الضخم لا يعانى من نقص الموارد المالية، بل المؤكد أنه يعانى من سوء إدارة هذه الموارد وهو ما كشفته وقائع الفساد والانحرافات التى ظهرت فى السنوات القليلة الماضية خاصة فى قضية رئيس قطاع الأخبار السابق (محمد الوكيل)، وهو مازال موجوداً بين كثير من القيادات خاصة ما يتعلق بالتحايل لزيادة مكافآتهم الشهرية عبر ما يسمى "الإشراف على البرامج" برغم أنها من صميم عمل هذه القيادات ومن صميم اختصاصاتها الوظيفية، وهو ما أدى فى النهاية الى رسوب الدور الإعلامى المصرى فى السوق التنافسية العربية والدولية من جميع النواحى الفنية والمهنية .. لماذا ؟
هنا نستطيع أن نشير ونؤكد على مداخل أساسية لإصلاح هذا الوضع المختل مثل:
1– ضرورة إعادة هيكلة التنظيم الراهن لإتحاد الاذاعة والتليفزيون، خاصة مراجعة تجربة القنوات الإقليمية موضوعياً ومهنياً وفنياً، حيث تبين أن معظمها خلال السنوات الخمس الماضية لم يقدم إضافة ذات بال سواء فى المجال الإعلامى أو فى مجال التنمية بالمحافظات المختلفة.
2– العمل فوراً على تقليل ساعات البث التليفزيونى والإذاعى ، فقد زاد البث الإذاعى بدوره من 15 ساعة عام 1952 الى 222 ساعة يومياً عام 83/1984 ثم إلى 254 ساعة يومياً عام 8
8 / 1989 وبحلول عام 96/1997 كان قد تجاوز 299 ساعة يومياً من البث الإذاعى، أما التليفزيون الحكومى فقد قاربت ساعات بثه حالياً نحو 200 ساعة يومياً . ومن شأن التقليل أن يحقق عدة أهداف استراتيجية فى آن واحد فهو من ناحية سيتيح فرصة أفضل لعملية اختيار الأعمال التى تنتج على الشاشة الفضية من حيث العناصر الفنية المتكاملة (نصوص ، سيناريو ، ديكور ، إخراج .. إلخ) ، كما سيسمح للقيادات التنفيذية والإدارية بالجهاز بإلتقاط الأنفاس ، وسيمنح الأسرة المصرية فرصة للتواصل والحوار بعيداً عن شاشة تقتحم بفضولها وإلحاحها بيوتهم وغرف نومهم ، والقول بأن ذلك من شأنه ترك الفضاء المصرى للبث من الخارج أو الإرسال الإسرائيلى أو غيره هو أكذوبة كبرى لا تنطلى سوى على السذج، فالحقيقة أن الأداء الراهن للشاشة الفضية المصرية هو الذى من شأنه دفع المصريين جميعاً للبحث عن قنوات أخرى وفضائيات أخرى.
3– مراجعة تجربة الفضائيتين المصريتين الأولى والثانية، ودمجهما معا فى فضائية واحدة مع الحفاظ على القنوات الجادة وتعزيز دورها مثل القناة الثقافية والنيل للأخبار.
4– النظر جدياً فى اعتماد نظام كفء ومتجدد الدماء للمراسلين المصريين مصحوبين بكاميرات للتعامل مع الحدث مباشرة ونقله بالصوت والصورة خاصة فى مواقع الأحداث التى تهمنا وتمس أمننا القومى مثل العراق وفلسطين والسودان .
5– مراجعة بل وإلغاء نظام المنتج المنفذ الذى تحول إلى ثقب هائل فى أموال التليفزيون، لا يستفيد منه واقعياً سوى عدد محدود جدا من قيادات الجهاز سواء الذين مازالوا فى الخدمة أو الذين تقاعدوا لبلوغ السن القانونية .
6– مراجعة نظام الإشراف على البرامج الذى أصبح بمثابة وسيلة "احتيال" من جانب عدد كبير من قيادات القنوات المختلفة للحصول على مكافآت هائلة شهرياً برغم أن هذا العمل من صميم الوظيفة القيادية.
7– مراجعة كل الأسس التى تقوم عليها الأعمال الفنية من مسلسلات درامية أو برامج منوعات التى كان لها فى السنوات الماضية دور خطير فى عقلية النشء والشباب وفى زرع قيم سلبية فى الريف والمدينة وفقاً للدراسات الجادة التى اهتمت بمتابعة تأثير الدراما التليفزيونية على أنساق القيم والمفاهيم المصرية فى عصر الحقبة النفطية والانفتاح والصلح مع إسرائيل.
نحن فى أشد الحاجة الى إعلام تنموى حقيقى وليس الى اعلام "ملء الفراغ" أو التسلية ، فما أبعد شعبنا وأمتنا عن الترفيه والتسلية ، وما أقرب الهموم الى قلبه ووجدانه.

لا تعليقات على “أين تذهب أموال جهاز الإعلام المصرى؟*”

شاركنا بتعليقك الهادف

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create